طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

هل اختار ميقاتي «الدفاع عن الطائف» عنواناً لمعركته الانتخابية في مواجهة «المستقبل»؟

غلاف العدد

فجأة، صرنا في قلب الانتخابات النيابية… بعد تسع سنوات، تخللها تمديدان مقيتان لولاية المجلس الحالي.

فباب الترشح للانتخابات سوف يفتح في الخامس من شباط المقبل، وتسكير هذا الباب سوف يحصل في 7 آذار المقبل، أما آخر موعد للانسحاب فسيكون في 22 آذار، وآخر موعد لتشكيل اللوائح سيكون في 7 آذار، أما أول موعد لانتخاب المغتربين سيكون في 22 نيسان المقبل، فيما الانتخابات النيابية العامة في كل لبنان في يوم واحد ستحصل في السادس من أيار المقبل.

في طرابلس، كثيرة هي التسميات التي تُطلق على معركتها الانتخابية، فهناك من يقول إن الدائرة الثانية في الشمال (طرابلس – الضنية – المنية) ستشهد «أم المعارك» في ما يشبه «كسر العظم».

وهناك من يسمي هذه المعركة «معركة الزعامة السنية في لبنان»، باعتبار ان الذين يخوضونها هم بمعظمهم مرشحون مفترضون لرئاسة الحكومة اللبنانية (والرئيس سعد الحريري من بينهم من خلال «تيار المستقبل» الذي سيكون بالطبع أحد أهم الأطراف المشاركة في انتخابات هذه الدائرة).

وبالطبع، فإن فرضية أهمية هذه المعركة بالنسبة إلى «الزعامة السنية» سببها الأساسي أنها تضم الكتلة الشعبية السنية الأكبر بين الدوائر كلها. فحسب إحصاءات 2017، تضم دائرة طرابلس- الضنية- المنية 284000 ناخب سني من أصل 343000 ناخب في هذه الدائرة، ثم تأتي الدائرة الثانية في بيروت، التي تضم 216000 ناخب سني من اصل 347000 ناخب في هذه الدائرة، أما الدائرة الثالثة في عدد الناخبين السنة فهي عكار التي تضم 187000 ناخب سني من اصل 277000 ناخب في هذه الدائرة.

في المقابل، هناك من يعتقد أن الانتخابات المقبلة في دائرة طرابلس – الضنية – المنية ستكون أبرد مما هو متوقع، بفضل التفاهمات العديدة، والعجيبة أحياناً، بين قوى سياسية مختلفة، كانت في السابق على طرفي نقيض في كل شيء، من السياسة المحلية إلى العربية إلى الاقتصاد، إلى دورها في إحداث انقسام عمودي ساد المجتمع اللبناني طويلاً. فها هي اليوم تبدو «متفاهمة» جداً و«متفهمة» جداً، بعضها مع بعضها الآخر، لأسباب كثيرة، تبدأ في استحواذ السلطة، وتمرّ في اكتساب النفوذ، لتصل إلى اقتسام المغانم.

وهناك أيضاً من يعتبر أن المعركة المقبلة تفتقد الى عنوان، في ظل انحسار موجة «8 و14 آذار»، وفي ظل القبول، اليوم، بأمور كان يبدو القبول بها، سابقاً، ضرباً من المستحيل.

… لكن، مهلاً!

في عودة إلى الوراء، وتحديداً إلى تشرين الثاني من العام 2016، أعلن «تيار المستقبل» وقتها، في توصياته التي أصدرها بعد انعقاد مؤتمره العام، أن أولى أولوياته هي: «التمسك بـ «الطائف» ورفض السلاح غير الشرعي».

واليوم، هناك خشية حقيقية من ان هذين الأمرين تحديداً يتم تجاوزهما في لبنان بشكل فاضح.

تجاوز«الطائف»

وما أزمة مرسوم الترقيات العسكرية إلاّ وجه من وجوه هذا التجاوز لـ «الطائف»، عبر تجاوز ما نص عليه، لجهة صلاحيات الرؤساء والوزراء، وهناك ما يتعلق بإعداد جداول أعمال جلسات الحكومة وكيف يتمّ ذلك، (رداً على الوزير مروان حمادة، إنبرى الوزير جبران باسيل في الجلسة الأخيرة للحكومة، يعلم الوزراء عن كيفية وضع الجدول، وعن استبعاد البنود التي لم تكتمل كل العناصر التي تجعلها قابلة للعرض على جلسة مجلس الوزراء، فكان يتكلم كأنه شريك أساسي في وضع هذه الجداول، وهذا مخالف للطائف)، يُضاف الى ذلك مخالفات لـ «الطائف» لا تُحصى منذ 31 تشرين الاول 2016 حتى اليوم.

سلاح «حزب الله» ووظيفته

أما بالنسبة إلى ما أعلنه مؤتمر «المستقبل» في 2016، عن «رفض السلاح غير الشرعي»، فلقد جاءت المقابلة الأخيرة للرئيس سعد الحريري مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، لتناقض هذا الكلام، إذ قال الحريري «إن مشكلة «حزب الله» هي إقليمية وخارج قدرة لبنان على حلها، و«حزب الله» يعد عضواً في الحكومة اللبنانية وهذه الحكومة شاملة تدخل في تشكيلها كل الأحزاب السياسية الكبيرة، وهذا أمر يوفر استقراراً سياسياً في البلاد»، أما عن وقف «حزب الله» مشاركته في الأعمال القتالية خارج لبنان، فقال «إن ذلك سيتطلب وقتاً، فمن غير الممكن ان يحدث خلال ليلة واحدة».

العلاقة مع السعودية

وفي المقابلة نفسها غمز الحريري من قناة المملكة العربية السعودية مؤكداً «ضرورة تركيز لبنان على مصالحه الوطنية الخاصة دون تدخل من قبل أي جهة خارجية، فليس من الممكن أن نقبل تدخلاً في سياسة لبنان، ويجب أن تكون علاقاتنا مع إيران أو دول منطقة الخليج على أفضل شكل ممكن، لكن من الضروري أن تخدم المصالح الوطنية اللبنانية».

وكما يمكن التوقع، حازت مقابلة «وول سترين جورنال» على ترحيب «فوق العادة» من قبل «المنار»، المحطة التلفزيونية التابعة لـ «حزب الله»، إذ جاء الخبر المتعلق بها متصدراً نشرة الأخبار المسائية، مع الكثير من التهليل والترحيب والابتهاج، التي يتقنها مذيعو هذه المحطة جيداً.

وفي الموضوع السعودي ايضاً، كان مفاجئاً الانتقاد الحادّ للمملكة، من قبل النائب وليد جنبلاط، عبر شاشة تلفزيون «المستقبل»، وقد جرّته محاورته بولا يعقوبيان، عبر برنامج «انترفيوز»، جراً الى هذا الكلام، مذكرة إياه بتغريدة له عن «عبثية الحرب في اليمن»، فأضاف الى ذلك انتقاداً للأزمة مع قطر، وآخر لخصخصة شركة «أرامكو» النفطية. وقبل ذلك كانت يعقوبيان قد استدرجته ليكشف أنه رفض تلبية دعوة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لزيارة المملكة عندما كان الدكتور سمير جعجع والنائب سامي الجميل هناك.

«الدفاع عن «الطائف»»

إذاً، في تشرين الثاني 2016 كان العنوان الرئيسي لمؤتمر «المستقبل» «التمسك بالطائف» إضافة إلى أمور أخرى اساسية،  ومنها ما يتعلق بالعلاقة مع الدول العربية وخاصة السعودية.

فيما اليوم، يبدو أن هناك إمكانية جدية أن يكون «الدفاع عن «الطائف»» عنواناً حقيقياً لمعركة انتخابية في طرابلس يخوضها الخصوم الانتخابيون لـ «المستقبل» في مواجهة «التيار».

وقد عبّر الرئيس نجيب ميقاتي عن هذا «العنوان»  في كلمته التي ألقاها خلال الاحتفال الذي أقيم في دار الفتوى لمناسبة إطلاق «جائزة عزم طرابلس الدولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده».

فلقد اعتبر ان «الخلاف السياسي الذي نشهده حالياً  هو أبعد من قصة مرسوم وتواقيع بل يتعداها إلى محاولات متجددة لإدخال أنماط حكم تتحكم فيها موازين القوى أو الشخصنة خارج الأصول الدستورية. ولا حل إلاّ بالعودة إلى روحية اتفاق الطائف وحرفية الدستور وتطبيقها. وأي محاولة، في هذا الظرف، للدخول في مقولة تفسير الدستور أو تعديله تعني عملياً الانقلاب على نص ميثاقي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة للوصول اليه».

كذلك، أعطى ميقاتي للمعركة الانتخابية في عاصمة الشمال عنواناً آخر محلياً هو «تنافس الجميع من أجل طرابلس لا عليها، فإنماء طرابلس وبلسمة أوجاع أهلها وخدمتهم هي العناوين الأساسية التي تحكم عملنا على الدوام ونحن نجدد التأكيد على مد يدنا للجميع من أجل تحقيق هذه الأهداف».

أما في الشق المتعلق بالعلاقة بالسعودية فقال ميقاتي «إن المسلمين السنة كانوا ولا يزالون الوعاء الجامع لمختلف الطوائف والمذاهب، يسعون دائماً لتعزيز دور الدولة بكل مؤسساتها وعدم الإساءة إلى علاقات لبنان مع محيطه العربي خاصة مع المملكة العربية السعودية التي هي على الدوام خير سند وعضد للبنان واللبنانيين وعلينا واجب الحفاظ على العلاقات المتينة معها على قاعدة المحبة والاخوة والصداقة».

المواعيد والمهل الانتخابية صارت داهمة

هل يكون «الدفاع عن الطائف» العنوان الرئيسي لمعركة طرابلس في 6 أيار المقبل، وهل يقود ميقاتي هذه المعركة، عبر لائحة خاصة به، أم ان تطورات انتخابية وحسابات سوف تفرض شكلاً آخر من التحالفات، وهل من مصلحة ميقاتي الدخول في هكذا تحالفات، سواء مع الوزير السابق أشرف ريفي، من جهة، أو مع الوزير السابق فيصل كرامي، من جهة أخرى، هل هناك إمكانية لتلاقٍ قد يحدث بين ميقاتي والحريري، فيما كل الدلائل تشير إلى عدم وجود هكذا إمكانية ؟

وها هي المواعيد والمهل الانتخابية صارت فجأة داهمة جداً، وهذا يعني ان لا وقت ابداً للتمهل الزائد في اتخاذ القرارات الكبيرة المرتبطة بالتحالفات والترشيحات واسماء أعضاء اللوائح وأعداد مرشحي كل لائحة، وإجراء الحسابات الانتخابية، المرتبطة هذه المرة بعاملين هما: تمكن اللائحة ككل من الحصول على الحاصل الانتخابي (10 بالمئة من كامل أصوات المقترعين)، ثم هناك موضوع الصوت التفضيلي، الذي يعني ان هناك حرباً سوف تستعر داخل كل لائحة على حدة لإقناع الناخب بإعطاء صوته التفضيلي لهذا المرشح أو ذاك، في قضائه وليس في الدائرة ككل.

الاحتمالات؟

ما هي الاحتمالات؟

ــ  تحالف «المستقبل» – ميقاتي يبدو مستبعداً، وهنا لا بد من الإشارة إلى الحملة التي شنتها جريدة «المستقبل» وموقعها الالكتروني، مع بداية السنة الحالية، على الرئيس ميقاتي،  وأشارت فيها إلى أنه ينسق مع  ريفي،  إضافة الى انتقادات حادة أخرى للرجلين. وقد نفى مكتب ميقاتي ما تضمنه المقال جملة وتفصيلاً.

ــ احتمال التحالف بين ميقاتي وريفي يبدو أيضاً مستبعدا، لأسباب ترتبط بحدة خطاب ريفي، من جهة، وبالوعود الكثيرة التي يطلقها وزير العدل السابق دون التمكن من تحقيق أي منها، وبأداء المجلس البلدي في طرابلس المحسوب بمعظمه على ريفي، وخاصة رئيسه.

ــ  تحالف ميقاتي مع كرامي و«8 آذار» يبدو أيضاً مستبعداً، لأن رئيس الحكومة السابق لا يريد إثارة حفيظة السعودية، ولأن الحسابات الانتخابية قد تكون ضارة بل قد يكون مفعولها عكسياً، وميقاتي لا يريد ان يكون دوره فقط ايصال نواب من «8 آذار» إلى المجلس، فيما يعرف انهم سوف يغردون خارج سربه، مباشرة بعد إعلان النتائج.

غير ان هذا الاحتمال (او  التحليل) قد لا يصحّ في حال تغيرت ظروف المعركة والترشيحات في الاسابيع القليلة المقبلة. لكن لو جرت الانتخابات اليوم، يبدو التحالف مع «8 آذار» مستبعداً.

ــ تحالف ريفي مع «المستقبل» غير وارد، فلقد وصلت الأمور بين اإلطرفين إلى نقطة اللاعودة، على كافة الصعد. تجدر الاشارة هنا أيضاً إلى الطلاق البيِّن الذي حدث مؤخراً بين ريفي ووليد معن كرامي.

لذلك يبدو ان كل من «المستقبل» (متحالفاً مع النائب محمد الصفدي والوزير محمد كبارة)، وميقاتي، وريفي، سيخوضون المعركة بلوائح خاصة بكل طرف على حدة، فيما كرامي وشخصيات متفرقة من «8 آذار» سيخوضونها  ضمن لائحة رابعة.

في الاستنتاج، كانت المعركة تبحث عن «عنوان»، وها هي التطورات تفرض عنواناً هاماً هو «الدفاع عن الطائف»، فهل يكون هذا العنوان  المحرك الأساسي للانتخابات المقبلة، خاص؟

المجتمع المدني»:                  حان وقت «السلفي»

سؤال أخير: أين «المجتمع المدني» من الحراك الانتخابي؟

أين «رموزه»، الباحثون أبداً  عن المقاعد الأمامية، والمرضى بحبّ الظهور،  والبعيدون عن الناس وقضاياهم، والعديمو الفاعلية والانتاجية، والتابعون اساساً للسياسيين على اختلافهم؟

… إنهم يلتقطون «السلفي».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.