طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

3 رسائل مفتوحة الى الرئيس سعد الحريري

 في هذه الصفحة، تنشر «التمدن» ثلاث افتتاحيات، هي أشبه برسائل مفتوحة للرئيس سعد الحريري، كتبها في «التمدن» الزميل فواز سنكري في محطات تاريخية ثلاث.

– الأولى في 17/6/2005، قبل عدة أيام من موعد الانتخابات النيابية في ذلك العام، وعنوانها «القتلة»، وتحتوي رداً على جملة قالها الشاب سعد الحريري في مهرجان إعلان اللائحة في طرابلس، وجاء فيها: «لا تتركوا الساحة للمتآمرين على دم رفيق الحريري، ستقولون لهم يوم الأحد نحن الضحية وأنتم الجلادون، نحن دم الشهيد وأنتم القتلة». وكان هذا الكلام موجهاً إلى اللائحة المنافسة التي كانت تضم حلفاء الرئيس الحريري اليوم، وهم «التيار الوطني الحر» و«المردة»، إضافة إلى النائب السابق الراحل الدكتور عبدالمجيد الرافعي ومستقلين.

– الافتتاحية الثانية، بتاريخ 7/5/2009، والتي حملت عنوان «بعد سنة على 7 أيار: أسئلة برسم «حزب الله» و«تيار المستقبل»»، تضمنت نقداً لأداء الفريقين اللذين كانا يعيشان «نعمة» «اتفاق الدوحة» الذي جاء بعد جريمة «حزب الله» 7 أيار 2008، وكان الطرفان الخارجان من «اتفاق الدوحة» والمتجهان إلى الانتخابات النيابية، تمهيداً لمرحلة «س-س»، كانا، بدلاً من تهدئة الأجواء، يجيشان مذهبياً، قبل أيام من الانتخابات النيابية للعام 2009.

– الافتتاحية الثالثة نُشرت في 31/7/2010 تحت عنوان «رسالة إلى سعد» وكانت تتعلق تحديداً بمسألة إنماء الشمال. وكان الحريري وقتها رئيساً للحكومة وكان لبنان يعيش «بركات «س ـ س» علماً أنه في 30/7/2010،  استقبل الرئيس ميشال سليمان في بعبدا الملك السعودي الراحل عبدالله والرئيس السوري بشار الأسد، وقد جاءت تلك الزيارة بعد 7 أشهر من زيارة الحريري لدمشق في 19 كانون الأول 2009، بعدما أصبح رئيساً للحكومة، وبعد النجاح الكبير الذي حققه في الانتخابات النيابية لذلك العام.

 

«القَتَلَة»

 

في مهرجان «لائحة المصالحة والاصلاح» مساء الخميس الماضي، في منطقة معرض الشهيد رشيد كرامي الدولي في طرابلس، قيل كلام كبير يجدر التوقف عنده، وطرح أسئلة حقيقية وصريحة، حول سبب التمادي في جعل دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري مادة في الحملة الانتخابية، وسبب اللجوء الى خطاب تخويني، لطالما رفضه الرئيس الشهيد ورفضته قوى أخرى تلجأ الآن هي نفسها الى استعماله.

قيل في المهرجان المذكور حرفياً ما يلي:

«لا تتركوا الساحة للمتآمرين على دم رفيق الحريري (…) ستقولون لهم يوم الاحد: نحن الضحية وهم الجلادون، نحن دم الشهيد وهم القتلة».

وهذا الخطاب الالغائي، والذي لا علاقة له بتاتاً بفكرة الوحدة الوطنية، ذكّر بالكلام الذي قاله النائب وليد جنبلاط، مباشرة بعد انتهاء معركة جبل لبنان الانتخابية الى ما انتهت اليه، اذ سارع الى «تنبيه» أهل الشمال إلى أن دم الرئيس رفيق الحريري «لم ينشف بعد»، وسارع الى مطالبة هؤلاء بعدم التصويت للذين «شاركوا في قتل رفيق الحريري»، كما سارع الى التبشير بحرب أهلية مقبلة، ثم سارع أيضاً الى توجيه تحية الى عناصر الميليشيا التي كانت تابعة له في الحرب الاهلية المشؤومة لِما «بذلته» خلال احدى المعارك التي جرت أثناء الحرب.

هذه الملاحظات تفرض التمعّن فعلاً في الكلام الذي استُعمل خلال المعركة الانتخابية، وتفرض السؤال عن الدور الذي لعبه النائب جنبلاط في صناعة هذا النوع من الكلام، حتى لو كان من يقوله أناسٌ آخرون قد يكتشفون مستقبلاً، وبعد اكتساب المزيد من الخبرة في السياسة اللبنانية، انه كلام لا يأتي منه أي نفع، والدليل الساطع هو ما آلت اليه الامور مؤخراً والتفريط الفاضح بكل منجزات 14 آذار وتفلّت المشاعر الطائفية من كل قيد وعلى أكثر من صعيد وفي كل الاتجاهات.

أخيراً، يُعتقد ان متَّهِمي الخصوم الانتخابيين بأنهم قتلة الشهيد رفيق الحريري، يدركون جيداً ان هذا الكلام غير منطقي وغير موضوعي وغير صحيح، لكن السؤال هو: هل يدركون مقدار الضرر الذي يخلفه هذا الكلام بحق لبنان ومجتمعه، وبحق أنفسهم أيضاً مع الاسف؟

«التمدن» 17/6/2005

اسئلة برسم «حزب الله» و «المستقبل»

«حزب الله»

(…) في 7 ايار 2008 نفذ «حزب الله» ذلك «الاعتداء الاهلي» الكبير. في ذلك اليوم المشؤوم قرّر قادة «حزب الله» ان «ينتصر» الحزب بقوة السلاح في الداخل، وان تخسر المقاومة، في الوقت عينه، مشروعيتها ودورها وصورتها ومستقبلها ومعنى وجودها وفاعليتها وقدسيتها وأَدواتها وحضنها الاهلي. لو يعرف هؤلاء القادة  كم كانت «الهدية» ثمينة عندما قدموها لمن يسمّون أَنظمة «الاعتدال» ولمن يسمّون أَنظمة «الممانعة»، فغرقوا في وحول الداخل اللبناني المذهبي (طالما ان الطائفية أصبحت موضة قديمة)، ويتحوّلوا الى ما يشبه «النظام» الرسمي العربي القمعي، مثل كل أنظمة المنطقة حيث يسود القمع في الداخل، وعند الحدود «لن نترك العدو يحدّد هو زمان ومكان المعركة».

«المستقبل»

(…) في المقابل، نستطيع القول لـ »تيار المستقبل«، والقائمين عليه، بأنه لا يمكن ان يستمرّ، اذا لم يتدخّل جدياً لوضع حدّ لمشاعر النقمة المذهبية التي كبرت في السنوات القليلة الماضية عند ابناء الطائفة السنية، وتصاعدت بشكل كبير منذ السابع من ايار 2008. وعدم اخماد هذه المشاعر المتأججة قد يأخذ الامور الى أمكنة أخرى خطرة لا مكان لـ «تيار المستقبل» فيها، واذا تقوقعت هذه «الامّة» الضخمة ذهب متطرفوها الى «بن لادنية» قد تقضي على «اعتدال» يقول «التيار» انه يمثله في الطائفة، أما الارضية فجاهزة في بؤر حرمان وقهر عديدة ومعروفة.

خلاصة

(…) والآن، في 7 أيار 2009، نتذكّر بحزن 7 أيار 2008، ونحزن اكثر اذا ما تذكّرنا الفرح الساذج والمؤلم لعناصر «حزب الله»، ونحزن لأن قيادة «الحزب» قبلت الدخول في «بازار» السلطة وسلّمت في المقابل رأس المقاومة للمتعهد الاقليمي، ونحزن لأن الخطاب السياسي لـ «الحزب» منذ ذلك التاريخ صار يستبطن خطاباً مذهبياً متوتراً، ونحزن لأن «تيار المستقبل» يستبطن في خطابه هو الآخر خطاباً مذهبياً موازياً وهو خطاب لا يدرك «التيار» مدى خطورته على معظم أَهل السنة، ونحزن لأن «التيار» يحاول اقناعنا بأن أبناء الطائفة (الامة) هم أقلية خائفة، وهو خطاب «خوف» قد يصدقه كثيرون، لكن المشكلة هي في أن من يكسرون عادة جدار «الخوف» هم أَعضاء «القاعدة»، أَما الضحايا فمعظمهم بالعادة من «أهل البيت السني».

                                                         (اجزاء من نص طويل)  ــ  «التمدن» 7/5/2009

 

رسالة الى سعد

الى رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري،

ربما لم تكن تفكّر يوماً في ممارسة العمل السياسي، كون نشأتك وحياتك العملية كانتا، قبل استشهاد والدك الرئيس الراحل رفيق الحريري، تأخذانك في اتجاهات أخرى، أَبرزها اتجاه الاعمال، وفق معايير خليجية وغربية.

ولكن يوم 14 شباط 2005 المشؤوم كان له رأي آخر، وأصحاب الحلّ والربط كان لهم أيضاً رأي آخر، لذلك وجدت نفسك فجأة زعيماً سياسياً لطائفة من طوائف لبنان، ثم رئيساً لحكومة هذا البلد، مستنداً بالطبع على زعامتك لطائفتك، بحكم طبيعة النظام والتركيبة اللبنانيَين.

وهكذا، وبما ان السياسة في لبنان باتت مهنتك، فهذه الرسالة موجَّهة إليك.

إنها رسالة تتعلق بك أنت فقط، اذ قد يكون الوقت أَصبح مناسباً للتحدث أخيراً اليك أنت وعنك أنت.

وهي رسالة تحمل أسئلة كثيرة، ومنها السؤال عمّا فعلته أنت بنفسك، وعمّا فعلته بجمهورك أنت، وكيف تعاطيت مع قضاياه ومشكلاته الكثيرة، ومتى تفرض نفسك زعيماً حقيقياً تدافع عن المصالح الحقيقية لهذا الجمهور، واذا كان بامكانك أن تخلّص نفسك وجمهورك، وباقي أهالي المناطق التي يعيش فيها هذا الجمهور، من مآزق خطيرة لا يبدو ان تجنبها ممكن إن استمرت الامور سائرة في الاتجاه الذي تسير فيه حالياً.

لكن السؤال الأهم هو: هل أنت تعرف جمهورك؟

واذا كان خصومك يتهمون جمهورك بأنه يُشرى ويُباع (وهذا كلام غير صحيح)، فهل أنت مقتنع فعلاً ان الحقيقة هي عكس ذلك (وهي عكس ذلك فعلاً)، فالمهم ان تقتنع أنت أولاً، ان جمهورك، وخاصة في طرابلس وعكار والضنية والمنية، لم يتحلّق حولك لأنه يُشرى ويُباع.

أمّا إن كنت تعتقد ان جمهورك «الحقيقي» هو ذلك الموجود في الوسط التجاري لمدينة بيروت، حيث تسكن، او في جبل لبنان، حيث معظم نشاطك اللاسياسي، وفي هاتين المنطقتين ينصبّ معظم جهدك الاقتصادي، تكن مخطئاً فعلاً.

وإن كنت تعتقد ان جمهورك «الحقيقي» هو ذلك المنتمي الى طبقة التجار «الكبار»، والمنتفعين الصغار، والمنافقين الكبار والصغار، فأنت مخطىء أيضاً، فهؤلاء هم جمهور أي سلطة في أي مكان وأي رجل في أي سلطة. وإن كنت تعتقد ان أهالي طرابلس وعكار والضنية والمنية هم «تحصيل حاصل» أو انهم «طبقة ثانية» نأتي اليهم في المناسبات الانتخابية وغير الانتخابية و«ندفع فرنكين» لنحشدهم بعد أن نستثير غرائزهم فأنت مخطىء.

فيا شيخ سعد، مشكلتك الحقيقية تكمن في انك لم تتعرّف بعد الى جمهورك الحقيقي.

جمهورك الحقيقي في الشمال فئتان:

فئة تنتمي الى الطبقة الوسطى، يكافح أهلها يومياً ويغامرون ويحاولون، من أجل الثبات والحفاظ على الرزق وموارد العيش، في مواجهة العزل والتهميش والمحاربة والتضييق التي تمارسها سلطة سياسية – اقتصادية أنت والمحيطون بك جزء أساسي فيها. والذين ينتمون الى هذه الفئة بدأوا يبحثون عن خيارات سياسية بديلة.

وفئة تنتمي الى الطبقة الفقيرة المسحوقة، والخوف كل الخوف ان يكون المنتمون الى هذه الفئة قد وجدوا البديل، وان تستيقظ متأخراً لتجدهم، ونجدهم، في منطقة خطرة قد لا يكون ممكناً تصوّر جحيمها.

فإلى أي إحباطات سياسية واقتصادية أخذت جمهورك الحقيقي، الى أي مستنقع، في أي عوز وفقر هو، بأي استعلاء يُعامَل، لمن تتركه ومن سيرثه اذا فشلت تجربتك السياسية؟

وأنت، إن أهملت جمهورك، او سمحت ان يبقى مهملاً ومحاصراً، انما تهمل نفسك وزعامتك ومستقبلك السياسي، وأي «إنجاز» تعتقد انك تحققه بعيداً عن جمهورك الحقيقي، المنتشر من أعالي اكروم في عكار الى شواطىء القلمون جنوب طرابلس، ليس إلاّ وهماً، واي إنجاز تقوم به ويؤمّن مصالح هذا الجمهور ويقوّيه ويرفع من شأنه اقتصادياً وسياسياً وثقافياً هو الحقيقة بعينها، التي ستحوّلك الى زعيم حقيقي يحسّن مستوى الحياة في المناطق التي تضمّ مؤيديه.

يا دولة الرئيس سعد الحريري، أنت مخطىء إن ظننت ان نجاحك يُقاس بعدد المحلات الكبرى التي ترعى افتتاحها في «سوليدير»، او بأعداد المتزلفين المنافقين الذين تقوم بتمويلهم.

أنت مخطىء اذا لم تذهب الى جمهورك، واذا بقيت غريباً بالنسبة اليهم لا تشبههم ولا يشبهونك.

أنت مخطىء إن لم تشمّر عن ساعديك، وتأتِ الى الارض التي دافعت عنك ووضعتك حيث أنت الآن، وإن لم تطلق ورشة عمل وانتاج ونهوض كبيرة جداً فيها، وإن تركت جمهورك يصطدم بالحيطان حتى ينهار الهيكل على رأسه وعلى رؤوسنا… وعلى رأسك أنت أيضاً.

«التمدن» 31/7/2010

Loading...