بعد حوالي ثلث قرن… العودة إلى وثيقة الوفاق الوطني والتّعديل الدستوري الناشئ عنها
القاضي طارق زيادة*…
يتوافقُ اللّبنانيّون، منذُ الميثاق الوطني لسنة 1943، الذي عكسَه البيان الوزاريّ لحكومة الاستقلال الأولى برئاسة رياض الصّلح، ثمَّ بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف سنة 1989، إثرَ الأحداث اللبنانيّة، على بناء وطنهم موحَّدًا حرًّا مستقلاً ديموقراطيًّا وعربيًّا، ويُثمّن اللّبنانيّون عاليًا مقدّمة دستورهم بعد التعديل إقرارًا لوثيقة الوفاق الوطني، وهُم يسلّمون بالصّيغة الميثاقيّة، بما هي صيغة متقدّمة متوافقة مع التّطوّر التاريخيّ لوطنهم المتعلّق بالحرية والعدالة وبحقّ الاختلاف وبالتَّنوُّع ضمن الوحدة وبالتّسوية الواقعيّة الدائمة المشدودة إلى مصلحة وطنيّة عليا وعامّة هدفها النّهائي إقامة دولة حديثة عصريّة في هذا العالَم العربي المتعطّش للحريّة والدّيموقراطية وكرامة الإنسان ونبذ التَّعصُّب والانغلاق والشّموليّة والدّيكتاتوريّة، دولة ترعى الحريّة، دَيدَنُها العدلُ، ومقصدُها الكرامة الإنسانيّة، وأداتها الفاعلة عقلانيّة معتدلة وُسطى واقعيّة، وليدة التّجربة اللّبنانيّة بآمالها وآلامها.
من أجل ذلك، يُدركُ اللّبنانيّون، بحِسٍّ تاريخيٍّ عميق، كم هو مطلوب بذل الجهد ومتابعة الكفاح من أجل أن تتوافق النظريّة والتَّطبيق، حتّى تتوافق المرامي والأماني والتَّطلّعات مع التّطبيقات على أرض الواقع، على طريق الخروج من المعوقات الطائفيّة والعشائريّة والمناطقيّة والمذهبيّة، حتّى يرقى النِّظام السّياسي دائمًا نحو إعلاء شأن المصلحة العامّة والولاء الوطني وإحلال النّزاهة وحكم القانون والجدارة المقام الأوّل، النَّأي عن الانغلاق والجهل والتَّخلُّف، وهم يأملون بتطوير وإصلاح هذا النِّظام السّياسي بحيث يجد في سيادة القانون ضالَّته، ويَسِم صيغته الوطنيّة الميثاقيّة بالقيَم الضامنة للدّيموقراطيّة، إذ لا معنى جوهري لهذه الصّيغة إلا بالاعتراف بحريّة المعتقد وبحريّة الفِكر وشيوع العدالة.
إنَّ التنظيمَ القانونيّ للصّيغة الميثاقيّة يجب أن يتطوَّر دائمًا باتّجاه متقدِّم مستمرّ لهذه الصّيغة، يُترجم في الواقع والتّطبيق والممارسة عناصرها الإيجابيّة، وينأى عن عوامل الفرقة والتشرذُم والزّبائنيّة والفساد التي تمنع قيام المجتمع الحرّ الديموقراطي الذي يجسّد استقلال السّلطات وتعاونها، وفي طليعتها إستقلال السّلطة القضائيّة ممثّلا بالمجلس الأعلى للقضاء المنتخب بمعظم أعضائه من قبل القُضاة، وتوسيع صلاحيّات المجلس الدّستوري كضمانةٍ للحريات العامّة والحقوق الأساسيّة بإعطائه حقّ تفسير الدستور وبإتاحة الطّعن أمامه بشكل كبير، وتقريب الإدارة من المواطنين بإقرار لامركزيّة إداريّة بعيدة عن شبهة الفدراليّة، بحيث يشعرون حقًا أنّ الدّولة دولتهم تُنافح عن مصالحهم وتجسّدها، وتناضل من أجل تدعيم العيش الواحد المشترك بينهم بحيث يُدركون بعفويّة، ولكن بقوّة، أن: «لا شرعية لأي سلطةٍ تناقض ميثاق العيش المشترك» على حد تعبير مقدّمة الدّستور، هذه المقدّمة التي جاءت ثمرة عشرات بل مئات الوثائق اللّبنانية الصّرف، والتي لا تزال تعكس، بصدق، أماني وتطلّعات الشّعب اللّبناني في السّيادة والعروبة والتزام المواثيق والإعلانات العربيّة والدّوليّة، وأن تجسّد دولتُه مبادئ الحرية والدّيمقراطيّة والعدالة الاجتماعية والمساواة والإنماء المتوازن بين المناطق والاقتصاد الحر الكافل للمبادرة الفرديّة والملكيّة الخاصّة، دون تغولٍ وتوحّشٍ وطغيان على مصلحة الجماعة الوطنيّة مع العمل على إصلاح ضريبي واجتماعي ينصف المواطنين ذوي الدّخل المحدود ويعمل على انتشال الفقراء منهم بإقرار خطّة بحيث تبقى أرض لبنان واحدة لكلّ اللّبنانييّن في ظلّ سيادة القانون وحُسن تطبيقه، بعيدًا عن التّجزئة والتّقسيم وتوطين أي فئة أو نوع من اللاجئين والنّازحين.
على أنّه يبقى ان ما رمت إليه مقدّمة الدّستور من إلغاء للطّائفيّة السّياسيّة كهدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطّة مرحليّة، لم يتحقّق منه أي أمر ولم تتوجّه إليه أية خطوة بنّاءة وفقًا لما كانت تبغيه وثيقة الوفاق الوطني، بل على العكس من ذلك تعزّزت الطّائفية والمذهبيّة والمحاصصة ممّا أدّى بالشّعور الوطني إلى حدود الانهيار.
لقد كان طموح اللّبنانيين في وثيقة الوفاق الوطني وتكريسها في التّعديلات الدّستوريّة أن تشكّل نقلة نوعيّة متقدّمة نحو دولة أقلّ تمثيلاً حادًا للتّوازنات الطّائفيّة، على أنّ الذي جرى على أرض الواقع هو عودة إلى الوراء إذ ارتبطت المؤسّسات العامّة للمجتمع اللّبناني أكثر وأكثر بالإطار الطّائفي بل المذهبي، ولم تمتلك الدّولة حيّزًا أكبر من الاستقلاليّة عن القوى الطّائفيّة بل ارتهنت لها بشكل شبه كلّي ملغية الهامش السّابق للميثاق الوطني لعام 1943 والذي وعد بيان حكومة الاستقلال الأولى بأنَّ ساعة إلغاء الطائفيّة ستكون ساعة عظيمة.
وبالطّبع لا يدخل في نطاق هذه الورقة الوجيزة تحليل الأسباب المحلّية والإقليميّة والدّولية التي أدّت إلى هذا المسار الخاطئ، الذي لا بدَّ من وقفه والعودة إلى مسار وطني موحّد وجامع؛ مع ملاحظة بطلان فعاليّة لبنان كساحة للحروب بالوكالة، وخاصّة بعد عام 2011، ممّا يدعونا إلى التّأكيد على الاستقرار والأمن في لبنان، وعلى أن لا نقدّم الثّانوي على الأساس، والفرعي على الأصل، وأن نعيَ ضرورة الدّولة، وأن لا نطلب الشّيء وضدّه وان نقلع عن ان نلعب لعبة الكبار، أو على حد تعبير الفقيد غسان تويني: «نلوّح بالعدو على الشّقيق ونهوّل على كبير بكبير لنستجدي منفعة، فنخسر في آن المنفعة والكرامة فضلاً عن حرّية الوجود… ومبررات الوجود الحر». وأن ننأى بوطننا عن البركان المشتعل في الجوار مع العمل إذا أمكن على إطفائه، سائرين مع الاخوة العرب كلّما اتّفقوا وخاصّة في الدّفاع عن حقوق الشّعب الفلسطيني وحقّه في العودة، وإعادة النازحين السوريّين وسواهم إلى بلادهم، عاملين على توحيد الصّف العربي كلّما نشب خلاف فيه غير داخلين في أيّة محاور. كذلك إذا كنّا على قدر المسؤوليّة وعيًا وإدراكًا يجب أن نستعيد دولتنا كاملة ونحلّها المكان السّامي اللائق على الصعد الوطنيّة والعربيّة والإنسانيّة من حيث هي دولة قويّة بالدّيمقراطيّة والحريّة والعدالة وسيادة الدستور والقانون والعصرنة والوسطيّة والاعتدال والانفتاح، فاعلة مؤثّرة واثقة من نفسها ومن أبنائها، غير خائفة ولا وجلة ولا متردّدة، لها رؤيتها الخلاقة بحيث لا تتحوّل إلى نظام من الأنظمة الاستبداديّة.
انّ هذا التّحدّي الذي يواجهنا يتطلّب منا، شعبًا وحكمًا، أفرادًا وجماعات ومجتمعًا مدنيًا، ان نعمّق النّظر في وثيقة الوفاق الوطني والتّعديلات الدّستوريّة التي عكستها، حتّى إذا جاءت اللّحظة المناسبة، عندما يهدأ بركان المنطقة، ان نعيد التّأكيد عليها مرّة أخرى وان نطوّرها في الإصرار على تطبيقها بجدّيةٍ، وان نسعى منذ هذه اللّحظة القائمة إلى المبادرة إلى حُسن تطبيق ما يمكن تطبيقه فورًا والتمهيد له دون تردّد.
* نائب رئيس المجلس الدستوري
لا بدّ لنا أن نتعلّق بوثيقة الوفاق الوطني الصادرة بتاريخ 22/10/1989 والتي صدّقها المجلس النيابي في جلسته المنعقدة في القليعات بتاريخ 5/11/1989، وما عكسته من الإصلاحات الدستوريّة الصادرة بتعديل 21/9/1990، وأن نعمل بعد حوالي ثلث قرن على صدورها، على التّأكيد عليها وعلى مبادئها، وخاصّة على تطبيقها تطبيقًا سويًا، وهي التي أعطتنا الفرصة لتوحيد لبنان وتحرير أرضه وإعادة تشكيل سوقه الاقتصادية الداّخليّة الواحدة التي لا تعوّقها الحواجز، والمتمتّعة بديناميّة حرّة، والمدعمة بقطاع عام يجب أن يتّصف بالعصرنة والنّزاهة، والتي أتاحت توحيد الجيش الوطني وضرورة تدعيمه وتحميله وحده مسؤوليّة الدّفاع عن أرض الوطن وضمان أمنه واستقراره، وتأهيل المجتمع وتنميته، بكلّ أجزائه، وإقامة البنى التّحتيّة، وإعادة المهجّرين إلى قراهم والدّساكر، وبناء دولة القانون بمؤسّساتها: المحكمة العليا، المجلس الدّستوري، المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
