طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«أسطورة» نيماير في طرابلس (الحلقة 2)

مهندس المعرض اوسكار نيماير امام مجسم المشروع
لقد كان لمشروع معرض رشيد كرامي الدولي حكاية طويلة ومخاض عسير، قبل أن يتم تكليف المعمار نيماير بتصميمه، تعود جذورها إلى النصف الأخير من خمسينيات القرن الماضي وتحديداً سنة 1957 ، عندما بدأ الحديث عن أهمية احتضان لبنان لهذا النوع من المعارض، وكان إختيار مدينة طرابلس لهذا المشروع مبنياً على عدة إعتبارات، أهمها رغبة الدولة آنذاك بضرورة توزيع المشاريع الإنمائية على كامل مساحة الوطن، وسهولة وجود مساحات أرض شاسعة، تلبّي احتياجات هذا النوع من المشاريع، وبكلفة استملاك متدنية نسبياً.
يضاف إلى ما سبق، اعتبار طرابلس العاصمة الثانية، وارتفاع أصوات المجتمع المدني فيها، مطالبة بتخصيصها بمشاريع إنمائية، كونها تتميز بوجود مرفأ بمواصفات عالية، ومصفاة للبترول (ٴذة)، وإمكانية الوصول إليها من العاصمة التي تبعد حوالي الثمانين كلم، خاصة إذا تم تفعيل النقل العام، عبر خط الحديد الممتد على طول الساحل اللبناني.
وبالفعل، وأمام احتجاج أهالي وفعاليات طرابلس على اختيار العاصمة بيروت لجميع المشاريع الإنمائية الكبرى، وتماشياً مع إعلان الرئيس فؤاد شهاب عن سياسته في تكريس الإنماء المتوازن على كامل مساحة الوطن، وبعد اقتراح من رئيس الحكومة آنذاك صائب سلام، وموافقة الرئيس فؤاد شهاب، وبفضل الجهود المضنية لعدة فعاليات سياسية ومدنية من طرابلس آنذاك، صدر قرار مجلس الوزراء، بإقامة المعرض الدولي في طرابلس في شهر تشرين الأول لعام 1959.
لقد كان لهذه الخبر وقع كبير على أهل المدينة، وتنوعت ردود أفعالهم، بين متفائل ومتحفظ ومشكك، وبدأ الكلام حينها عن مدى جهوزية طرابلس للتعاطي مع تشغيل هذا النوع من المرافق، الذي يتطلب وجود خدمات سياحية، فندقية وتجارية، وعن ضرورة تحضيرها لذلك مسبقاً وعن مدى دور البلدية في تحسين كفاءة البنى التحتية والفوقية، وتدريب الكوادر على حسن معاملة الضيوف الأجانب وتأمين الخدمات اللازمة لهم.
وعلى أثر قرار مجلس الوزراء، تم عقد اجتماع في 4 تشرين الثاني من العام 1959 في مبنى وزارة التصميم، ضمّ ما سُمّي آنذاك لجنة معرض لبنان الدائم، حضرها ممثل غرفة التجارة في طرابلس السيد جوزيف بولس، ومندوبون عن سائر غرف التجارة في لبنان، وعن جمعيتي الزارعيين والصناعيين، حيث جرى البحث بقرار مجلس الوزراء بإقامة المعرض في لبنان، ووافقوا عليه بالإجماع، وكلفت لجنة متخصصة ضمت خبراء بالمعارض الدولية، بزيارة طرابلس بعد أسبوع بهدف تحديد المكان الملائم لإقامة المعرض.
بدأت دراسة إختيار المكان الأنسب للمعرض، فكادت تداعيات مسارها تطيح بكل المشروع، بسبب التجاذبات والخلافات وتضارب وجهات النظر في التقييم للمواقع المحتملة التي شملت الأماكن التالية:
1- محلة أبي حلقة جنوب المدينة، وسقط هذا الإقتراح بسرعة بسبب عدم توفر المساحة الملائمة، وبسبب وجوده خارج النطاق العقاري لمدينة طرابلس ، ما قد يحرم المدينة من الاستفادة من وفود الزائرين، التي قد لا تدخل اليها وتكتفي بزيارة المعرض، والعودة الى بيروت والمناطق.
2- منطقة الرمول (رأس الصخر)، حيث يوجد مساحات أرض شاسعة من العقارات، ووجود مساحة حوالي مليون ونصف المليون متر مربع من الاراضي غير المخططة، ويمكن استملاكها بكلفة متدنية جداً نسبياً، وهي محاذية للطريق الرئيسي الذي يربط المدينة بالعاصمة بيروت.
3- منطقة سقي البداوي، بشرط أن تكون الطريق المؤدية إلى الموقع تنطلق من داخل طرابلس.
4- منطقة «برج رأس النهر»، عند مصب نهر ابو علي، وخاصة بعد انتهاء مشروع توسعة وتقويم مجرى نهر «ابو علي» بعيد فيضانه سنة 1955، حيث ساد اعتقاد آنذاك، أن ضفاف النهر ستتحول الى مراكز سياحية، من مقاهي ومطاعم وغيرها، ما قد يخدم زائري المعرض، بشرط الإبتعاد قدر الإمكان عن شاطىء البحر، لتفادي الرطوبة والملوحة، التي قد تتسبب بتهالك المنشآت وبتلف المعروضات داخل أجنحة المعرض.
5- محيط مطعم الشاطىء الفضي، وسرعان ما تم سحب هذ الإقتراح لعدم توفر المساحات الكافية.
6- منطقة القبة، شرق طرابلس، (إقتراح لم يجد القبول بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة والتأثر بحركة السير والإزدحام داخل المدينة).
ومن الجدير ذكره أن المعطيات الرئيسية التي حددتها لجنة معرض لبنان الدائم في طرابلس، كانت توصي بمساحة ارض منبسطة، لا تقل مساحتها عن الثلاثمائة الف متر مربع، وأن يكون بجوارها مساحة إضافية للتوسع المستقبلي، بمساحة لا تقل عن المئتي الف متر مربع.
كما حددت الموازنة المفترضة المقترحة لإقامة المشروع، بمبلغ إثني عشر مليون ليرة لبنانية، أقرت لاحقاً في مجلس الوزراء، على أن تتم جبايتها من عائدات مصفاة النفط العراقي (IPC)، وقسمت على الشكل التالي:
ثلاثة ملايين ليرة لبنانية، لتغطية نفقات إستملاك الاراضي (حيث تم تخمين المتر المربع في محيط وسط مدينة طرابلس، بحوالي عشر ليرات لبنانية)، وتسعة ملايين ليرة لبنانية لتغطية تكاليف الهندسة والبناء للمنشآت والتجهيزات.
ولكن سرعان ما تبددت الأحلام، بسبب تعثر إختيار الموقع، الذي إستغرق مساره أكثر من سنتين ونصف السنة بين الأخذ والرد، وبسبب تقلص الموازنة الأولية للمشروع إلى خمسة ملايين ليرة لبنانية، بسبب عدم توفر المال، بعد إنقضاء هذه المدة دون إختيار الموقع النهائي، حيث تغيرت حينها أولويات الصرف في خزينة الدولة.
طوال تلك المدة، علت الأصوات المنددة وازدادت حالة التململ داخل فعاليات المدينة وأهلها، وبدأت الملامة تلقى على أعضاء اللجنة المحلية للمعرض، حيث اتُّهموا بالمماطلة والإستهتار وتضييع الفرصة على المدينة في كسب هذا المشروع الحيوي، وناشدوها بضرورة اعتماد المعايير العلمية والعملية في اختيار الموقع الأنسب، بعيداً عن الإعتبارات السياسية والمحاصصة والصفقات.
وبرغم لحظ تاريخ افتتاح المعرض لسنة، 1962 من قبل لجنة المعرض سنة 1959، إلا أن عملية اختيار الموقع الأنسب استمرت حتى العام 1961، حيث أعلن الرئيس صائب سلام عن اختيار موقع المعرض النهائي في منطقة السقي الغربي لمدينة طرابلس (الموقع الحالي ).
ومن طرائف وسخرية القدر والحظ العاثر لهذه المدينة المغبونة، منذ فجر الإستقلال وحتى يومنا هذا، ما كتب في الصحف المحلية في تلك السنوات، وخاصة سنة 1960، فلقد ورد في صحيفة «الحضارة» في عددها رقم (369)، الصادر يوم الأحد في 13 آذار 1960، تحت عنوان:
«المشاريع في طرابلس …. للتهدئة والتسكين من المرفا معطل – ومطار القليعات مخرب – والمعرض نائم – وخرائب الفيضان باقية».
وكتب تحت هذا العنوان وفي مقدمته:… «لا ندري إذا كان هنالك من يعتمد إيذاء طرابلس وإبقاءها ضيعة بإسم مدينة ، أم هو الحظ العاثر الذي يجعل كل مشروع يصل إليها، يتردى بين التسويف والمماطلة، إلى أن يوأد ويوارى الثرى قبل أن يبصر النور».
وبخصوص المعرض أردف كاتب المقال تحت عنوان «المعرض نائم!»: «… ولنصل بعد ذلك إلى مشروع المعرض الدولي، الذي هلل الطرابلسيون وكبروا، للعدل والإنصاف وتوزيع مشاريع الدولة على مناطق لبنان.
هذا المشروع ما زال فكرة تختبر، وحلماً يداعب الأماني والآمال وما زال تتركه لجنة، للتولى أمره لجنة أخرى.
وكل لجنة تأتي إلى طرابلس، وتطوف على أرجائها ثم تقفل راجعة، خفية مثلما أتت ، وتصل إلى بيروت فتفترش وتنام، نومة أهل الكهف».
فعلاً… وبرغم أنه تم اختيار الموقع النهائي للمعرض، وكُلف المعماري نيماير، وتم بناء كل منشآت المعرض وتجهيز معظمها، إلا أنه وبعد مرور خمسة عقود من الزمن، لا يزال الكلام المدوَّن في صحف الخمسينيات والستينيات، ينطبق حرفياً على واقع هذا المرفق وهذه المدينة المظلومة.
في الاسبوع المقبل:
الحلقة الثالثة
Loading...