طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

رشيد كرامي: شابٌّ في الثامنة والتسعين

الصورة التي التقطها سيتراك ألباران

مَن عايش فترة الحراك السياسي الحيوي في طرابلس في ستينيات القرن الماضي والنصف الأول من سبعينياته، يتذكر بالطبع صورة تقليدية شبه موحدة كانت منتشرة في مختلف أرجاء المدينة بأحجام مختلفة، يظهر فيها الرئيس الشهيد رشيد كرامي بمظهر الإنسان الحزين والخجول (الصورة منشورة مع هذه المقالة، إلى اليمين)، وهذه الصورة التقطت للرئيس الشهيد في محل «فوتو فينوس» الواقع في محلة التل في طرابلس أمام المنشية، وكانت واحدة من الصور المعروضة في الواجهة الزجاجية لمحل التصوير هذا، والذي كان يملكه المصور الشهير سيتراك ألباريان.

ويبدو أن الرئيس كرامي كان يحبّ هذه الصورة تحديداً، فهو لم يطبع غيرها من بداية الستينيات حتى منتصف السبعينيات، أما التغيير الوحيد الذي كان يطرأ عليها فهو أنهاً كانت أحيانا تُطبع باللون الأسود، وفي أحيان أخرى كانت تُطبع بالأزرق، وكانت أيضاً  تُطبع بالأخضر وبالبني.

إذاً، هي كانت الصورة «الرسمية» لكرامي، وكانت تُرفع في معظم المناسبات السياسية والانتخابية والاحتفالية، وخاصة في مناطق مثل الرفاعية وباب الرمل والاسواق الداخلية لطرابلس القديمة وغيرها.

في المقابل، هناك صورة أخرى التقطت للرئيس كرامي من قِبل المصور انطوان دقوني (في الأعلى إلى اليسار) في بيروت، وذلك بعد تولي كرامي رئاسة الحكومة في العام 1958، بعد الثورة ضد الرئيس كميل شمعون ومع بداية عهد الرئيس فؤاد شهاب، وتولّى وقتها أيضاً إضافة إلى رئاسة الحكومة وزارتي الدفاع والداخلية. في هذه الصورة يبدو كرامي أكثر ارتياحاً  وأقل خجلاً ومبتسما (ولو بتحفظ)  وأكثر ثقة بنفسه، فيما تحمل نظراته شيئاً من الأمل والكثير من التصميم (الهادئ) وبعضاً من «الرومانسية».

الصورة التي التقطها انطوان دقوني

لكن الغريب أن كرامي لم يعتمد صورة دقوني كصورة «رسمية» له تُعَمَّم على مناصريه، على الرغم من أنها كانت أنجح فنياً وكان وجهه يبدو فيها أكثر وضوحا، وإضاءتها كانت مركزة بشكل قوي.

في 30 كانون الأول 1920 وُلد رشيد كرامي في طرابلس. وهو تلقى تعليمه الدراسي في مدارس المدينة وبالأخص في كلية التربية والتعليم الإسلامية، ثم ذهب إلى القاهرة حيث درس المحاماة. في العام 1950 توفي والده الرئيس الراحل عبد الحميد كرامي إثر مرض عضال، فخلفه ولده رشيد على رأس القيادة السياسية للعائلة، بعد «صراع» مرير مع عمه، النافذ وقتها، مصطفى كرامي.

أصبح رشيد نائباً عن طرابلس في العام 1951 ثمّ تولّى مناصب وزارية مختلفة، إلى أن أصبح رئيساً للحكومة عام 1955 في عهد الرئيس شمعون، ثمّ كانت الذروة بالنسبة إليه فترة عهد الرئيس شهاب حين تولى رئاسة الحكومة خلال معظم سنوات هذا العهد، والأمر نفسه حصل خلال ولاية الرئيس شارل الحلو الذي خلف شهاب، ثم أبعدت كرامي عن الحكم الخلافات بين النهج الشهابي (كان كرامي أحد أركانه) والرئيس سليمان فرنجية بعد تولي الأخير الرئاسة، غير أن الحرب الأهلية في العام 1975 فرضت على الطبقة السياسية اللبنانية الإتيان به كرئيس حكومة لرأب الصدع الذي، حدث مع اندلاع شرارات العنف الأهلي اللبناني.

لا شك في أن رشيد كرامي، منذ العام 1951، كان علامة فارقة في السياسة اللبنانية، وكان بالطبع أيضاً زعيماً حقيقياً في مدينته طرابلس، بعدما استطاع ان يحاظ على الإرث السياسي لأبيه، مضيفاً إليه الكثير من المقربين والمحازبين والمؤيدين والمستفيدين من الالتحاق به كونه في قلب السلطة.

وفي عودة إلى الصورة «الرسمية» لكرامي، والملتقطة في أواخر الخمسينيات – أوائل الستينيات، يبدو من خلالها أن شكل الرجل قد تغيّر بين بداية الستينيات ومنصف السبعينيات، لكن ليس بشكل كبير، إلا أن التغيّر الكبير في الشكل بدأ يحدث فعلاً مع بداية  الحرب الأهلية وصولاً الى لحظة استشهاده. فلقد بدت عليه أمارات التعب والإحباط و الخيبات والقلق على البلد وأهله. ظهرت هذه الأمور بشكل واضح جداً وسريع جداً خلال فترة ناهزت الاثنتي عشرة سنة انتهت مع الاستشهاد الكبير في الأول من حزيران 1987 في تلك المروحية المشؤومة خلال رحلته على متنها من طرابلس باتجاه بيروت.

اليوم، بعد 31 سنة على رحيله، وبعد 98 سنة على ولادته، ما زال رشيد كرامي يبدو شاباً في وجدان أهل مدينته ومحبيه والذين آمنوا بوطنيته وإخلاصه ونظافة كفه وأخلاقه. وما زالت صورته «الرسمية – الشعبية»، صورة الرجل الحزين والخجول، والتي لم يعمِّم غيرها طوال حياته السياسية،  ساكنة عميقاً في ذاكرة الشعب. ما زالت تبدو، في لاوعي جيل الستينيات والسبعينيات،   معلقة على تلك الحبال المزركشة في داخل المدينة القديمة وحولها تُضاء المصابيح.

لكن الاسئلة تبقى:

لماذا أصرّ كرامي ان يكتفي بتلك الصورة الحزينة والخجولة، لماذا لم يستبدلها «رسمياً» بالصورة الأخرى التي التقطت له من قبل أنطوان دقوني في العام 1958، ويبدو فيها حالماً جداً ومتفائلاً جداً وحيوياً، ومبتسماً تلك الابتسامة التي حافظت على خجلها حتى يوم مقتله قبل 31 عاما.

Loading...