من هو «الحدث» المعرض للانحراف؟
يُعتبر الحدث مهدداً في الاحوال التالية:
1 - اذا وُجد في بيئة تعرضه للاستغلال او تهدد صحته او سلامته او أخلاقه.
2 - اذا تعرض لاعتداء جنسي او عنف جسدي يتجاوز حدود ما يبيحه العرف من ضروب التأديب غير المؤذي.
3 - اذا وُجد متسولاً او مشرداً.
يُعتبر الحدث متسولاً في اطار هذا القانون، اذا امتهن استجداء الاحسان بأية وسيلة كانت. ويُعتبر متشرداً، اذا ترك مسكنه ليعيش في الشوارع والمحلات العامة، او اذا لم يكن له مسكن، ووجد في الحالة الموصوفة آنفاً.
اما عن أماكن تواجد الاحداث المخالفين للقانون او المعرضين للخطر في لبنان (كمراكز مانعة للحرية) فهي: معهد الاصلاح، مركز المبادرة للقاصرات، جناح الاحداث في سجن رومية.
معهد الاصلاح
قامت «التمدن» بزيارة الاحداث في المعهد الاصلاحي الكائن في الفنار حيث جرى حوار مع مدير المعهد حسين احمد سلمان جاء فيه:
∎ ماذا تفعلون للحدث في اصلاحية الفنار؟
- «نحيطه برعاية شاملة تساعده على الاستقرار وتنمية شخصيته واستعادة الثقة بنفسه، وتجعله قادراً على التمييز بين المقبول والمرفوض وعلى استيعاب برامج إِعادة التأهيل التي تزيد في تقوية شخصيته وتؤمن له فرص عمل جديدة للمستقبل..
كذلك، عندنا التعليم المدرسي الزامي ويُعطى لكل حدث حسب مستواه. المهم ان يلمّ بمبادىء القراءة والكتابة والحساب، ليتمكن من تدبير اموره في الحياة، كما نزوّده بمعلومات عامة في التنشئة الوطنية والتربية المدنية وفي الحفاظ على الصحّة وكيفيّة الوقاية من الامراض المعدية..
إضافة الى ذلك، نقدم له دورات سريعة ومكثفة في التمديدات الكهربائيّة، وهناك تدريب على مهنة الخياطة، وندرب الاحداث على الطبخ وكافة الاعمال المنزلية، من غسيل ونظافة وتصليح للالبسة.
كما نعلّم الحدث القيام بأشغال يدوية متنوعة، وهناك ايضاً النشاطات الرياضيّة والترفيهية، حيث يمارسون الرياضة (كرة قدم، كرة سلة)، ويرفهون عن أنفسهم عبر العزف على بعض الآلات الموسيقية».
∎ الحالات المخالفة للقانون والاكثر تواجداً في معهدكم؟
- «الحالات الاكثر تواجداً هي حالات «السرقة» (سرقة دراجات نارية)، وحالات تدبير حماية للولد الذي هو في دائرة خطر الانحراف، مثل الذي ليس لديه أهل او لا يملك هوية)».
الاخصائية الاجتماعية
والتقت «التمدن» الاخصائية الاجتماعية في المعهد الاصلاحي كاتيا ابو نادر شعيا، التي قالت: «أنا أعنى باحاطة القاصر اجتماعياً، ووضع تصميم تدخلي متخصص فردي وعائلي. ومن مهماتي المتابعة القضائية، بالتنسيق مع مندوبات الاحداث في قصور العدل، كذلك أتابع الاوضاع الصحية للاحداث بالتنسيق مع الاطباء في مستوصفات المنطقة».
∎ ماذا يجري عندما يرتكب الحدث جرماً يعاقب عليه؟
- «يتم القاء القبض على الحدث عند ارتكابه الجرم، او يتم استدعاء الحدث الى مركز الشرطة، وذلك وفقاً لاشارة النائب العام، لاجراء التحقيق الاولي معه. وعند احضار إحضاره الى مركز التحقيق، يتوجب على المسؤول عن التحقيق الاتصال فوراً بالمندوب الاجتماعي المعتمد ودعوته لحضور التحقيق. وعلى هذا المندوب الحضور خلال 6 ساعات من وقت ابلاغه».
∎ ماذا يجري خلال التحقيق الاولي؟
- «طلب الاوراق الثبوتية للتأكد من هوية الحدث وعمره، الاتصال بذوي الحدث، الاتصال بالمندوب الاجتماعي كي يكون حاضراً خلال التحقيق الاولي، اذ لا يجوز البدء بالتحقيق ما لم يكن هذا المندوب حاضراً.
وعلى المندوب الاجتماعي ان يتأكد مما ورد في المحضر ومن كونه مطابقاً لاقوال الحدث. كما يمكن للمندوب ان يرفض التوقيع على المحضر، في حال لم تراعَ أُصول التحقيق، وان يدوّن سبب امتناعه عن التوقيع. (مثلاً: اذا تمّ الضغط على القاصر او تمّ ضربه او تحريف كلامه).
وأخيراً يعطي النائب العام اشارته، اما بترك الحدث حرّاً لقاء سند تعهّد او لقاء سند اقامة وتسليمه لذويه، او باحتجازه (توقيفه)».
∎ وماذا عن مدة حكم الحدث؟
- «الحد الادنى هو شهر ونصف الشهر، والحد الاقصى يمتد لغاية بلوغ القاصر 18 سنة في حال لم يكن له مأوى، ولكن قد تختلف مدة الحكم بين حدث وآخر، على سبيل المثال: اذا دخل حدث بتهمة سرقة دراجة نارية، ودخل حدث آخر في نفس اليوم وبنفس التهمة، وكان سلوك الحدث الاول مختلفاً عن سلوك الثاني، اي ان يكون لدى احدهما الحصانة لعدم ارتكاب السرقة مستقبلاً، عندئذ نخرجه بعد مدة أقصر. فمن ليس لديه الشخصية المؤهلة ولا العائلة نضطر لابقائه مدة اطول. وفي ذلك منفعة له».
∎ ماذا عن الحدث المدمن؟
- «لا تستقبل الاصلاحية الحدث المدمن على المخدرات، لأن مكانه المناسب هو المستشفى وليس السجن، ومن هنا نتوجه للمعنيين للاهتمام بتخصيص مراكز للمدمنين القاصرين مع فريق عمل متخصص، لأن الحدث المدمن يحتاج الى علاج ومتابعة متخصصة من جميع النواحي، ونحن نضطر آسفين لعدم استقباله بعد مراجعة المرجع القضائي.
في المقابل، بالنسبة لوجود احداث يعانون من مرض مزمن، فهذا نادر، لكن ذلك يحدث، كما حصل مرة عندنا بالنسبة الى حدث مصاب بالسكري وكان يحتاج الى حقن «انسولين» مرتين في اليوم، ولاجراء فحص دم (3 مرات يومياً) ولبرنامج غذائي خاص وهذا كان يتم بالتنسيق مع مركز الرعاية الدائمة».
∎ ماذا عن البرنامج اليومي للحدث داخل المعهد الاصلاحي؟
- «هناك برنامج يومي يتقيد به الحدث، فهو يبدأ نهاره بالاستيقاظ ثم هناك مواعيد الدروس وتناول الوجبات، وترتيب الاسرة والاهتمام بالنظافة العامة والجسدية.
وهناك مشرف مراقب على كل اعمال الحدث، والنظام الغذائي متابع من قبل اخصائية تغذية، وهو معدّ خصيصاً للمراهقين، وهو يختلف من يوم الى آخر».
∎ ماذا بالنسبة للناحية التعليمية؟
- «لدينا صف لمحو الامية، ثم للمستوى الاولي وايضاً للمستوى المتقدم. اما الحالات الاستثنائية للحدث، الذي هو في طور تقديم الشهادة المتوسطة فيوضع في صف منفصل (مع الذين بمستواه)، للدراسة، ويُساعده المشرف عند الحاجة. وعند تقديم الامتحان، يُطلب إذن من المرجع القضائي ويذهب الحدث الى الامتحان بمرافقة المشرف ومراقب اضافي تنتدبهما الاصلاحية».
∎ ماذا عن وسائل الترفيه؟
- «لدينا، ضمن المعهد، متطوع يدربهم على كرة القدم و«البلياردو» و«البيبي فوت» وكرة السلة وهناك ملعب كبير عندنا. وكل يوم خميس نعلمهم العزف على آلات موسيقية معينة ونعلمهم الغناء الشرقي.
وبنتيجة التدريب الرياضي، تم انشاء فرق رياضية تتشكل من احداث الاصلاحية تنافس فرق من مدارس اخرى (خاصة)، وهناك اهداف لذلك: اشعار الحدث بانه ينتمي الى المجتمع، وانه ينتمي الى مجموعة هدفها الربح او المشاركة بطريقة صحيحة وبروح رياضية، تشجيع المؤسسات التربوية الاخرى على التعاطي مع الاحداث على انهم من المجتمع».
تضيف شعيا: «تجدر الاشارة هنا، الى ان معظم الزيارات والاهتمامات (المادية والترفيهية) التي تستقبلها الاصلاحية مصدرها المدارس الخاصة، وبعض المؤسسات الخاصة، وذلك لوجود الاخصائييين الاجتماعيين في هذه المدارس خلافاً للحال في المدارس الرسمية».
∎ كيف تتم الاتصالات الهاتفية للاحداث مع ذويهم؟
- «يحق لكل حدث ان يخابر اهله لمدة دقيقتين فقط وبحضور المشرف او الاخصائي. والهدف من قصر مدة الاتصال هو: ان يسيطر الحدث على حصر ما يريد من هذا الاتصال ان يكون اتصال الحدث بأهله مركزاً ومقتصراً على الاولويات، اي أن يدور حول الاطمئنان عن ذويه او طلب حاجة معينة منهم. والاختصار هدفه عدم الدخول في المتاهات العائلية الخارجية، كمرض أحد أفراد لعائلة او موت أحد الاقارب.
اما الاهل، فيحق لهم الاتصال من 8 صباحاً حتى 8 مساءً، يومياً، للاطمئنان عن ولدهم، شرط اعلام المسؤولة حول مضمون الاتصال (عدم الكلام مع الحدث عن اشياء قد تؤثر سلباً على حالته النفسية، كالمرض او الموت، او عن تعسّر من الناحية القضائية)».
∎ هل توضع علامة او اشارة على السجل العدلي العائد الى الحدث؟
- «كون الحدث قاصراً، لا توضع اية اشارة على سجله العدلي».
سامي وفادي... تعدّدت الأسباب
خلال وجود «التمدن» في المعهد الاصلاحي كان لها لقاءان مع الحدثين فادي وسامي.
فادي
فادي من مواليد العام 1994، والداه منفصلان منذ ست سنوات ولديه 3 اشقاء. يعيش فادي مع والده وخالته (زوجة ابيه) واخوته الثلاثة غير الاشقاء. اما والدة فادي التي تزوجت مجدداً فتعيش مع زوجها. يعمل الوالد «ميكانيكي سيارات» ووضعه المادي متدهور.
يقول فادي: «انا في الصف الرابع الابتدائي، وحالياً في المعهد أتعلم الكهرباء ومساعدة الطاهي. كنت أتمنى ان يكون لدي اسرة مترابطة وغير مفككة. رافقت اشقائي الاكبر مني سناً مدة من الزمن، وكانا يصطحباني الى بعض الاماكن التي لا تلائم سني كما كانا يدفعاني للسرقة (سرقة حقائب السيدات وسرقة الدراجات النارية) وكان ذلك لشراء المواد المخدرة ولتعاطيها. تعاطيت المخدرات، وادمنت عليها، ورحت اسرق واسرق، كي اشتريها، فلم يعد بامكاني التخلي عنها. ونظراً لكوني الصغير بين اشقائي قامت والدتي برفع دعوى عليّ، وكان ذلك لخوفها علي، ولأنها لم تكن قادرة على التواصل مع والدي، ولم تكن بالتالي قادرة على ردعي من قبل اي سلطة ابوية».
يتابع فادي: «دخلت المعهد قبل 18 شهراً (حكم قضائي لمدة سنة)، وعندما انتهت مدة الحكم طُلبت النشرة من قوى الامن فتبين ان لديّ حكماً غيابياً لمدة اربعة اشهر بتهمة سرقة حقيبة يد، فبقيت في المعهد، وقد تم الاعتراض على الحكم الغيابي، لكن صدور حكم وجاهي قضى بوضعي ستة اشهر داخل المعهد.
سأنهي مدة حكمي بعد ثلاثة عشر يوماً، واستعيد حريتي بعدما وُضع مع والدي تصميم تدخل اجتماعي ونفسي لفترة ما بعد الخروج من المعهد».
يتابع: «كنت سيء المزاج لدى دخولي الى المعهد، وكنت لا أتحمل اية ملاحظة ولا اي امر من احد، ولم أكن أحترم الانظمة أبداً. وكنت انوي الهرب لتعاطي المخدرات (اي لفّ سيكارة بداخلها حشيشة الكيف) ولتعاطي الحبوب و«التنر» والآن بفضل امي والمساعدة الاجتماعية تخلّصت من كل هذه الامراض».
ثم يتابع فادي: «لقد اتخذت قراراً بالتخلص مما كنت فيه، وذلك كان بمساعدة الاخصائية النفسية والاجتماعية. عانيت في البداية كثيراً، وعشت صراعاً داخلياً غير انني تأقلمت فيما بعد وشعرت أنيّ حرّ ولم أعد مقيداً برفاق سوء يدفعونني الى ما كنت عليه. ولم يعد لديّ وقت فراغ من خلال تعليمي الاكاديمي وكمهني كهرباء، وكمساعد طباخ، بالاضافة الى الرحلات الترفيهية والاهتمام والرعاية».
واكد فادي عدم نيته العودة الى السرقة او الى الادمان، ولانه اصبح يجرؤ على القول لا لرفاق السوء ولشقيقيه ولانه اصبح اكثر فهما للحياة، ولانه عاش تجربة الحرية المطلقة (الفوضى) والحرية الاصلاحية (المنضبطة).
سامي
سامي هو من مواليد العام 1994 ويقول: «أنا في الصف الثامن ولدي اخوة، ولكن والدي ووالدتي يعانيان كلاهما من اعاقات جسدية ظاهرة.
دخلت الى المعهد الاصلاحي قبل حوالي الثلاثة اشهر تقريباً، وكنت قبلها في سجن رومية للاحداث، بتهمة سرقات متعددة، مثل: دراجات نارية وغيرها. لم نكن نعاني، ضمن العائلة، من ضائقة مالية، وانما كانت تستهويني مغامرة السرقة، كنت اسرق الدراجة النارية فقط، لأنني كنت أرغب بذلك، وما ان تفرغ الدراجة من الوقود كنت ارميها واتخلص منها».
يتابع سامي: «لم أكن أعلم بأن سرقة الدراجات من قبل حدث بعمري هي عمل يعاقب عليه القانون (وبالسجن) وفي احدى المغامرات لم تسلم الجرة، والقي القبض علي، وتحولت من المخفر الى قصر العدل، ومنه الى سجن رومية، ومن ثم الى المعهد الاصلاحي.
اشعر بندم كبير، وبأنني اصبحت أنضج، ولقد تعلمت من تجربتي اختيار نوع الاصدقاء اولاً، والحد من حب الاستكشاف، او الاستكشاف بطريقة صحيحة.
انا حالياً موقوف والجلسات مستمرة، ولم يصدر حكم بحقي حتى الآن. وعندما اغادر الاصلاحية سأعمل بالكهرباء ومن بعدها سأسافر.
لقد غير فيّ المعهد الاصلاحي اموراً عدة آهمها: احترام النفس واحترام الآخرين، كما انني احببت كثيراً وجود شخص في حياتي لارشادي ونصحي، وهذا ما لم اتقبله يوماً حتى من اهلي. أتمنى الخروج من هنا للحرية ولرؤية الاهل عما قريب».