هذه صلاحيات الرؤساء والوزراء وفق «الطائف»… من يحمي لبنان من خطر الرهانات المتهورة؟

من يريد إعادة عقارب الساعة الى الوراء؟
من يريد تعريض الاستقرار في لبنان، والسلم الاهلي، للخطر؟
من يريد ضرب الاصلاحات السياسية التي أُقرت في الطائف في العام 1989 ثم اصبحت جزءاً من الدستور اللبناني في العام1990، بعد سنوات الحرب الاهلية المدمرة التي عاشها لبنان بفعل عوامل محلية وخارجية عديدة تداخلت، فيما المحرك الاساسي والاول كان المطالبة الملحة بتعديل الدستور اللبناني، بما يتوافق مع التغيرات الديموغرافية والطائفية والمذهبية والاجتماعية والاقتصادية، التي حدثت في لبنان، منذ دستور العام 1926 الى انفجار العام 1975، مروراً طبعاً بميثاق العام 1943؟
وقد قال «الطائف» إن أعداد اللبنانيين، من هذه الطائفة او تلك، يجب ألا يؤثر على التراتبية في النظام السياسي اللبناني (الرئاسات ونيابات الرئاسات)، ويجب ألا يؤثر على التوازن في وظائف الفئة الاولى، ويجب ألا يؤثر على الاعراف التي كانت متبعة، خاصة في ما يتعلق بتولي افراد من الطائفة المارونية مراكز حساسة مثل قيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان وغيرهما.
وقال إن الكثير من الصلاحيات المطلقة وشبه الديكتاتورية لرئيس الجمهورية (الذي لا يُحاسَب) تنتقل الى مجلس الوزراء مجتمعاً، وهو الذي يضم وزراء من كل الطوائف والمذاهب، وبشكل أكثر من عادل، وهو الذي يمكن محاسبته دائما، في المجلس النيابي والاعلام والشارع، وصولاً الى المحاسبة الانتخابية الشعبية للتيارات السياسية الممثلة في هذا المجلس.
حاول «الطائف» أن يوازن قدر المستطاع بين حقيقتين هما:
ــ حقيقة عدم وجود توازن طائفي ديموغرافي في لبنان، واختلال الميزان العددي فيه لمصلحة المسلمين.
ــ وحقيقة اخرى هامة جداً يعرفها المسلمون اللبنانيون قبل المسيحيين، وهي ان الوجود المسيحي القوي والفاعل والمؤثر في لبنان، على كافة الأصعدة، هو حاجة اسلامية قبل ان يكون حاجة مسيحية، لأنه يساهم في إبعاد نموذج انظمة الاستبداد في العالم العربي عن بلدنا، ويعزز الحاجة الى التسامح بين ابناء الوطن الواحد، ويخفف من امكانية سيطرة فئة على أخرى، ويجعل من الحريات قيمة لا يُقبل المس بها فهي إحدى ضمانات العيش المشترك لتسع عشرة طائفة في بلد بهذا الحجم الجغرافي المتواضع جداً، ويبقي على التواصل مع العالم أياً تكن الظروف، وخاصة العالم الغربي، وفي الاقتصاد وخاصة الحر، ومن ضمنه عمل المصارف والخدمات، لا يمكن إنكار الحاجة الدائمة حتى اليوم لدور المسيحيين اللبنانيين في الحفاظ على متانة وصلابة قطاعات كهذه، لطالما ميزت لبنان وأعطته قيمة مضافة، وربما في اوقات معينة ساهمت في حمايته، كما كانت الحال منذ 2011 حتى اليوم، في ظل زلزال ضرب المنطقة العربية وكاد لا يبقي ولا يذر.
لذلك قال «الطائف»: «وقّفنا العدّ». أي أوقفنا احتساب اعداد ابناء هذه الطائفة او تلك، وبالتالي اوقفنا اي محاولة لفرض معادلة سياسية جديدة تتلاءم مع هذه الأعداد.
لكن، في المقابل، فإن «الطائف» لم يقل إن إعادة عقارب الساعة الى الوراء مسموحة، وإن تعريض لبنان للخطر مجدداً نتيجة رهانات او اوهام البعض يمكن القبول به، ولا محاولات هذا البعض الاستفادة من خطاب شعبوي طائفي وغرائزي، لتجييش قسم من الرأي العام من أجل مصالح ومنافع ونفوذ وتسلط وهيمنة، واصوات انتخابية طبعاً، فيما الاحباط الشعبي المستقبلي سيكون النتيجة المنطقية لهكذا حَقنٍ وإيهام وتضليل ووعود غير قابلة للتنفيذ بحكم الواقع، وهذا الاحباط لا يمكن ان يؤدي إلا الى موجات هجرة لبنانية جديدة وخاصة عند المسيحيين، فيكون من دفعهم اول مرة للهجرة الكبيرة الى خارج لبنان (في ظل الاقتتال المسيحي- المسيحي) يقوم بتهجيرهم مرة جديدة في ظل الجشع والفجع والمصالح الذاتية تحت غطاء «إعادة الحق لاصحابه».
حَكَم وشريك
لم ترد صراحة في الدستور اللبناني عبارة «الرئيس الحكم» ولكن بشكل غير مباشر نصت المادة 49 من الدستور اللبناني على أن «…رئيس الدولة هو رمز وحدة الوطن…» وفي ذلك اشارة واضحة الى الدور الذي يجب ان يضطلع به وهو دور الحكم بين مختلف الفرقاء والاتجاهات. فعلى الرغم من تقليص صلاحيات الرئيس لم يتجه المشترع اللبناني يوماً نحو رئاسة فخرية بدون مضمون.
هذا هو موقع الرئيس ودوره، ولا يمكن النظر إليهما من زاوية التماثل أو التساوي مع الرئاسات أو مع صلاحياتها. فصلاحيات رئيس الجمهورية تتحدد في ضوء موقعه ودوره، وليس في ضوء المقارنة مع صلاحيات الرئاسة الأخرى، لأن مهمة الرئيس وطبيعتها وأبعادها تختلف وتتميز عن تلك المنوطة بالرئاسات الأخرى والتي تحكمها أصول وقواعد النظام البرلماني القائمة على مفهوم التعاون والتوازن، من جهة، ووسائل الضغط المتبادلة والمساءلة والمحاسبة، من جهة ثانية، فصلاحيات الرئيس لا تقارعها ولا توازيها ولا تدانيها أي من صلاحيات الرئاسات الأخرى.
كان رئيس الجمهورية اللبنانية خلال الجمهورية الأولى (1943-1990) محور استقطاب الحياة الدستورية والسياسية وملكاً غير متوج لمدة ست سنوات على الأقل لأن الرغبة في التجديد حكمت أداء نصف رؤساء الجمهورية.
وقد شكّلت صلاحيات رئيس الجمهورية جوهر الاصلاحات الدستورية التي أقرّت عام 1990. بعض الصلاحيات التي انتزعت من رئيس الجمهورية أنيطت بمجلس الوزراء، ولا سيما السلطة الإجرائية التي كانت مناطة برئيس الدولة فأصبحت مناطة بمجلس الوزراء، وما يستتبع ذلك من صلاحيات نصّت عليها المادة 65 المعدّلة من الدستور وذلك بهدف اشراك جميع الطوائف السياسية في عملية اتخاذ القرار السياسي وإدارة شؤون الدولة.
كما أن بعض صلاحيات رئيس الجمهورية الهامة انتقلت الى رئيس مجلس الوزراء الذي خصصت لعرض صلاحياته المادة 64 من الدستور، جاعلةً منه المسؤول الأول في السلطة الإجرائية. فهو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للحكومة. وتمّ تكريس استقلاله عن رئيس الجمهورية في إدارة شؤون الحكومة إن لجهة وضع جدول أعمال مجلس الوزراء ام لجهة ترؤس اجتماعاته ودعوته الى الانعقاد، الأمر الذي أدّى الى نقل مركز ورمز الحكم في لبنان من قصر بعبدا الى السرايا الكبير.
أمّا ما تبقى من صلاحيات لرئيس الجمهورية فإنه، باستثناء مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، لا يحق له ممارستها بدون توقيع رئيس الحكومة والوزير او الوزراء المختصين (المادة 54 من الدستور).
إن هذا التقليل من صلاحيات رئيس الجمهورية أثار الاعتراض عند فئة من اللبنانيين لأنه إذا كان من المقبول ان يكون رئيس الجمهورية حكماً في نظام ديمقراطي برلماني لا طائفي، فإن اعتباره حكماً رمزياً لا يملك الصلاحيات لا بدّ ان يؤثر سلباً على موقع المسيحيين في ادارة شؤون الدولة.
لكن هذا التقليل من صلاحيات الرئيس لم تجعله خارج السلطة التنفيذية، فبعض النصوص ما زالت تعطي رئيس الجمهورية صلاحيات تجعل منه قطباً دستورياً مؤثراً، لهذا فإن هذه التعديلات الدستورية لم تهدف إلى إضعاف موقع يعود لطائفة معينة لصالح موقع آخر يعود لطائفة أخرى. بل إن جوهرها هو نقل صلاحيات السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء الذي تجتمع فيه كافة أطياف المجتمع اللبناني الدينية.
(من توصيات مؤتمر «صلاحيات رئيس الجمهورية بين النص الدستوري والممارسة السياسية» – كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية)
الصلاحيات: قبل «الطائف» وبعده
ما الصلاحيات التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية قبل الطائف؟ وماذا بقي له بعدها؟ وكيف توزعت؟
– بموجب المادة 17 كانت السلطة الاجرائية «تناط برئيس الجمهورية، وهو يتولاها بمعاونة الوزراء، وفقا لاحكام الدستور». وفي الطائف عدلت هذه المادة، واصبحت «السلطة الاجرائية منوطة بمجلس الوزراء، وهو يتولاها وفقا لاحكام هذا الدستور».
– بموجب المادة 18 كان «لرئيس الجمهورية ومجلس النواب حق اقتراح القوانين». في الطائف سحب هذا الحق من رئيس الجمهورية، وأصبح «لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين، ولا ينشر قانون ما لم يقره مجلس النواب».
– بموجب المادة 33 كان لرئيس الجمهورية قبل الطائف ان «يدعو مجلس النواب الى عقود استثنائية». وبعد التعديلات اصبح «لرئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ان يدعو الى العقود الاستثنائية».
– بموجب المادة 52 من دستور ما قبل الطائف كان رئيس الجمهورية «يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها، ويطلع المجلس عليها حينما تمكنه من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة». بعد الطائف بقي رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها، لكن «بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة».
– بعدما كان «رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيسا ويقيلهم ويولي الموظفين مناصب الدولة، ما خلا التي يحدد القانون شكل التعيين لها على وجه آخر» قبل الطائف، جاء تعديل المادة 53 ليسحب منه هذه الصلاحية، ويسمح له «بتسمية رئيس الحكومة المكلف، بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، استنادا الى استشارات نيابية ملزمة، يطلعه رسميا على نتائجها».
كذلك عليه ان «يصدر، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء او اقالتهم»، (وبعد موافقة ثلثي اعضاء الحكومة بموجب المادة 69).
– قبل الطائف كان يجب ان يشترك مع رئيس الجمهورية في التوقيع على مقرراته، الوزير او الوزراء المختصون، ما خلا تولية الوزراء واقالتهم قانونا. وبعد الطائف عدلت المادة 54 لتوجب ان يشترك مع رئيس الجمهورية في التوقيع على مقرراته «رئيس الحكومة والوزير والوزراء المختصون، ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة، ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة»، واضافت عليها وجوب «اشتراك رئيس الحكومة في التوقيع على مرسوم اصدار القوانين».
– بموجب المادة 55 من الدستور كان يحق لرئيس الجمهورية ان «يتخذ قرارا، معللا بموافقة مجلس الوزراء، بحل مجلس النواب قبل انتهاء عهد النيابة». وجاءت تعديلات الطائف لتربطها بالحالات المنصوص عليها في المادتين 65 و77 من الدستور، و«يعود لرئيس الجمهورية عندها الطلب الى مجلس الوزراء، حل مجلس النواب قبل انتهاء عهد النيابة. فاذا قرر مجلس الوزراء بناء على ذلك حل المجلس، يصدر رئيس الجمهورية مرسوم الحل». وهذا يعني ان رئيس الجمهورية يبقى رهن موافقة مجلس الوزراء على طلب حل مجلس النواب.
– المادة 56 المتعلقة بنشر القوانين اعطته، بعد تعديلات الطائف «حق الطلب الى مجلس الوزراء اعادة النظر في اي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ ايداعه رئاسة الجمهورية. واذا اصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ، او انقضت المهلة دون اصدار المرسوم او اعادته، يعتبر القرار او المرسوم نافذا حكما ووجب نشره».
– ولكون السلطة الاجرائية نيطت بمجلس الوزراء، فقد تحولت صلاحية دعوة مجلس النواب الى عقد استثنائي للبت نهائيا في شأن مشروع الموازنة، من رئيس الجمهورية منفردا بموجب المادة 86 من الدستور، باتجاه اتفاقه مع رئيس الحكومة على توجيه هذه الدعوة، بموجب النص الجديد للمادة، ونيط كل ما كان للرئيس بمجلس الوزراء.
الوزير في النظام اللبناني
نصت المادة ( 66) من الدستور على انه: يتولى الوزراء ادارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين كل بما يتعلق بالامور العائدة الى ادارته وما خص به.
هذا النص يعني ان الوزير وبالاضافة الى صفته السياسية يتولى صفة ادارية عبر ادارة وزارته، ويعني ايضاً ان الوزير يطبق الانظمة والقوانين اي انه يمشي في تنفيذ القوانين والنصوص النظامية التي تصدر عن السلطات الدستورية سواء التشريعية او التنفيذية والتي تعبر عن سياسات السلطات وهو جزء من السلطة التنفيذية.
وفقا لنص المادة (65) من الدستور تناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء ومن صلاحياتها وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات ووضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها. ما يعني ان الوزير جزء من مجلس وزراء يتحمل تبعة سياسته لانه من واضعي سياسة هذا المجلس الذي انيطت به السلطة الاجرائية .
ان الوزير مكلف من قبل الدستور ومجلس الوزراء في تنفيذ ما تقرره الحكومة في سياساتها – لا ما يقرره هو في وزارته – والا بطلت الفقرة الدستورية اعلاه وبطل معها مفعول التضامن الوزاري الذي يؤدي الى اعتبار كل الوزارة مستقيلة بموجب المادة (69) من الدستور ان نزعت الثقة عنها من قبل المجلس النيابي او خضعت لمساءلة دستورية وبرلمانية معينة.
تنص المادة (64) من الدستور على ان رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولا عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء.
وتنص الفقرة (7) من تلك المادة الى ان رئيس مجلس الوزراء يتابع اعمال الادارات والمؤسسات العامة وينسق بين الوزراء ويعطي التوجهات العامة لضمان حسن سير العمل وله بموجب الفقرة (8) من المادة نفسها عقد جلسات عمل مع الجهات المعنية في الدولة بحضور الوزير.
فهذه النصوص تؤدي بنا الى التالي:
من يرأس يتصرف بصلاحيات رئاسية اي اشرافية وادارية وتنظيمية على الوحدة التي يرأس، وبالتالي ان رئيس مجلس الوزراء الذي يعتبر مسؤولا عن سياسة الحكومة بحكم الدستور يمارس سلطة رئاسية (في مفهومها المحدد دستوريا لا العام) على مجلس الوزراء.
من يرأس يعتبر مسؤولا عن ما او من يرأسه. ما يعني امكان ان يتحكم هذا الرأس بما يحصل كي لا يحاسب او يعاقب على امر ليس خاضعاً لسلطته او ليس لديه تأثير عليه.
رئيس مجلس الوزراء يستطيع التدخل، عبر صلاحية متابعة اعمال الادارات والمؤسسات العامة والتنسيق بين الوزراء، في صلب اعمال الوزراء بحيث له صلاحية مكملة متمثلة باصدار التعليمات والتوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل.
وله ايضا ان يعقد جلسات عمل متخصصة بحضور الوزير الذي لا يمكن ان تكون له سياسة الا من ضمن التوجه الحكومي العام والا وقع الوزير في تناقض ليس بينه وبين رئيس مجلس الوزراء بل وبينه وبين الحكومة اي سائر الوزراء زملائه.
فالوزير جزء من كل، ولا بد من ان تكون له افكاره ومشاريعه لوزارته، ولكن من ضمن سياسة مجلس الوزراء وبما يخضع لسلطة رئيس مجلس الوزراء دستوريا واداريا وتقنيا.