طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

نهاية حُلمٍ أم نهاية وهم؟…

غلاف العدد

 

فجأة كُسِر كلُّ شيء، فهُدم بناء شُيِّد في 6 شباط 2006، في «مار مخايل»، عندما وقّع رئيس «التيار الوطني الحر»، النائب وقتها، ميشال عون، «ورقة تفاهم» مع الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله.

وكان الفريقان، قد استطاعا، طوال اثني عشر عاما، ان يُدخلا إلى وجدان عشرات الآلاف في بيئتيهما الحاضنتين قناعةً تفيد أن هناك مصلحة مصيرية تقتضي إجراء حلف «أبدي سرمدي»، في مواجهة الآخرين في هذا الوطن اللبناني.

وبالطبع كان لهذا التفاهم (الذي لم يُطبّق من بنوده المعلنة اي بند) أثمان، منها وقوف «التيار» إلى جانب «الحزب» في السرّاء والضرّاء،  في المحلي والإقليمي، وفي المقابل، وقوف «الحزب» إلى جانب عون في الصراع المحتدم على السلطة، صراع استمر منذ ذلك الوقت حتى تولي عون رئاسة الجمهورية بموجب انتخاب، كان الحزب يواظب على تعطيله إلى ان تبدلت الظروف الدولية والإقليمية والمحلية، فرضخ الكثيرون ممن كانوا ضد وصول عون إلى الرئاسة، فرشحوه ثم انتخبوه.

لكن، فجأة كُسِر كل شيء، عندما سُرِّب مساء 28 كانون الثاني 2018 تسجيل لوزير الخارجية جبران باسيل،  احتوى كلاماً قاله في بلدة محمرش البترونية واستعمل فيه، كعادته، أسلوب التجييش الطائفي والتحريض لإثارة أكبر قدر من الغرائز، بهدف شدّ العصب الانتخابي، تمهيداً للاستحقاق النيابي في  6 أيار المقبل.

لكن المفاجئ هو ان باسيل هذه المرة لم يكتفِ بالكلام العام، بل لجأ أيضاً الى التخصيص، وكان ذلك من نصيب رئيس مجلس النواب نبيه بري، عبر هجوم لاذع شنّه عليه، قائلاً إنه «بلطجي»، وانه لن يسمح له بأن «يكسر رأسنا، بل نحن الذين سنكسر رأسه».

التسجيل المسرّب لوزير الخارجية جبران باسيل سبّب ما يشبه «الهزة الأرضية» في بيئة رئيس حركة «أمل» نبيه بري، وأيضاً في بيئة حليفه «حزب الله» والبيئتان متداخلتان جداً.

الردّ على الكلام التوصيفي يكون بكلام يشبهه

لكن، بغض النظر عن صحة كلام باسيل أو عدم صحته، وعن الموافقة على اسلوبه أو عدم الموافقة، وإذا كان هذا الاسلوب يُعتبر من التقاليد السياسية اللبنانية أو لا يُعتبر، وعن الأهداف التي يرمي إليها سواء كانت أهدافاً حسنة أم سيئة، بغض النظر عن كل ذلك، فإن كلام باسيل لا يعدو كونه كلاماً توصيفياً حاداً في معركة سياسية ملتهبة، وعقب أزمة توقيع مراسيم الاقدمية لضباط «دورة عون»، وبعد شدّ حبال  طويل، كان قد بدأ مع عدم انتخاب بري عون للرئاسة في تشرين الأول 2016.

كلام باسيل كان توصيفياً، إذ تضمن وصفاً مفصلاً لتصرفات قال باسيل إن بري يقوم بها وتشبه تصرفات من هو «بلطجي». أما في ما يتعلق بـالكلام عن «تكسير الرأس»، فلقد جاء، خلال حديث باسيل، في إطار الدفاع عن النفس «إذا كان بري يريد تكسير رأسنا».

لذلك، كان بالامكان الردّ علي كلام باسيل بكلام من مستواه، أو أعلى مستوىً أو أدنى، ليبقى الخطاب السجالي بين السياسيين اللبنانيين خطاباً تراشقياً عبر الإعلام، فيبدي عندئذٍ  كل منهم رأيه في الآخر، بأسلوب سلميّ حتى لو كان وقحاً، أياً يكن هذا الرأي وأياً تكن التوصيفات التي يحملها.

إلاّ ان أنصار رئيس المجلس، وحركته «أمل» وبيئته الحاضنة، لم يقبلوا إخضاع السجال للشروط السياسية والاعلامية العادية، فحولوا هذه المناسبة إلى حفلة تهويل وترهيب في الشارع، نقلت القضية من حيزها السياسي الطبيعي، الى فلتان هستيري للغرائز، نسف مسيرة 12 سنة بدأت مع «ورقة التفاهم» التي وقعها عون ونصرالله.

«بركات» «ورقة التفاهم»

ولقد كان توقيع هذه «الورقة»، بمفهومَيه الشعبي والشعبوي، قد أعطى نتائج هامة، إذ خلق ترابطاً مهماً بين بيئات المتحالِفَين، وبيئات حلفاء المتحالِفَين، وظهر ذلك جلياً في مرحلة حرب تموز 2006، ثم استمرّ مع اعتصامات الوسط التجاري، حتى انتقل إلى توزيع المناصب والحصص الوزارية  في الحكومات المتعاقبة، إلى أن جاءت الاستقالة  المشتركة لوزراء «الحلفاء» ومن الرابية تحديداً، وصولاً إلى فرض وزراء بعينهم في وزارات بعينها، في اكثر من حكومة ومنها الأخيرة، ثم كانت الذروة مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

«ميني 7 أيار»

ما حدث بعد تسريب كلام محمرش كان أشبه بـ «ميني 7 أيار»، فيما نكتة ان سبب الشغب هو «غضب الأهالي» كانت حاضرة هذه المرة ايضاً، ومشهدية الغزوات البشعة كانت ذاتها، من غزوة ميرنا الشالوحي إلى الغزوات ــ الاستفزازات في بيروت الغربية بطولها وعرضها وفي معظم أحيائها، إلى غزوة الحدث، إلى غزوة السفارة اللبنانية في أبيدجان، وتهديد القائم بالأعمال «الذي شكله مش عاجبه الكلام» فعليه ان«يضبّ كلاكيشه» ويغادر ابيدجان فوراً.

ما أشبه 7 أيار 2008 بـ 29 و30 كانون الثاني  2018، عشر سنوات مرت و«الأهالي» ما زالوا غاضبين، و«الزعران» ما زالوا هنا، وإن تغيّرت الوجهة.

بيد أن الكلام «الباسيلي» الحادّ جداً بحق رئيس مجلس النواب،   وردّات فعل «الأهالي الأمَلِيين»، الترهيبية والعنفية والمسلحة أحياناً، شكلت صدمة حادة تعرض لها الوجدان الجَمعي في البيئتين الحاضنتين، لـ «أمل» و«حزب الله»، من جهة، ولـ «التيار الوطني الحر»، من جهة أخرى، مما سبب  شرخاً عميقاً وانقساماً عمودياً بين شارعين كانا قد حلُما، بفعل توجيه وتحريض قيادتيهما، أنهما قد انخرطا بلا رجعة في حلف نهائي له معانٍ كثيرة، في مواجهة «بعبع» ما، في لبنان وعلى امتداد المنطقة العربية.

ما الذي انتهى: الحلم أم الوهم؟

فالهيكل النفسي، الذي تم تدميره، لن يستطيع حتى الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، ترميمه بسهولة، حتى لو كثّف من إطلالاته التلفزيونية المتوقعة في الأيام والاسابيع المقبلة، فما وقع قد وقع، والحُلم، الذي كان قد بُني عبر تخويف الناس، إذا به يتبدّى وهماً محبطاً ومؤسفاً عنوانه المَشاهد المقزِّزة التي رآها اللبنانيون في الأيام القليلة الماضية.

الخسائر

لكن الأخطر بالنسبة إلى «حزب الله» يبقى خسارته الغطاء المسيحي الذي كان «التيار الوطني الحر» يؤمنه له.

وخسر «التيار» سنداً قوياً أتاح له ممارسة الحكم بطريقة تشبه مرحلة ما قبل الطائف.

وخسر رئيس مجلس النواب نبيه بري هيبته، بفعل كلام جبران باسيل، ثم تمّ تشويه صورته على يد «جمهوره»، خاصة عندما تفلّت الأخير في الشارع مستعملاً كل أنواع الشتائم، في كل اتجاه، وضد كل من تراه أعينه، مع التركيز دائماً على نوعين من المسبّات، فهناك تلك المرتبطة بالنواحي الجنسية، وهناك تلك المرتبطة بالأحذية والصرامي (لأسباب ما زالت مجهولة).

وقد تمّ توجيه الاهانات العلنية لرئيس الجمهورية وعائلته، بتعبيرات معيبة ومهينة وغير مقبولة، حتى لو وُجهت لأي إنسان عادي. ورُفعت ايضاً يافطات بنفس مستوى الابتذال ، فيما وصل مديح البعض لزعيمه لدرجة تشبه التأليه والنبوة.

وخسر«المشروع الكبير في المنطقة» حلفاً عوّل عليه طويلاً، وكان يعوّل أن يخدمه في المستقبل.

هل ربح باسيل… وهل يعتذر؟

في المقابل، هل ربح جبران باسيل بعد هذه الفورة التي شهدها البلد؟

ربما استطاع شدّ العصب الانتخابي في بيئته، على أبواب الاستحقاق، مما وضع «القوات اللبنانية» و«الكتائب» في موقف حرج، أمام شارع شعر فجأة بالخوف والتململ والغضب، وقد ظهر ذلك في أكثر من مكان خلال هذه المحنة.

كذلك، هل يعتذر جبران باسيل علنا ً (من اللبنانيين)، كما طلب رئيس المجلس؟ أم يكفي الأخير الاتصال الهاتفي الذي أجراه معه رئيس الجمهورية قائلاً له «كرامتي من كرامتك» بعدما كان بري قد رفض المبادرة الأولى لعون، والتي جاءت على شكل دعوة الجميع ان يسامحوا بعضهم بعضاً؟

أخيراً، هل يمكن الخروج بأي إيجابية من الأزمة الأخيرة؟

نعم، ربما نكون أمام بداية لعودة التوازن الداخلي اللبناني إلى نصابه، بعدما اختل بشكل فظيع بعد 7 أيار 2008، وربما يكون «التيار الوطني الحر» قد اصبح أكثر حاجة إلى مراعاة مختلف البيئات اللبنانية، وإلى التخلي عن أدبيات تاريخية لطالما كانت مستفزة للبعض من هذه البيئات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.