طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

محطات في حياة المحامي محمود طبو …. من فتى مزارع إلى نائب عن الأمة

النائب السابق محمود طبو

«محطات في حياتي» مساحة تفردها «التمدن» لمن كان لهم دورهم في الحياة الشخصية أو العامة ليرووا أبرز ما يزال عالقاً في ذاكرتهم من محطات أثرت على مسيرتهم منذ الطفولة حتى اليوم.

محمود طبو، المناوي، المحامي، المناضل، النائب، وقد بلغ من العمر المرحلة الجميلة، يجاور اليوم شاطىء البحر، مستعيداً ذكريات أيام لا تُنسى فيقول:

في العام السابع من العمر تعلم القرآن

«عندما كنت في السابعة من عمري دخلت عند أحد قراء القرآن الكريم الشيخ محمد علي الرفاعي لأتعلم قراءة القرآن حيث مكثت عدة أشهر.

فمدرسة «البلاط» لمدة سنة

بعدها إفتُتحت «مدرسة البلاط الحديثة» فالتحقت بها وتعلمت لمدة أقل من سنة،.

ثم تركت المدرسة والتعليم إلى الزراعة ورعاية الأبقار

بعدها تركت المدرسة بناء لرغبة أبي وذهبت أعمل في بساتين والدي، كما صرت اعتني بالأبقار وأسهر على إطعامها ورعايتها ورعيها، في أحياء المنية وجوارها، وكانت هذه المناطق موحلة وخاصة «ضهر العين» ونوع وحلها حديدي، أي هناك صعوبة كبيرة في إزالته عن القدمين لا بل مستحيلة،

وقد كنت أفعل ذلك يومياً في المساء عند عودتي إلى المنزل حيث كنت استعين بحجر «الكرنيش» الخشن لأحِفَ قدمي من ذلك الوحل الحديدي.

وأحياناً – بل أكثر الأحيان – كان يسيل منها الدم ويبقى الوحل عالقاً عليها، وأذكر أسماء قطع الأرض التي كنت أرعى فيها الأبقار، ومنها: المروج، الست طيون، البحرية، الهبول، البيطار…

شاباً

الى أن جاء المرحوم راتب الذوق ورآني أعمل في البستان وسأل والدي…؟

بقيت على هذه الحال لعدة سنوات، وفي إحدى المرات كنت في بستان «بحنين» خاصتنا وكان المرحوم راتب الذوق (مدير «بنك مصر» في حينه) والمربي الكبير (صاحب الأفضال الكبيرة عليَّ والذي أثرَّ في مسيرة حياتي) الأستاذ نورالدين النعنعي (شريكان لوالدي)، وكانت موجودة معهما الآنسة ندى راتب الذوق.

– وقد سأل الأستاذ راتب والدي: محمود في أية مدرسة؟

– فأجابه: ليس في المدرسة.

– سأله لماذا ليس في المدرسة لأن إخوته ضيعوا مستقبلهم بتسربهم

– فقال له: بعد ان أدخلت اخوته في المدرسة ولكنهم كانوا يتسربون منها وقد أضاعوا مستقبلهم، مما أصابني باليأس من المدارس والتعلم ومنهم ومن العلم

ومحمود «صحته على قده» وهو أصغر أخوته ما الذي سيطلع من هذا الولد «الفركوح»؟

وتدخل الأستاذ النعنعي

تدخل الأستاذ النعنعي طالباً من والدي إرسالي إلى «كلية التربية والتعليم الإسلامية» حيث كان هذا المربي الكبير مديراً للدروس في الكلية، جرى هذا الحديث في أواخر شهر ايلول، ولا يسعني إلاّ ان أتذكر المرحوم نورالدين النعنعي على العناية التي أحاطني بها، فأفضاله لا تُعد ولا تُحصى ولا تُنسى أيضاً، وكنت أنظر إليه وهو يسير على الأرض بكل هدوء وكأنه يعتذر منها لأنه يزعجها بالدوس عليها.

كنت يومها في الرابعة عشرة من العمر.

كنت أعدّ الأيام والساعات إلى ان جاء يوم 6 تشرين الأول موعد ذهابي إلى المدرسة، عند السادسة صباحاً أيقظت والدي من نومه وطلبت ان يصحبني إلى الكلية في طرابلس.

وقال لي والدي: ماذا سيفعل لك العلم!

ونحن في الطريق قال لي:

«ماذا سيفعل لك العلم، غداً أزرع لك هذه الأرض أفضل من كل ذلك، لكنني أصريت على الذهاب إلى المدرسة، وهكذا صار، ولكن والدي لما عرف أنني انطلقت بالعلم بدأ يشجعني ويلبي كل طلباتي ويؤمن كل حاجاتي بأسرع من البرق (رحمه الله وأسكنه فسيح جناته).

* عمري 14 سنة واليوم هو اليوم الأول لي في المدرسة (الكلية)

مازلت اذكر اليوم الأول في المدرسة (الكلية) حيث أدخلني الأستاذ النعنعي أحد الصفوف (الروضة).

كان الطلاب أطفالاً لا يتجاوز عمرهم السنة الرابعة، جلست في المقعد الأخير وكنت أنزل إلى الأسفل كي أبدو صغيراً إلاّ ان رأسي كان بحجم ثلاثة أو اربعة رؤوس ممن حولي.

وكان دوام التدريس قبل وبعد الظهر، في الساعة الأخيرة قررت عدم العودة إلى المدرسة بسبب فارق السن مع رفاق الصف ولأني لم أفهم شيئاً.

ولكن وقبيل نهاية الدوام اصطحبني أحد الأساتذة إلى غرفة الأستاذ النعنعي حيث كان عنده عدد من الأساتذة وقال لي:

– الأستاذ نورالدين الخطيب (فلسطيني مقدسي) سوف يعلمك اللغة العربية،

– والأستاذ أديب الخطيب (فلسطيني) سوف يعلمك اللغة الانجليزية،

– والأستاذ كامل الذوق سوف يعلمك الحساب.

وعليك ان تأتي باكراً إلى المدرسة، الساعة السابعة صباحاً، أي قبل الدوام العادي ليعلمك أحد هؤلاء الأساتذة،

كما سيتولى أستاذ آخر تعليمك بين الثانية عشرة والواحدة ظهراً (وقت الاستراحة)،

ومن الواحدة إلى الثانية سيعلمك أستاذ آخر،

ومن الرابعة عصراً إلى الخامسة سيعلمك أستاذ أخر أيضاً،

وبعد 15 يوماً من الروضة إلى التمهيدي

عندها غيرت رأيي وقررت متابعة دراستي، وبعد 15 يوماً نُقلت من صف الروضة إلى الصف التمهيدي.

كنت أدرس في البيت على ضوء «سراج الكاز» .

وبعد شهر نُقلت إلى الصف الأول وفي سنة صرت في الصف الرابع

وبعد مرور شهر نُقلت من التمهيدي إلى الصف الأول وشعرت بالتحسن نسبياً، وكنت أدرس بشغف.

وقد وصلت في السنة الأولى إلى الصف الرابع.

ونجحت بـ «السرتفيكا»

وخلال العطلة الصيفية درست منهاج الصف الخامس،

ثم نجحت بشهادة «السرتفيكا»، وكنت أدرس على مدار السنة، فاختصرت السنوات إلى ان أنهيت مرحلتي التكميلي والثانوي.

الى دراسة المحاماة

بعدها رغبت بدراسة المحاماة دون ان أعرف ما هي ولكن دافعي كان ما كنت أسمعه من الوالد عن مشاكل شقيقي الأكبر (كانت مشاكله كثيرة) حيث كان يردد أمام أمي: سأل المحامي… أجاب المحامي… راح عند المحامي… من هنا كانت رغبتي بالمحاماة.

مع نقولا شاوي وجورج حاوي عند الرئيس فرنجية

في «حركة القوميين العرب»

وعندما كنت في الخامسة عشرة من العمر إنتسبت إلى «حركة القوميين العرب»، وكنت منشغلاً بالدراسة والعمل السياسي معاً، كنا نقوم بالتظاهرات والاعتصامات والمهرجانات والاحتجاجات وإلقاء الخطابات.

وصرت أطبع وأوزع بيانات الحركة

في تلك الفترة كان «حلف بغداد» و«مشروع أيزنهاور»، وبسبب نشاطي السياسي البارز حصلت على آلة طباعة «ستانلس ستيل» من «حركة القوميين العرب»، وكنت أطبع البيانات، وأقوم أحياناً بلصقها على الجدران ليلاً في بيروت وسواها.

في احد المهرجانات

لاحقني الأمن العام وهربت

وفي إحدى المرات، بعد الثانية ليلاً، كنت ألصق منشورات على الجدران في بيروت، فوجئت بالأمن العام يطاردني، هربت هائماً على وجهي وأنا الذي لا يعرف أحياء وشوارع العاصمة، وهم يركضون خلفي.

ودخلت «سوسول» فرأيت الرئيس اليافي

فوجدت «سوسول» مفتوحاً فدخلته حيث رأيت عدداً من الأشخاص يتجمهرون،

قال لي الحارس: اذهب إلى عبدالله بيك،

ذهبت،

فرأيت شخصاً ليس غريباً عليّ، فعرفت انه عبدالله اليافي (رئيس الحكومة ووزير الداخلية)،

وسألني

– سألني ما الأمر؟

– قلت له كنت أوزع نعوات فركض خلفي عناصر الأمن العام،

– سألني: أنت من أين؟

– قلت: من طرابلس،

– قال: «جاي من طرابلس توزع نعوات في بيروت، أنت توزع منشورات».

– قلت له: لا أعرف، لقد أعطوني خمس ليرات وطلبوا مني توزيع  نعوات في بيروت ولست أدري إن كانت منشورات، وأنا لا أعرف القراءة.

وعندما أراد المغادرة سألني عن وجهتي، فقلت له إلى ساحة البرج.

وأقلني بسيارته، فوجدنا أربعة عناصر من الأمن العام بانتظاري عند الباب، ولكن لم يسألوني شيئاً، وأوصلني الرئيس بسيارته إلى الساحة لأستقل الحافلة إلى طرابلس، وقد عرفت بعدها ان الرئيس كان في «موقع السوسول» يقوم بإعداد «العدد التجريبي» لجريدته «السياسة».

موقف الرئيس اليافي ترك أثراً كبيراً في نفسي وجعلني أكن له كل احترام، ومع السنين صارت علاقة الإحترام والود تنسحب على إبنه عارف وزوجته الفاضلة جومانة نويري، وقد ربطتنا بهما صداقة عائلية ماتزال قائمة حتى اليوم.

وإعتقلني «المكتب الثاني» عدة مرات

خلال نشاطي السياسي إستطعت رفد «حركة القوميين العرب» بعشرات الشباب الطرابلسيين،

كما تعرضت للاعتقال على يد «المكتب الثاني» عدة مرات، ولكن لأيام معدودات،

ولذلك تربيت على كره كبير للمكتب الثاني،

وقد لعب الأمر لدي دوراً في انتخاب الرئيس سليمان فرنجية رئيساً للبنان.

إلى مصر لدراسة الحقوق

نعود إلى الدراسة، فبعد النجاح بالشهادة الثانوية سافرت إلى مصر لدراسة الحقوق،

وهناك بذلت نشاطاً سياسياً مميزاً وكثيفاً مع الطلاب من مختلف الدول العربية، وكنت أقوم بتجميع «ملازم» (الكراسات) الدروس دون فتحها بسبب إنشغالي بالعمل السياسي، وقبل حوالي شهرين أقوم بالدراسة إستعداداً لامتحانات نهاية السنة، ما أثار تعليقات زملائي الطلاب.

لقد ترك جيلنا بصمات ذهبية وهامة خلافاً لما نراه اليوم في الوطن العربي.

طلب أهلي ترشحي لإنتخابات1964

عندما كنت في السنة الجامعية الرابعة في «كلية الحقوق» في القاهرة (1964) ترشحت للانتخابات النيابية في لبنان، إذ طلب مني أهلي المجيء إلى لبنان، عندما وصلت إلى مطار بيروت رأيت من يرفعون صوري مكتوباً عليها المحامي محمود طبو (كنت طالباً في ذلك الوقت).

ونلت 4000 صوت ولم أفز

خضت الانتخابات وقد نلت 4001 صوتاً، لم أفز، وعدت مباشرة إلى مصر حيث تقدمت لامتحانات نهاية السنة الدراسية.

كنت أذاكر الدروس أنا والطالب الأخ والصديق العزيز يحيى عبدالمجيد الذي كان يطلب مني أو ينصحني دراسة هذا الدرس أو ذاك باستثناء مقدمة طلب مني عدم التركيز عليها، ولكنني فعلت العكس، وكانت المفاجأة ان السؤال الالزامي كان عن تلك المقدمة التي درستها جيداً، وقد إكتشفت ان يحيى لم يستطع ان يجيب على السؤال الالزامي بشيء فخسر 5 علامات من أصل 20 ولكنه نال على الأسئلة الثلاثة  15 على 20 في حين أنا الذي أجبت على الأسئلة الأربعة نلت 11 على 20، وهكذا نجحت وأنهيت دراستي الجامعية في مصر وعدت إلى لبنان.

في «اليسوعية» فالمحاماة

في لبنان درست مدة سنة في الجامعة اليسوعية، وبعدها مارست المحاماة إلى جانب العمل السياسي،

مؤسسو «الحركة»

وقد كان شعار «حركة القوميين العرب»: «وحدة، تحرر، ثأر»، ومؤسسوها كانوا طلاباً في «الجامعة الأميركية – بيروت» على رأسهم: جورج حبش، هاني الهندي، جاسم قطامة، أحمد الخطيب (من الكويت).

ومن الطبيعي ان تكون القضية الفلسطينية هي الأساس وهي العمود الفقري للحركة.

وحتى الساعة (التي نحن فيها الآن وإلى الأبد) مازلت مؤمناً ان عند العرب قضية واحدة هي القضية الفلسطينية، وكل ما حصل ويحصل في المنطقة هو من تداعيات هذه القضية.

علاقة وثيقة مع فرنجية وكرامي وكمال جنبلاط

كنت إلى:

جانب «الثورة الفلسطينية»،

وفي صفوف الحركة الوطنية اللبنانية،

وكانت علاقاتي وثيقة بآل فرنجية وآل كرامي والشهيد الخالد المعلم الكبير كمال جنبلاط الذي شاركته عن قرب الكثير من النشاطات والأفعال وأعتقد أنه خُلق ليكون عاموداً للقضية الفلسطينية وقد إستُشهد بسبب إنتمائه لهذه القضية.

وقال كمال جنبلاط ما يهمني هو القضية الفلسطينية

ومرة كنت في طريقي من باريس إلى القاهرة فالكويت، وعلمت ان كمال جنبلاط في القاهرة قاصداً باريس لإلقاء محاضرة هناك فذهبت لزيارته في «فندق هيلتون» على النيل، ولما دخلت جناحه سمعت صوته عالياً وهو يستشيط غضباً وكان كلامه موجهاً إلى سفير الجزائر في مصر بحضور مدير عام رئاسة الجمهورية وعدد من رفاق جنبلاط في «الحركة الوطنية»، ولا زلت أذكر عندما قال للسفير الجزائري:

«تحدثني عن الصحراء الغربية، ماذا تعني لي إن كانت للجزائر أو المغرب، وأينما ذهبت تبقى بيد العرب، ما يهمني في كل الأمة العربية هو القضية الفلسطينية فهي قدس الأقداس».

1976 رشحني جنبلاط لوزارة الدفاع أو الداخلية واعتبرتُ أن الأمر مزحة

في العام 1976 طرح جنبلاط إسمي لأكون وزيراً، وكان إسم الرئيس كميل شمعون مطروحاً ليكون وزيراً أيضاً، وقد طرح جنبلاط والحركة الوطنية ان

أكون وزيراً للدفاع إذا كان شمعون وزيراً للداخلية وبالعكس.

يومها إعتبرت الأمر مزحة وان من طرحوا أسمي ليست لديهم رغبة بتسهيل تشكيل الحكومة، لكن الأمر أصبح حقيقة،

إلى أن تغير تعامل الرئيس فرنجية معي

وأيقنت ذلك عندما تغير تعاطي الرئيس فرنجية معي وهو الذي كانت تربطني به علاقة وثيقة، وكان قد طرح، عندما تسلم رئاسة الجمهورية (1970)، أسمي لقيادة قوى الأمن الداخلي، إلاّ ان رئيس الحكومة صائب سلام شدد على تعيين هشام الشعار في هذا المنصب، ويومها وعدني بأن مقعدي الوزاري سيكون محفوظاً، لكنني قلت له ان الأمر لا يهمني بتاتاً».

طبو… مبّو… شو ربو؟

في الحج

وفي ذلك الحين جرت قصة تُروى إذ دخل صائب سلام على الرئيس الأسد ومعه نجله الأخ والصديق تمام والمفتي الشيخ حسن خالد رحمه الله والدكتور حسين القوتلي أمين سر دار الفتوى وقد خاطب الأسد قائلاً:

شو قصة «طبو مبو شو ربو؟»، فاستغرب الأسد ان يركز صائب بك على اسم محمود طبو ودار بينهما الحوار المشار إليه في «مجلة الحوادث»، وخلاصة الموضوع،  كما هو وارد في الوثيقة الأساسية، ان طبو يريد ان يكون وزيراً. ولكن الأسد أجابه أنه تم ترشيحه من «الحركة الوطنية» وكمال جنبلاط وكتلته النيابية، فرد صائب بك ولكن هذا شيوعي، فرد الأسد ليس شيوعياً، وهنا تدخل المفتي خالد سائلاً: هل تعرفه شخصياً؟

فأجاب الأسد: أعرفه جيداً هو ليس شيوعياً هو مستقل وهو صديقنا وليس محسوباً علينا و….. لا مانع عندنا بتوزيره.

وهنا قال صائب بك رحمه الله: ولكنه فلاح،

فأجابه الأسد: صائب بك أنا رئيس جمهورية سوريا وأنا فخور انني فلاح ابن فلاح.

وكُلِّف الرئيس رشيد كرامي

وفي ذلك الوقت كُلِف رشيد كرامي برئاسة الحكومة،

وبالرغم من انه كان ضدي، إلاّ انني كنت معه في المواقف الوطنية لأنني أدرك ان بيت كرامي وطني وعروبي بامتياز.

كنت أعرف انه لا يتحمل شخصيتي في الحكومة،.

وأعلن انه لا يريد تشكيل حكومة «لأنه مرهق».

وإجتمعنا في منزل أمين عسيران بحضور كمال جنبلاط وأبو عمار و«الحركة الوطنية»

ولكن وفداً من «الحركة الوطنية» أصر عليه ان محمود طبو مرشحها للحكومة،

كنا مجتمعين في منزل أمين عسيران بحضور أبي عمار وقيادات «الحركة الوطنية»،

يوقع على العلم

وجاء وفد سوري: خدام، الشهابي وجميل

يومها جاء إلى لبنان وفد سوري ضم:

– نائب الرئيس عبدالحليم خدام،

– وحكمت الشهابي،

– وناجي جميل،

للمساعدة في استصدار مراسيم تشكيل الحكومة والتقوا الرئيس رشيد كرامي، وبعدها قدموا إلى منزل عسيران برفقة كرامي الذي صافحني قائلاً:

مبروك معالي الوزير،

فقلت له لست أنت دولة الرئيس

ولا أنا معالي الوزير!

وغادر الوفد للقاء الرئيس فرنجية

بعد ان انتهى الاجتماع ذهب الوفد السوري وكرامي إلى القصر الجمهوري، فوجدوا الرئيس فرنجية يستشيط غضباً لأن قائد الجيش (العماد نجيم) كان قد طلب منه الاستقالة من منصبه، ولكنه إنتفض بوجهه.

فرنجية أبلغ الوفد السوري انه ليس بصدد إصدار مراسيم تأليف الحكومة، فعاد إلينا كرامي وخدام والشهابي، بينما ذهب ناجي جميل إلى مقر وزارة الدفاع.

وسألني كرامي لماذا قلت: «لا أنا وزير ولا أنت رئيس وزراء؟»

عندها سألني كرامي عن سبب ما قلته له:

«لا أنت دولة رئيس ولا أنا معالي الوزير»،

فقلت له

فقلت له ان انقلاباً سيحدث، فسألني من سيقوم بالانقلاب، قلت له: جول بستاني، وأبوعمار،

فقال لي: صحيح؟

وقال ناجي جميل لخدام «عجل هناك إنقلاب»

عندها روى لي ما حصل في القصر الجمهوري وان ناجي جميل ذهب إلى وزارة الدفاع ليعرف ما هي «القصة».

وبينما كان خدام يشرح ما حصل عند فرنجية دخل ناجي جميل صارخاً:

أبو جمال عجل إلحق المطار هناك إنقلاب واقع،

وغادر الوفد السوري وأعلن اللواء الأحدب الإنقلاب

غادر الوفد السوري بيروت،

وعند التاسعة ليلاً كان اللواء عزيز الأحدب يعلن الانقلاب ويطلب من فرنجية الاستقالة،

وهكذا أفشل الأحدب «انقلاب بستاني»، فتطورت الأمور حيث تعرض القصر الجمهوري للقصف ما دفع الرئيس فرنجية إلى مغادرته والانتقال إلى «الكفور» والذي قصف القصر الجمهوري الضابط أحمد بوتاري.

ومنذ ذلك التاريخ إشتعلت الحرب التي ما تزال نارها تحت الرماد إلى اليوم.

في 1992 إنتخبت نائباً

في العام 1992 فزت بالانتخابات النيابية، ذهبت إلى أول جلسة، كما أنا محمود طبو، وكنت، كما في الجلسات اللاحقة، أرتجل كلماتي،

كنت قد خضت الانتخابات في لائحة ضمت الرئيس عمر كرامي والوزير سليمان طوني فرنجية،

أول كلمة في المجلس: صحة المسار تحدد مواقفي

وقلت في كلمتي الأولى انني في كتلة نيابية، ولكن بسبب عدم وجود أحزاب فإن دوري سيكون في المجلس النيابي استنسابياً، عندما أرى الأمور تسير في المسار الصحيح لأمر معين أكون موالياً، وإذا لم يكن الأمر كذلك أكون معارضاً، أي بما يتآلف مع تطلعاتي وضميري وتفكيري، لست موالياً أو معارضاً بالمطلق.

رئيساً لـ«لجنة الإقتصاد والنفط»

كنت رئيساً لـ «لجنة الاقتصاد والتجارة والصناعة والنفط» النيابية، وكان يعاد انتخابي بالاجماع سنوياً رئيساً للجنة،

وقد أعددت دراسات موثقة في قطاع النفط في عهد الوزير «شاهي بارصوميان».

* فوجدت ان بين 500 و600 مليون دولار منهوبة؟!

ووجدت بالأرقام ان ما بين 500 و600 مليون دولار منهوبة سنوياً من أموال الشعب اللبناني،

وكنت أضخ المعلومات في وسائل الإعلام وفي كل المناسبات،

ولكن لم يناقشني في هذا الأمر أي وزير أو مسؤول حتى وصلت إلى مخاطبة المواطنين بلغة بسيطة عبر الإعلام عن ما يتعرضون له من سرقة وبشكل ملموس (وزن قارورة الغاز 10 كليلو بثمن 12 ألف ل.ل. في حين لا يوجد فيها أكثر من 7 كيلو وهذا جيد لأنها إذا كانت ملآنة بالغاز قد تنفجر لأنها غير صالحة للاستعمال).

وفي لقاء مع الرئيس الهراوي

وفي إحدى المناسبات ذهبت إلى القصر الجمهوري لمقابلة الرئيس الياس الهراوي حيث كان يقف خلف الطاولة، وقبل ان أصل إليه صرخ بأعلى صوته:

– «شو باك حامل النفط على أكتافك وراكض فيه»،

– توقفت مكاني وقلت له: «ليس على أكتافي نفط ولو كان موجوداً لأتسخت لأنه يوسخ وأنا نظيف».

تقدمت إليه ولم أصافحه فسألني…؟

– طلب مني التقدم إليه فوصلت إليه ولم أصافحه،

– سألني عن «قصة النفط».

– فقلت له: أنا ئائب عن الشعب اللبناني وليس عن منطقتي وحدها،

–  قال: أعرف،

– قلت: أعيد انتخابي للسنة الثالثة رئيساً للجنة النيابية،

– فقال: أعرف أيضاً.

فأجبته

– قلت له أنني وجدت في الدراسة التي أخذتها من وزارة النفط ان مبلغاً بين 500 و600 مليون دولار سنوياً تتم سرقتها، لقد حان الوقت ان يشبع هؤلاء الخمسة أو ستة أشخاص.

– سألني: من هؤلاء الأشخاص؟

– فقلت له: عندي الجرأة الأدبية ان اسميهم، ولكن أخشى إن سميتهم ثم فُتح تحقيق بالأمر، أن يتبين بعدها ان العدد أكبر، عندها سوف يعتقد الرأي العام أنني سميت أشخاصاً وتسترت على غيرهم.

إفتح تحقيقاً وأنا سأدلي خلاله، بالطبع، بشهادتي وأذكر الأسماء، ثم يستكمل التحقيق وتتبين الأسماء.

– قال: سميهم لي شخصياً،

أولهم إبنك رولان

– فقلت له أقول لك اسم واحد منهم، فقال لي من هو؟

– قلت له: أولهم إبنك رولان.

– أجابني: أنتم اللبنانيون ألا تحمدون الله أننا لا نتاجر بالأبيض (المخدرات) تبسمت، فسألني عن السبب؟

– فقلت له جاءت على بالي قصة.

– سألني ما هي؟

– قلت له لا أستطيع روايتها.

– فقال: لماذا؟

– قلت: أنت تصرخ منذ دخلت وأنا أكن لك كل محبة واحترام،

وإذا حكيت لك القصة سوف تزعل مني كثيراً جداً،

فطلب مني الجلوس،

– فقلت له: قد تزعل.

– قال: «بِشَرَفي لن أزعل وصافي يا لبن».

– قلت له: لقد درست في مصر، في السنة الأولى كنت أجلس على مدرج يضم أكثر من ثلاثة آلاف طالب، وكلما سألت أحدهم من أين، يقول من «حي شبرا» بالقاهرة.

في يوم عطلة ذهبت لزيارة هذا الحي.

ودخلت ولم أعد أعرف كيف أخرج من حي كل أبنيته قديمة، بيوته منخفضة الأسطح، ومكتظة بالسكان مثل علب السردين.

الفصل صيف ورائحة الناس منتشرة في كل مكان،

الشوارع ضيقة،

إحترت إلى أين أذهب،

نظرت فرأيت إمرأة جالسة على بلكون وتجلس قبالتها على بلكون مقابل إمرأة ثانية، تشتمان بعضهما بكلمات نابية… تقول الأولى: أنت كذا.

فتجيب الثانية أنت كذا وأكثر.

والشارع لا يزيد عرضه عن ثلاثة أمتار.

فخامة الرئيس

أشكر الله أنكم لا تتاجرون بالأبيض…

– فقال لي صارخاً: ما هذه ماؤكم؟

– قلت له انها قاسية جداً… لأن النساء عندنا يجلبون الماء بالجرار،

الأموال التي تتم سرقتها نحن بحاجة إليها لجر المياه لتتحول مناطقنا إلى جنة،

هكذا في كل مناطق لبنان..

يكفي…؟

الهراوي: محمود… هذا لبنان!

فقال لي: محمود… «إنت جايي تُقَوِّم المقتاية»، هذا هو لبنان.

– فقلت له: أهنئك بلبنانك.

مذكراتي هذه…؟

المزارع… المواطن، المناضل، المحامي، النائب محمود طبو ختم هذا اللقاء مع «التمدن» بالقول:

«مذكراتي إذا كتبتها تزيد عن ستة آلاف صفحة،

لا أحد يقرأ،

لذلك أكتب الآن محطات في مسيرة مشوار العمر».

«التمدن»: إلى اللقاء مع محطات من  حياة هذا الإنسان الصامد… الصامد… الصامد…

Loading...