لكل مجتمع نمطه الخاص يرتبط به وتحيط به ظروف طبيعية وبيئية معينة تؤثر بطرق مباشرة او غير مباشرة في الحياة الاقتصادية والثقافية السائدة فيه وتطبعها بطابع مميز.
ان مدينة الميناء «مدينة الموج والافق» مليئة بآثار تاريخية مهمة، ومواقع بيئية جميلة وشبكة بولفارات وطرق وساحات وحدائق وجسر يصل الميناء بأول الجزر الموجودة في بحرها.
وعند مدخل الميناء هناك أنصبة أبرزها الاشرعة والمرساة عند أول الكورنيش لجهة الشمال.
بالاضافة الى الحرف اليدوية، من فاخورة وهيب عريرو واولاده ومصنع بوجورج لصناعة قرميد ناري للافران، واباريق وجرار واواني للمطبخ وعلب افراح مزينة، ومعجونة نحت لطلاب الجامعات.
ولكن ابرز ما في الميناء هو الكورنيش البحري الذي يعود انجازه الى سنة 5891 ويصل المدينة بمنطقة البحصاص عبر بولفار جمال عبدالناصر باتجاه الملعب الاولمبي.
على الرغم من وقوع الكورنيش في مدينة الميناء، الا انه واقعياً هو لكل أبناء المنطقة، ابتداءاً من أبناء الميناء وطرابلس، والكورة والمنية وصولاً الى بيروت والبلدان العربية.
ومع ابتداء الكورنيش تبدأ معه على الجهة المقابلة، سلسلة من المطاعم والاستراحات والمقاهي ومحلات البوظة سميت بأسماء تيمناً بمحيطها البيئي والطبيعي.
ويقصد الكورنيش جميع الفئات الاجتماعية، الثقافية والعمرية، وكل فئة تقصده لأسباب معينة اما للترفيه او للرياضة او التعارف، الصيد، السباحة او البحث عن شريك الحياة.
ولكن لكل فئة وقتها ودورها ومتعتها في هذا المكان.
ويختلف المزيج الفئوي بين «بحر» الاسبوع والـ Week-End وبين الصباح والمساء.
«بحر» الاسبوع
يستقطب كورنيش الميناء الطبقات الاجتماعية، «البرجوازية» و«المتوسطة» و«الفقيرة». وهذا يؤدي الى تواجد خليط من اصحاب المهن من: مهندسين، محامين، اطباء، اساتذة، تجار، عمال، موظفين وغيرهم من الفئات الكادحة.
ويستقطب ايضاً الفئات العمرية من شباب ومسنين ونساء وصبايا، ومسنات واطفال.
رياضة صباحية
تبدأ النشاطات الصباحية، خلال الاسبوع عند الساعة السادسة، حيث ان بعض الفئات الاجتماعية تبدأ نهارها على الكورنيش بهدف الرياضة قبل ذهابها الى عملها، او لصيد السمك.
فهناك أبناء الطبقة «البرجوازية» الذين يمارسون الرياضة من مشي وهرولة. وهناك صبايا وسيدات ورجال من مختلف الاعمار، تتراوح اعمارهم بين العقدين الثاني والسابع. ومن اللافت وجود عربات الاطفال التي تجرها الامهات للاستفادة من اشعة الشمس حتى الساعة العاشرة في نمو عظام ابنائها.
نشاطات رياضية...
الا ان الجاذب الثاني هو صيد السمك، فهناك الطبقة الكادحة التي تعتبره مصدر رزقها، وفئة اخرى تأخذه كهواية وللتمرن على الصبر.
ومن المؤسف وجود سبيل ماء لا ماء فيه، لكي يروي عطش الرياضيين والصيّادين والروّاد. فمن البديهي تواجد سبيل فيه مياه وليس بهيكله الخارجي وانما بدوره كراوٍ لعطشى رواد الميناء.
في فترة الظهر يأخذ الكورنيش قسطه من الراحة، لكي يستعد للنشاطات المسائية التي تبدأ من جديد عند الساعة الخامسة عصراً لتتجدد النشاطات الرياضية بمختلف أنواعها، كالمشي والركض وقيادة الدراجات الهوائية والدراجات النارية وصيد السمك والكزدورة والتعارف التي هي من عمر الكورنيش.
هذه النشاطات المسائية يمارسها أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة في المتنفس شبه الوحيد لها.
من الساعة الخامسة عصراً يستعد الكورنيش لاستقبال رواده، فيأتي بائعو القهوة و«عرانيس» الذرة والترمس والبوظة واللوز الاخضر وعصير قصب السكر والسوس والليمون، وتفتح اماكن النرجيلة (الاركيلة)، بالاضافة الى اماكن خاصة على الكورنيش لتأجير الدراجات. كل هذا يكون حاضراً لاستقطاب الزائرين.
قطار وعربة خيل...
فالدراجة الهوائية لها محبوها من الاطفال والشبان والشابات، اما بالنسبة للصبايا فتعتبر بعضهن ان الكورنيش هو المكان الوحيد لركوب الدراجة دون رقيب او تعليق.
بالاضافة الى وجود قطار يحمل ركابه في نزهة في المدينة، وايضاً عربة يجرها خيل يذكرّ بالايام الغابرة.
الكورنيش مساء
ان كورنيش الميناء ليلاً معتم جداً، لا توجد فيه اضاءة سوى بعض مصابيح البلدية على طول الطريق العام.
الا انه يوجد قسم من الكورنيش مضيء على حساب محلات النرجيلة المتواجدة على الكورنيش، حبذا لو وضعت مصابيح على عدد سلال المهملات المتواجدة على طول الكورنيش، ولكن رغم ذلك تجد النفايات على الارض هنا وهناك.
للكورنيش مساء طابعه العائلي، حيث يستقبل العائلات للتنزه واللعب ولأخذ «نفس اركيلة»، يجلبونها معهم من البيت، حيث تعبق رائحة المعسل المتنوعة بشكل يطغى على الرائحة الكريهة المنبعثة من مجارير الصرف الصحي التي تصب هناك.
فالشباب الذين يدخنون النرجيلة هم من عمر السادسة عشرة وما فوق بالاضافة الى من يحتسون المشروبات الروحية كالبيرة. ولا يخلو الكورنيش من «الزعران» و«التشفيط» بين السيارات بواسطة دراجاتهم النارية و«المطاحشة» على الطرقات، و«التلطيش» على البنات والصبايا المتواجدات هناك. ومن الساعة الثامنة وحتى الحادية عشرة تبلغ الذروة عندما يأتي ابناء الميناء والتبانة والسويقة وباب الحديد والزاهرية.. والكورة.
الا ان كورنيش الميناء لا يخلو من درويات الدرك الدائمة الحركة لمنع اي اشكالات او ممارسات سيئة.
ومن زوار الكورنيش الذين يأتون من بيروت والبلدان العربية وغيرها، يأتون بشكل مُِِّْا سياحي في باصات، وذلك لزيارة معالم الجزر المحمية الموجودة قبالة الميناء.
وفي مقابلة أجرتها «التمدن» مع عامر حداد (رئيس لجنة رعاية البيئة) قال: «ان كورنيش الميناء أنشىء حديثاً، وهو متنفس مهم للشمال ولبنان، وهو من أجمل اشكال الكورنيش بحيث تعتبر الميناء جغرافياً في قلب البحر، الا انه لسوء الحظ متروك بلا اهتمام ولا توجد نشاطات فيه او تشجير ولا انارة».
اضاف: «ولا وجود لمركز أمن يلجأ اليه رواد الكورنيش اذا حصل اي اشكال. اما بالنسبة للمجارير التي تصب في البحر، فقال: «هناك مشروع لايقاف المجارير وتحويلها الى محطة التكرير التي انتهى العمل في بنائها مؤخراً عند مصب النهر».
الجزر
اما بالنسبة للجزر فقال: «هناك تسع جزر من بينها ثلاث يشكلن المحمية وهي: النخيل او الارانب اكبر الجزر، الرمكين او الفنار حيث يوجد ضوء لارشاد السفن والسنني.
وهناك موظفون تابعون للجنة رعاية البيئة يهتمون بنظافة المحمية. وخلال اشهر الصيف يمكن زيارة المحمية، اما في الاوقات الاخرى من السنة فلا يمكن الذهاب الا بأخذ تصريح يصدر من لجنة رعاية البيئة».
وبالنسبة لزوار المحمية وجنسياتهم قال: «هم من العرب والاجانب الاوروبيين، ويصل عددهم خلال الموسم الى 31 الف زائر اذا كان الوضع الامني مستقراً».
اما بالنسبة لجزيرة البقر المتصلة بالكورنيش بواسطة جسر فهو «مشروع جزيرة الميناء للبيئة البحرية»، شاركت فيه لجنة رعاية البيئة ومؤسسة الصفدي وبلدية الميناء ومجلس الانماء والاعمار. يتضمن المشروع حديقة للاطفال واعمدة تراثية للانارة وممرات وحوض للسمك ومقاعد للجلوس واكشاك للخدمات وملعب لكرة الطائرة الشاطئية.
وقد اوصلت لجنة رعاية البيئة الماء والانارة وكل شيء جاهز ما عدا اصلاح الجسر الممتد من الكورنيش، لذلك فالجزيرة اليوم مغلقة على امل اصلاح الجسر من قبل مجلس الانماء والاعمار.
مشروع جزيرة البيئة
من أهداف مشروع جزيرة البيئة:
- توفير النشاطات الترفيهية للسكان المحليين، ووضع استراتيجية للسياحة البيئية وخطط وورش عمل لنشر الوعي البيئي.
- التأكيد على ضرورة غرس مفاهيم وأسس ومبادىء الفكر البيئي السياحي في نفوس المواطنين للعيش في بيئة نظيفة وآمنة.
- تطبيق المعايير البيئية عند انشاء وتجهيز مشاريع التنمية ومشاريع السياحة حتى يصبح مفهوم السياحة البيئية جزءاً من فلسفة المشاريع».
الـ
Week Endيخلو الكورنيش من أبناء الميناء بسبب الازدحام الذي يحصل خلال يومي السبت والاحد، ويصبح هذا المكان لأبناء طرابلس بكل مناطقها الشعبية، فيبدأون نهارهم بالسباحة والصيد.
هذا الكورنيش يمتلىء شاطئه ببعض النفايات التي تلوّنه بالمياه الملوثة وأكياس النايلون والعبوات الفارغة.
وفي المياه تجد الكبار والصغار يسبحون في هذه المياه الملوّنة والملوّثة، على طول الكورنيش.
ويختمون نهارهم بكزدورة على الكورنيش و«نفس اركيلة»، بالاضافة الى لقاء العشاق في الفلاء او في السيارات حيث السمر وتبادل نظرات الاعجاب والحب.
ومن اللافت هذا الخليط بين فئات بلباسها الشرعي والحجاب وفئات اخرى بلباسها «الدارج» او على «الموضة» بجميع ألوانه وقصاته وصرعاته.
ومن اللافت ايضاً ان هذا المكان لا يتواجد فيه شعارات حزبية من اي جهة كانت، بل يطغى عليه جوّ عائلي اجتماعي ثقافي.
الكورنيش هو نموذج للعيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد، يجمع الغني والفقير، هذا المكان هو نقطة التسامح بين جميع الفئات والطبقات.
انه نقطة جذب للمساواة ولو لوقت قليل.