يملك الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وحده، الجواب عن سؤال ملح: هل الحزب الجديد المولود في قاعة «البيال» في 24 تموز 2010 هو نفسه الحزب الذي كان يطمح الشهيد الحريري لانشائه وتأسيسه، بل وكان قد وضع بنفسه حجر الاساس له نحو عام 1995، قبيل الانتخابات النيابية الشهيرة في العام التالي؟
يستفاد من تصريحات منسق اللجنة الخماسية لهيكلة «التيار» احمد الحريري ان الحزب الوليد هو نتاج تراكم تاريخي يعود الى عام1979 من دون شرح مقنع: لماذا اختيار هذا التاريخ بالذات؟
من هم الآباء المؤسسون الفعليون؟ ما هي المنطلقات النظرية للحزب ومن هم واضعوها؟
لا جواب يشفي سوى اشارات غامضة في كتاب الفضل شلق «تجربتي مع الحريري» الذي أعدّه جورج فرشخ، والصادر عام 2006 اي بعد عام على استشهاد الرئيس الحريري. وفي هذا الكتاب تفاصيل حول بدايات التأسيس تحت عنوان: «هيكلة لتيار المستقبل» (ص 381 من الكتاب المشار اليه) تتضمن بعض الرواية عن دعوة شلق من قبل بهية الحريري في العام 2002 وقولها له: «يا فضل، نحن في صدد اعادة هيكلة مؤسسة الحريري وتيار المستقبل».
«نعمل كل شيء ولا نسميه حزباً»
تتابع صفحات الكتاب الرواية على النحو التالي ونقتبس حرفياً:
«رحّب الفضل شلق بالفكرة، وأثنى على الهمة، وسأل بصراحته التي تنمّ عن عمق المحبة والتقدير: «هل حكيت بالموضوع مع أخيك؟» قالت: «نعم!» سأل: «تريدين ان أساعدك؟» قالت: «نعم!» قال: «أنا ليس عندي مشكلة، وأتمنى العمل معك، شرط ألا يظهر اسمي الى العلن، وذلك لسببين: الاول، لأنه يثير حساسيات قد يتضايق منها البعض..».
الفضل شلق: أذكر انها ضحكت حين ذكرت «البلاط»، وقاطعتني قائلة: «أعرف جيداً. أنا أعاني من المشكلة ذاتها».
«والثاني انني لم أعد مطولاً مع أخيك، هناك مسار تدمير ذاتي، ولا أستطيع المشاركة في ذلك».
الفضل شلق: قاطعتني مرة ثانية وقالت شيئاً بدا منه انها لا تعترض.
وتابع الفضل شلق الحديث مع بهية الحريري. وتابع الاجتماعات والعمل معها، ولكن بعد ان زار الرئيس رفيق الحريري، غداة لقائه الاول بالسيدة بهية الحريري.
الفضل شلق: قلت له: «يا دولة الرئيس، بهية تشتغل على مشروع أنت على علم بذلك؟» ردّ على سؤالي بسؤال: «لماذا تسأل؟».
- لأن هذا النوع من الشغل تترتب عليه أشياء كثيرة، هل تستطيع ان تتحملها في هذا الظرف بالذات؟
- أعطني مثلاً عما يترتب عليه.
- عندما تتحدث السيدة بهية الحريري عن هيكلة تيار المستقبل فهذا يعني انك تتجه لانشاء تنظيم..
- نعمل كل شيء، لكننا لا نسميه حزباً.
- اغفال اسم الحزب لا يكفي ليجنبك المشاكل.
ختم الرئيس الحريري الحديث بالقول: «جربوا.. اعقدوا عدداً من الاجتماعات، وفي ضوئها يُتخذ القرار».
وعقدوا الاجتماع الاول، وتبعته اجتماعات تراوح عدد الحضور فيها بين الخمسين والمائة شخص، معظمهم موظفون. يتلقون الاوامر وينفذون، مطيعين، منضبطين: «اذهب.. يذهب.. تعال.. يأتي». ما هكذا يكون الحكي في السياسة. يجب ان يقوم نقاش جدي، وان تتقارع الافكار بالنقد الذاتي، وان يكون الكلام فوق الطاولة، ان نشرح رؤية رفيق الحريري، ان نتساءل أين صارت هذه الرؤية؟ وهل بقي منها شيء؟ أم انها تحطمت على صخرة الطبقة السياسية؟ ان نحاول معرفة أسباب ارتفاع الدين العام، وأين ذهبت تلك الاموال؟
لدى التطرق الى الدين العام، وقف ضابط من عناصر مواكبة الرئيس الحريري، وراح يدافع. قاطعه الفضل شلق قائلاً: «يا حبيي، كلامك، رفيق الحريري، لم يعد يقوله. انت ترفض الاعتراف بشيء اعترف به رفيق الحريري. يا روحي، إنت. أما اذا كانت القصة قصة مزايدات بمحبة رفيق الحريري فلا أحد يقدر ان يزايد علينا، لا سابقاً، ولا حاضراً، ولا لاحقاً. نحن هنا لنشتغل سياسة. والسياسة رأي وموقف. والرأي حر، والموقف له ثمن. ولا تستطيع ان ترسل مبعوثين من قبلك ليتكلموا مع الناس، مع الجمهور، وهم مكبّلون».
سؤال: هل كان رفيق الحريري يحضر هذه الاجتماعات؟
- لم يحضر اجتماعاً واحداً منها.
في أحد الاجتماعات، في مجدليون، قدم مولانا الدكتور رضوان السيد ورقة، وجد الفضل شلق انها سطحية، وعلّق عليها قائلاً: «أتمنى ان يكون الدكتور رضوان السيد مقتنعاً بما قال».
رضوان السيد: بدأت بأن كتبت بياناً صحافياً، او خطاباً في مناسبة. ولكن قبل موعد الاجتماع بقليل، قالوا ان الورقة ستتلى في الاجتماع، فاستعجلت، وكتبت ما كتبت.
في اجتماع آخر، عرضوا هيكلية تيار المستقبل كان الوزير سمير الجسر قد اشرف على تحضيرها. قرأ الفضل شلق الورقة وسكت، لكن السيدة بهية الحريري أصرّت عليه ان يبدي رأيه.
الفضل شلق: هذه الهيكلية تصلح لشركة مواد غذائية، ولا تصلح لحركة سياسية. شعرت انهم كلهم نزل ضغطهم. خفت عليهم.
ثابرت بهية الحريري على عقد الاجتماعات، وثابر الفضل شلق معها، ودعا الى الاجتماع في الجريدة ذاتها. وأقام احتفالاً كبيراً في الذكرى الثالثة لتأسيس الجريدة، وحضر نواب تيار المستقبل جميعاً. واحتلوا الصفوف الامامية. والقى الفضل شلق خطاباً، لاقى استحساناً شديداً وصفقوا له طويلاً. واتصل الرئيس رفيق الحريري وهنّأ. وأعلن ارتياحه للاحتفال وللخطاب والخطيب.
ورغم التأييد المعلن والصريح من الرئيس الحريري، اتخذ قسم من الحاشية قراراً ضد الفضل شلق وطريقة ادارته الجريدة.
الفضل شلق: هذه طريقة عمل البلاطات. كنت مقرراً ان اقتدي بجوهر الصقلي، اي ان اعمل دائماً لخدمة الآخر. لكنني لست جوهر الصقلي، أولاً. وثانياً، طالت المدة كثيراً. وبدأت تراودني فكرة الاستقالة. لكن مثابرة السيدة بهية الحريري حثتني على المثابرة معها، احتراماً ومحبة. وفجأة، توقفت الاجتماعات. شعرت انني حر، وانني بحلّ من اي ارتباط.