طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

عبدالمجيد قصة الأعْمَار لا تنتهي

الشاعر عمر شبلي

«حزب طليعة لبنان العربي الإشتراكي» أقام مهرجاناً في: «الذكرى 11 لإستشهاد الرئيس صدام حسين وإنطلاقة الثورة الفلسطينية ويوم الشهيد البعثي». وقد نشرنا في العدد السابق تحقيقاً مفصلاً عن الوقائع، وفي هذا العدد ننشر القصيدة التي ألقاها الشاعر عمر شبلي:

عبدَالمجيد، وقصّةُ الأعمارِ

لا تنتهي في مِعْوَلِ الحَفّارِ

فالموتُ يُلغي كلَّ شيءٍ، إنّما

يُلغى بما تبقيهِ من آثارِ

هي أن تظلَّ برغم موتِكَ حاضراً

في كلِّ مأثرةٍ وطيبِ نِجارِ

يكسوكَ هذا الموتُ عمراً آخراً

ما دمتَ لم تُوصَمْ بلطخةِ عارِ

ها أنتَ في الصفِّ المُقَدَّمِ بيننا

الموتُ دونكَ جاثِمٌ مُتَوارِ

تسعين عاماً عشتَ فينا رائداً

تُلغي سرابَ مَهامِهِ وقِفارِ

وظلَلْتَ تُعطي، والطريقُ طويلةٌ

بإباءِ أصْيَدَ ذائدٍ صَبَّارِ

عبدَالمجيدِ، وما بنعشكَ جثّةٌ

بل فيهِ سيفا خالدٍ وضِرارِ

فاسكنْ مع الشهداءِ، إنّك منهمُ

في جنّةِ المأوى مع الأبرارِ

سيصيرُ قبرُكَ مثلَ بيتِكَ مقصَداً

لمواكبِ الثوّارِ والأحرارِ

قد كان بيتُكَ دائماً مفتاحُهُ

عندَ الصباحِ حوائجُ الزوّارِ

لو جاء غيرُكَ عارياً من رفعةٍ

تمضي وأنتَ من النقائص عارِ

            ***

نبكيكَ في لبنانَ دمعاً أحمراً

والدمعُ حيناً فيهِ طبعُ النارِ

حمَلتْ طرابُلُسُ الأسيفةُ نعشَهُ

وبَكتْ «أبو سمرا» بدمعٍ جارِ

خرجَتْ وقد لبستْ سواداً كلُّها

تبكيكَ يا ابنَ السادةِ الأطهارِ

وأمامَ نعشكَ قد وقفتُ بلوْعةٍ

أشكو إليكَ صعوبةَ المشوارِ

وسألتُ دارَكَ أين أنتَ فجاوبتْ

أشجارُها، والحزنُ في الأشجارِ

عبدَالمجيدِ، وكلُّ دارٍ تنتحي

إن لم يكنْ فيها عميدُ الدارِ

حَنَّتْ إليكَ مهاجراً من أجلها

وأتيْتَها بُورِكْتَ من دَيّارِ

في داركَ اتخذ الوفاءُ مقرَّهُ

حتى الوفاءُ بدا على الأحجارِ

طَبَّبْتَ كلَّ الناس، إلاّ أنتَ ما

أقساكَ كنتَ عليكَ بالإيثارِ

قد كنتَ تحملُ دائماً سمّاعة

هي تَسمعُ الفقراءَ دونَ حِوارِ

هي لم تكنْ سمّاعةً، بل قطعةٌ

من قلبكَ المملوءِ بالأنوارِ

عبدَالمجيدِ وأيُّ جرحٍ لم يدعْ

في صدرِكَ العربيِّ من آثارِ!!

عبدَالمجيدِ وكلُّ جرحٍ عاري

إنْ لم تُضَمِّدْهُ يدُ الثُوّارِ

ناضلْتَ ضدَّ البائعين شعوبَهمْ

والمشترين الناسَ بالدولارِ

فَليَعْلموا أنّا بيومِكَ لم نزَلْ

كرصاصةٍ كانت ببيتِ النارِ

ونَفَرْتَ من «زاخو» إلى «يمنٍ» ومن

«حَلَبٍ» إلى« مرّاكشٍ» و«ظُفارِ»

أحببتَ «وادي الرافديْنِ» و«جِلِّقاً»

وعشقتَ مصرَ أميرةَ الأنهارِ

لم تغفُ يوماً لا فلسطينٌ بهِ

كم دونَها واجهتَ من أخطارِ

وسألتُ وجهَكَ: أيُّ دربٍ دونها؟

فأجبتَ: إن الدربَ محْضُ قرارِ

فالدربُ ليس مسافةً نمشي بها

ألدرب أن تمشي على الإصرارِ

فالقدسُ قد فتحتْ لراكبِ ناقةٍ

أبوابَها وَعَصَتْ على الطيّارِ

يا ليتنا بَدْوَاً نظلُّ لِنَنْتخي

من شيمةِ البدويِّ أخذُ الثأرِ

تمضي، وأمتُنا تقاومُ موتَها

وتقاتلُ المحتلَّ بالأحجارِ

فالموتُ لم يحضرْ جنازةَ أمةٍ

ما دام في دمها نزيفٌ جارِ

كم رايةٍ تعلو، ولو مهزومةً

أعلَتْ بها يدُ جعفرَ الطيارِ

والنصرُ يخذلُ سيفَه إن لم يكنْ

إفْرنْدُهُ في خدمةِ الأفكار

من شيمة الجرحِ الجميلِ إذا دجا

ليلُ الخطوبِ يشعُّ بالأنوارِ

             ***

يسمو يَراعي إنْ رثاكَ بحِبْرِهِ

ويَضُوعُ منكَ العطرُ في أفكاري

كم قلتَ لي: بالأمسِ إنّ قصائدي

لبست دماً للذودِ عن «ذي قار»

صعبٌ حِرانُ الحرفِ حين تجرُّهُ

للشعرِ دونَ سلاسلٍ من نارِ

تغفو القصيدة حين تغفو أمّةٌ

وإذا صحتْ تصحو معَ الأشعارِ

عاندْتُ شعري وانتظرتُ هطولَهُ

وخجلتُ من سُحبي ومن أمطاري

من ألفِ جلجلةٍ، وأحمل صخرتي

من ظلمِ «زوسَ» وقسوةِ الأقدارِ

وحملتُ أسئلتي وجرحي والأسى

متوكئاً أمشي على إصراري

سأظلُّ مُتَّشِحاً بها ما دام بي

نبْضٌ يقاومُ في الطريقِ عِثاري

              ***

عبدَالمجيدِ، وما وداعُكَ هيِّناً

غُصَصُ الأسى ليستْ صفيرَ قِطار

ها قد رحلتَ، ولا تزالُ بداخلي

بعضي على بعضي يَلُفُّ إزاري

قد كان بينكَ، إذْ رحلْتَ، وبينَ ما

قصَدَ الثرى بالموتِ ألفُ جدارِ

من أصبحتْ يوماً طرابُلُسٌ له

قبراً يكنْ في جنَّةِ الأبرار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.