طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

عندما أتى «الموساد» إلى طرابلس لاغتيال سعيد السبع

سعيد السبع في الجيش العربي الأردني

سعيد نمر السبع (أبو باسل) ضابط وسياسي فلسطيني، ولد في فلسطين في 27/11/1926، شارك في حرب 1948، وكان قائداً لـ «جيش الجهاد المقدس» في منطقة قلقيلية، التحق بالجيش الأردني وكان من ضمن المجموعة الأولى التي قامت بتعريب هذا الجيش وطرد «غلوب باشا»،

بعد اتهامه بالمشاركة في انقلاب «حزب البعث» عام 1957، لجأ إلى سوريا ثم إلى مصر بعد الانفصال، كان أحد مؤسسي «منظمة التحرير الفلسطينية»، ساهم مع أحمد الشقيري وشفيق الحوت بصياغة اللاءات الثلاث في «مؤتمر الخرطوم»، تعرض لعدة محاولات اغتيال كان يقف خلفها الموساد الإسرائيلي، والدته عمة القائد الفلسطيني الشهيد أبو علي إياد، تزوج من نجوى محمد بك العمر المرعبي في دمشق، وانتهى به المطاف في مدينة طرابلس حيث عاش فيها ردحاً من الزمن، وفيها أفشل محاولة لاغتياله على يد الموساد الإسرائيلي، كما نجح في بناء علاقة وثيقة بين الثورة الفلسطينية ومدينة طرابلس.

عن بعض تجارب سعيد السبع وحكاية مجموعة الموساد تحدث إلى «التمدن» إبنه نضال (محلل سياسي) فاوضح «أن والده انتقل إلى لبنان مطلع عام 1969 في محاولة لتنظيم العمل الفدائي إنطلاقاً من لبنان إلاّ انه اصطدم بواقع الفلسطينيين داخل المخيمات، عدا عن تدخل «المكتب الثاني» في شؤونهم الخاصة».

أضاف: «في 28 آب 1969 وقع صدام داخل مخيم نهر البارد بين فلسطينيين وعناصر الدرك على خلفية بناء مكتب لحركة فتح تطور إلى انتفاضة فلسطينية، وبعدها حدثت عدة إشكالات وصدامات مع السلطة اللبنانية ما دفع أبو علي إياد لاتخاذ قرار بتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق في شمال لبنان، وقد تمت السيطرة على 76 مخفراً ، وقاد فاروق المقدم (كان ينتمي لحركة فتح) عملية عسكرية أدت للسيطرة على مخافر الضنية وعلى قلعة طرابلس الأثرية.

وفي النهاية تم الاتفاق على «اتفاق القاهرة» الذي يُنظم العلاقات بين الجانبين، وقعه ياسر عرفات واميل البستاني في 3/11/1969 تحت إشراف مصري».

السبع إلى يمين أحمد الشقيري وشفيق الحوت في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم

ويروي نضال «أن سعيد السبع كُلف بالإشراف على تطبيق «اتفاق القاهرة» في شمال لبنان، فأعاد الأسلحة والمخافر وقلعة طرابلس إلى السلطة اللبنانية، لكنه إصطدم مع فاروق المقدم الذي رفض الانسحاب من القلعة، وأسس «حركة 24 تشرين».

«إتفاق القاهرة» أتاح تنظيم العمل الفدائي، وبالتنسيق بين أبي باسل وابن خاله أبي علي إياد نفذ العديد من المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين عمليات عسكرية داخل فلسطين المحتلة، ومن أبرز تلك العمليات أسر الجندي الإسرائيلي صموئيل روزن فايزر، وكذلك «عملية المنارة» حيث نشبت معركة استمرت طوال الليل وتم أسر جندي إسرائيلي، ولكن أثناء الانسحاب دارت معركة أخرى إستُشهد فيها قائد المجموعة عمر موح (زيغود) ورفيقاه موسى الوحش ومحمد حليحل (الثلاثة من مخيم نهر البارد)».

وفي منتصف العام 1971 صدر قرار تعيين السبع مديراً عاماً لدائرة التنظيم الشعبي الفلسطيني نائباً لفاروق القدومي، وهذه الدائرة كانت من أهم دوائر «منظمة التحرير الفلسطينية»، فأعاد السبع تنظيم الانتخابات لاتحادات المعلمين والمرأة والعمال والمحامين والأطباء والصحافيين».

الموساد الإسرائيلي في طرابلس

حاول الموساد الإسرائيلي اغتيال سعيد السبع في طرابلس، حيث يُقيم، وفي التفاصيل، كما رواها نجله نضال ونُشرت في العديد من وسائل الإعلام، يقول:

«بعد «عملية ميونيخ» وضعت غولدا مائير (رئيسة وزراء إسرائيل وقتها) قائمة بأسماء عدد من قادة المقاومة الفلسطينية من بينهم سعيد السبع من أجل إغتيالهم، وكانت أبرز العمليات «عملية فردان« (بيروت)، حيث اغتيل القادة الثلاثة: كمال ناصر، كمال عدوان، أبو يوسف النجار في 10/4/1973. وكُلفت مجموعة من الموساد باغتيال السبع فأقامت حول منزله في «شارع الثقافة» بطرابلس، ومن أعضائها حجاي هداس الذي كان يحمل جواز سفر ألمانياً باسم أورلنخ لوسبرخ والذي سكن في شقة خطيبته جميلة معتوق المواجهة لشقة السبع، وقد أثارت تحركاته المريبة انتباه السبع الذي كلف عدداً من الفدائيين بمراقبته وتبين انه يتردد على محل «رينوار» للتصوير في «شارع عزمي»، وعند مراجعة صاحب المحل تبين ان لديه مغلف صور يحتوي كل أقسام منزل سعيد السبع إلتقطت بعدسة مكبرة تعود ملكيتها للسائح الاسكتلندي جيمس بول (اسمه الحقيقي تسفي زامير).

أدى هذا الكشف إلى إفشال عملية الاغتيال وهروب المجموعة المكونة من ثلاثة بريطانيين (رجلان وإمرأة يُعتقد انها سلفيا روفائيل) والذين كانوا يُقيمون في شقة القس الأميركي روبرت مالوي، اسمه الحقيقي مايك هراري وذلك فوق شقة جيمس بول على بعد 50 متراً من شقة السبع وشقة لوسبرخ».

ويتابع: «لم يبقَ سوى لوسبرخ الذي كلف ثلاثة لبنانيين لخطفه وحضّر بياناً يحمل إسم «منظمة ميونيخ 72» (منظمة وهمية) تعلن فيه تبني خطف لوسبرخ بهدف اتهام سعيد السبع بعملية الخطف وبالتالي الايقاع بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية في الشمال ومن أجل تجديد الاشتباكات التي وقعت بين الطرفين بعد «عملية فردان». إلاّ ان العملية فشلت والقي القبض على لوسبرخ في «حقل العزيمة – الضنية» على يد النقيب عصام أبو زكي والذي كتب عن تلك العملية في كتابه «لحظات في ذاكرة  وطن».

أورلخ لوسبرخ نائب رئيس جهاز الموساد

وجاء في «لحظات في ذاكرة وطن»:

«في 10 تموز عام 1973 كنت في إجازة شرعية في بيروت. رن هاتف منـزلي، كان الرئيس سليمان فرنجية على الخط حيث استوضحني عن عملية خطف سائح ألماني جرت في طرابلس. طلب مني فخامته إفادته بجميع الملابسات التي جرت وعن الجهة الخاطفة وكامل هوية المخطوف وأين يسكن.

بعد انتهاء المكالمة انتقلت بسرعة إلى طرابلس. بدأت بجمع المعلومات الأولية حول عملية الخطف، والتي جرت على الشكل التالي:

بوصولي إلى مكتبـي في السرايا، كان الخبر قد انتشر في المدينة. استقبلت عدداً كبيراً من المواطنين والمخبرين وكانوا يملكون معلومات متضاربة.

جنازة الشهيد الطرابلسي الأول في حركة «فتح» محمد الصيادي ويبدو السبع في الوسط، وإلى اليمين فاروق مقدم ومحمود طبو

ذهبت إلى «مقهى التوب» في «شارع عزمي» حيث خُطف الألماني. استجليت بعض المعلومات من الرواد الذين كانوا في المقهى أثناء عملية الخطف. قال لي بعضهم ان عملية الخطف تمت عندما كان السائح الألماني داخل المقهى في الساعة الثانية إلا عشر دقائق من منتصف الليل، ونُقل في سيارة مرسيدس زجاجها مموه من الخلف. نزل منها شاب يرتدي جلابية زيتية اللون ويعتمر كوفية بيضاء، ثم اتجه نحو السائح الألماني شاهراً مسدسه ودافعاً به إلى داخل السيارة. وبينما كان الألماني يوضع في السيارة أطلق الخاطف ثلاث طلقات نارية في الهواء من مسدسه إرهاباً.

علمت الفرقة 18 بالعملية من أحد رواد المقهى. أقيمت الحواجز والدوريات الأمنية بحثاً عن المخطوف.

تابعت التحقيق وتوسعت فيه وقلت انه يجب عليّ أن أقوم بمداهمة وتفتيش كل الأماكن التي يتواجد فيها الأجانب الموجودون في المدينة. داهمنا العديد من المراكز والمقاهي وداهمت على رأس دورية عسكرية «فندق المنتـزه» في «شارع عزمي» حيث نزل معظم الأجانب. وجدت ان المخطوف سجل اسمه في الفندق في اليوم ذاته ووضع أمتعة بسيطة في غرفته (عدة حلاقة وغير ذلك) لكنه لم يعد إليه.

وعلمت من بعض الناس ان الألماني الذي يُدعى اورلخ لوسبرخ، خطب جميلة معتوق التي تُعرف بـ «جيجي» معتوق، استدعيت الأخيرة إلى التحقيق وسألتها عن عملية الخطف. قالت انها علمت بالخبر مني فقط.

وكان عبدالعزيز محمد الهدى الملقب (الغزاوي) آخر من شاهد الألماني، وهو يغادر بيت جميلة. وقد تمكن أحمد رسلاني العامل في بلدية طرابلس من العثور على سكرتير الألماني عبدالعزيز الغزاوي بعدما شاهده في صالة «سينما المتروبول». فألقى القبض عليه وسلمه للتحقيق وسألته عن لوسبرخ. أنكر الغزاوي في بادىء الأمر أي علم له بعملية الخطف، لكني أدركت من إجاباته وقسمات وجهه انه يعلم بالحادث، لكنه يكذب. ركزت مساء ذلك اليوم على استجواب الأخير، بعدما علمت انه يعمل سكرتيراً عند الألماني.

أخضعته لاستجواب موسع وبعد فترة قليلة على التحقيق إنهار الغزاوي واعترف ان عملية الخطف تمت بمعرفته وان الألماني انتقل إلى «حقل العزيمة» في سير الضنية وهو مسلح.

روى الغزاوي تفاصيل علاقته به، قال انه تعرّف عليه في المقهى وانه من الأثرياء ومن كبار أبطال الكاراتيه الدوليين وانه اشترك في القتال في بنغلادش وطلب منه أن يعمل سكرتيراً عنده بمرتب شهري مقداره 500 ليرة لبنانية. وذكر ان لوسبرخ كان ينفق المال بسخاء، وقد بدأ يرتاب من تصرفاته.

وقال الغزاوي ان الألماني تعرف على جميلة معتوق المعروفة بـ «جيجي» بعدما عرف ان منـزلها يواجه شقة مدير عام دائرة التنظيم الشعبـي في «منظمة التحرير الفلسطينية» سعيد السبع «أبو باسل» وقد خطبها لكي يتمكن من السكن عندها، وانه كان يُكثر من الأسئلة ويستوضحه القضايا المتعلقة بالفدائيين، وكان يسأله عن أقرب جزيرة إلى طرابلس وأسماء بقية الجزر القريبة منها.

واعترف الغزاوي بأن لوسبرخ وضع خطة لخطف القنصل الألماني في طرابلس جول مسعد، وانهما قصدا منـزل الأخير الواقع في «شارع الجميزات» واستخدم شخصين آخرين وجهزوا السيارة لهذا الغرض لخطفه، لكنهم فشلوا، لأن زوجة القنصل لم تستجب لهم بفتح الباب عندما قصدهم أورلخ وعصابته، كان الهدف الأساسي من خطف القنصل أو قتله إيهام الدولة اللبنانية ان الفدائيين من قاموا بهذا العمل وذلك رداً على موقف الحكومة الألمانية السلبـي من الخاطفين الفلسطينيين في ميونخ.

كما روى انه اصطحب اورلخ وخطيبته إلى القصر الجمهوري في بعبدا مرتين وحاما حول القصر ومقر الرئيس الصيفي في إهدن إضافة إلى تردده إلى محيط قصر المختارة ومحاولة التقاط الصور لمقر إقامة كمال جنبلاط برفقة خطيبته جميلة معتوق.

وفي شأن حادثة الخطف في «شارع عزمي» قال الغزاوي ان لوسبرخ وضع الخطة من دون أن يفهم هو ورفاقه الأسباب. وانه وعدهم بمبلغ 50 ألف ليرة بعد تنفيذ العملية وأوهمهم انه ينتظر مبلغ 50 ألف ليرة من السفارة الألمانية، وان علي أحمد ديب وهو صاحب مطعم «كويك ساندويش» في طرابلس استأجر لهم سيارة خصوصية، ماركة مرسيدس 190 رقمها 157138 من مالكها زهير زكي هندي زكريا، وانه نفذ عملية خطف لوسبرخ برفقة توفيق حسن الحسن وحميد بطرس فرح. وقال انهم لبسوا القمبازات وتقنعوا وأخذوا لوسبرخ من المقهى وانطلقوا به إلى المنـزل الذي استأجره في «حقل العزيمة» تعود ملكيته لميخائيل إبراهيم لإخفاء لوسبرخ فيه.

وتابع الغزاوي ان السيارة تعطلت بهم عند مفرق «بخعون»، فتركوها هناك وقصدوا المنـزل سيراً على الأقدام بين البساتين متجنبين الطريق العام. وكان لوسبرخ ممسكاً بحقيبته السوداء، وأفاد الغزاوي انه لا يعرف مكان الحقيبة أو ماذا يوجد بداخلها.

وعندما وصلا إلى المنـزل طلب منه لوسبرخ أن يعود إلى طرابلس ويتصل بخطيبته «جيجي» ويقول لها ان الرسالة وصلت من الكويت وان «جيجي» تعرف ماذا يقصد. وأضاف: «قل لها هذا وهي ترافقك إلى «بنك جمال» في بيروت وتسحب مبلغ 50 ألف ليرة من خزنتي الخاصة لأنها تحمل المفتاح فتعطي 10 آلاف لحميد فرح و10 آلاف لحسن توفيق الحسن والبقية تأخذها لك».

انتقلت إلى مكان الخاطف المخطوف. في الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم التالي برفقة عنصرين من الدرك من الفرقة 18، وأبى قاضي التحقيق الأول في الشمال مراد عازوري إلا أن يقدم لنا سيارته الخاصة ومرافقتنا إلى المكان. ما ان دخلنا إلى المنـزل المستأجر في «حقل العزيمة»، حتى تفاجأنا بوجود اثنين من حراس العميد المتقاعد الياس داوود. وقف الجاسوس وقفة «كاراتيه» فانتضيت مسدسي وقبضت عليه بعدما نزعت من يده المسدس.

فتشنا المنـزل وهو عبارة عن غرفة صغيرة فعثرنا فيها على مسدس 6 ملم ومسدس ضغط كبير من ممشطين ومسدس آخر من مسدسات الأولاد وآلة تصوير «زوم» وثياب وجلابيات كاكية وكوفيات بيضاء والحبال التي كان قد أوثق بها، ومنشورات حملت اسم «منظمة ميونخ 72».

وضعت في يديه الأصفاد وكبلته في الحبال ووضعته في صندوق السيارة وانتقلت به إلى مكتبـي في سرايا طرابلس، أوقفت عناصر أمنية على الباب لعدم دخول أي كان. لم تستغرق عملية القبض على الألماني المخطوف سوى 11 ساعة فقط.

اتصلت برئيس الجمهورية سليمان فرنجية الذي هنأني على نجاح العملية وطلب مني إفادته بالمعلومات أولاً بأول.

شرعت في التحقيق معه، رفض الكلام، ومن خلال نظرتي إليه وتأملي الكثير به تبين لي انه لا يريد الكلام. طلبت له مترجمين باللغتين الألمانية والانكليزية فرفض الكلام وظل على هذه الحال ثلاثة أيام متتالية.

عدت إلى استجواب جميلة معتوق التي أقرت بمعرفتها بعملية خطف خطيبها وان لوسبرخ أعطاها رسالة باللغتين الألمانية والانكليزية وطلب منها حملها في اليوم الثالث لخطفه إلى أحد المسؤولين في السفارة الألمانية في بيروت. وأفادت جميلة ان مضمون الرسالة يُفيد ان منظمة فدائية فلسطينية خطفت لوسبرخ وهو في حالة جيدة وان المنظمة تطلب من الحكومة الألمانية فدية قدرها 15 مليون ليرة لإطلاقه وفي حال الرفض ستعمد المنظمة إلى قتله. وقد أتلفت جميلة الرسالة بعد خطف لوسبرخ.

وفي اليوم الثالث كنت أحاول أن أدفع لوسبرخ للكلام لكنه كان يرفض، فجأة دخل علينا مدعي عام الشمال القاضي هاني المولى وبرفقته العقيد جورج أسمر قائد سرية الشمال، وكان الأخير منفعلاً ومستغرباً عدم توصلنا معه للكلام، كان الألماني يجلس على الكرسي ومكبلاً بالأصفاد، أمسكه أسمر برأسه وقال له بلغة انكليزية ركيكة: أنا ضابط وأنت ضابط ان لم تعترف الآن سوف أحطم رأسك.

في نهاية اليوم الثالث بدأت استعمل معه بعض الأساليب، وقد روضته ودفعته إلى الكلام. بدأ يتكلم اللغة العربية بعدما رفض الكلام مع المترجمين في السابق.

تبين لي انه يتمتع بذكاء حاد، شخصيته فذة، صلب المراس، قوي البنية، ثاقب النظرات.

بدأت التحقيق معه بسؤاله عن هويته، تقاطعت اعترافاته مع المعلومات التي تحريتها عنه حول مجيئه إلى لبنان تحت ستار التدريب على الكاراتيه. فمرة ادعى انه طبيب نفساني ومرة أخرى عرّف عن نفسه انه أمير بلغاري. وانه «ملك الدم».

أصر على إنكار كل شيء ونفى معرفته الأشخاص الذين «خطفوه» وأفاد انه جاء إلى لبنان في منتصف شباط من عام 1973 على متن الباخرة أوزونيا، آتياً من إيطاليا، برفقة رجل ألماني يدعى جو متزيغ، وان الأخير يحمل جوازي سفر أحدهما ألماني والآخر بولوني. وأكد انه استأجر المنـزل في «حقل العزيمة» للراحة ونفى أن يكون أحد قد خطفه.

خلال التحقيق قال لي إن كنت تريد ان تعرف من أنا، ما عليك إلاّ حرق الحقيبة التي أحملها وان اسمه وعمله وشخصيته مدونة داخل حقيبة اليد التي كان يحملها. والتي اكتشفتها عندما قبضت عليه. وبالفعل قمت بحرق الحقيبة لتخرج من بينها بطاقة حديدية تفيد انه يعمل لصالح وزارة الصناعة الألمانية وهو جاسوس صناعي.

وتناول التحقيق معه قضية منظمة «ميونيخ 72» الفدائية التي بادر إلى تأسيسها وتبين لي انه تواصل مع بعض العناصر الفدائية في الشمال وانه زودهم ببيانات وبرنامج سياسي توجيهي كان أورلخ قد أعطاه لأحد عناصر رصد الفدائيين لتعميمه على رفاقه وفيه دعوة للقضاء على القيادات الفدائية الناشطة وخاصة من تتبنى عمليات كميونيخ داعياً إلى تنقية العمل الفدائي من كل شائبة مدعياً انه مناصر للقضية الفلسطينية.

وبدأت حلقة المعلومات تتسع حوله شيئاً فشيئاً، وقد تمكن من الدخول إلى مخيم البداوي وعرض تدريب العناصر الفدائية في لعبة الكاراتيه، وقد انتقى بعض العناصر لتدريبهم على بعض الأعمال العسكرية كالتفجير والخطف والقنص الخ. بعد إلقاء القبض عليه، جاءني ضابط في «الكفاح المسلح» اسمه إبراهيم البطراوي طالباً الإفراج عنه مدعياً ان لوسبرخ كان يدرب الفدائيين مجاناً، ومن دون مقابل.

وقد حاول اورلخ الاتصال بالسياسيين الذين لهم علاقة بالفدائيين. وقد اعترف أمامي ان مهمته هي التجسس على الفدائيين الفلسطينيين، وافتعال الحوادث والاضطرابات بينهم وبين السلطة اللبنانية، وان عملية الخطف من «مقهى توب» ليست سوى حلقة من حلقات الخطة التي كان سينفذها. وقد أدلى بمعلومات واضحة وشرح كيفية قيامه بعمليات ارهابية وحدد الأماكن التي كان ينوي تفجيرها دون ان يعرف مكانها أو الشارع الذي تقع فيه. وقد اعترف انه كان يسكن من شباط تاريخ دخوله الأراضي اللبنانية وحتى أواخر آذار في «شارع فردان».

وعندما سألته ما كنت تفعل أنت وخطيبتك في «شارع فردان» في بيروت في الحادي عشر من نيسان  1973، انتفض وقال لي: لا أسمح لك بتوجيه هذا السؤال لي.

ولاذ بالصمت ورفض الإجابة على الأسئلة حول دوره في «عملية فردان» وطلب الكلام في حضور السفير الألماني.

في ما بعد اعترف انه كان ضمن المجموعة التي نفذت اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة بتاريخ 10 نيسان  1973 في «شارع فردان». وقد أجريت مقابلة بينه وبين خطيبته جميلة جورج معتوق المعروفة بـ «جيجي» لجهة مواجهة الأخيرة بأقوال لوسبرخ، لأنه كان يطلعها على كافة تحركاته ومنها مراقبة بعض قادة المقاومة الفلسطينية الذين يقيمون أمام منـزل ذويها في طرابلس، وتحديداً سعيد السبع، والذي كان له دور مباشر هو وابن خاله أبو علي إياد بعملية خطف أول جندي إسرائيلي في أواخر عام 1969 وهو صموئيل روزن فايز.

وأفادت جميلة انها كانت بمعيته في بيروت يوم 11 نيسان 1973، أي اليوم التالي للإعتداء وانهما مرا في الشارع وشاهدا الأبنية التي قُتل فيها قادة المقاومة. كما انها كانت برفقته عندما زار مخيمي نهر البارد والبداوي بعد عملية نفذها الجيش الإسرائيلي (21/2/1973) والتي استهدفت ضرب مواقع لحركة فتح ذهب ضحيتها عدد من الأتراك التابعين لجماعة عبدالله أوجلان، بالإضافة إلى عدد من الفلسطينيين وموقع تدريب للجبهة الشعبية في مخيم نهر البارد كان عضو «الجيش الأحمر» الياباني كوزو اوكوموتو قد تدرب فيه قبل تنفيذ عمليته في «مطار اللد».

بعد الانتهاء من استجوابه تمت إحالته على المحقق العسكري الياس عساف الذي باشر التحقيق معه بعدما زودناه بكل الاعترافات التي أدلى بها أمامنا، وقد أكد اعترافاته وتكلم باللغة العربية التي رفض ان يتكلم بأي لغة سواها قبل ذلك.

وتبين لي انه كان يملك مبلغاً كبيراً من المال مودعاً في بعض المصارف وكشفت التحقيقات معه عن تحويلات بعشرات الآلاف من الدولارات جرت من المانيا الغربية لحساب لوسبرخ الذي إدخر في أحد المصارف 130 ألف ليرة لبنانية إلى جانب تلقيه أموالاً من مصادر فلسطينية.

وذكر قاضي التحقيق ان الألماني لوسبرخ «ليس اسمه الحقيقي» يحمل جواز سفر ألمانياً مزوراً عليه سبعة أختام دخول إلى لبنان والمانيا، وهو من مواليد 1948، من مدينة دوسلدورف الألمانية وهو ضابط استخبارات إسرائيلي.

شاع خبر توقيف الجاسوس الإسرائيلي وما أدلى به من اعترافات. وبدأت السفارتان الألمانية والأميركية في بيروت ومعهما مدير الشعبة الثانية جول بستاني بممارسة الضغوط للإفراج عن الألماني تحت ذريعة انه جاسوس صناعي، كما طلبت القيادات الفلسطينية ان نسلمها الجاسوس المذكور وقد رفضنا ذلك قطعاً.

بالطبع لم يعمل لوسبرخ لوحده في الشمال، إذ تكشفت الخيوط مع مرور الأيام ان شبكة إسرائيلية كانت وصلت إلى طرابلس بعد «عملية فردان» والتي راح ضحيتها ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية (أبو يوسف النجار، كمال عدوان وكمال ناصر) مباشرة لاستكمال استهداف قادة الفدائيين في الشمال. وقد أقامت الشبكة في «شارع الثقافة» وتحديداً حول منـزل سعيد السبع. كان على رأس الفرقة تسيفي زامير مدير جهاز الموساد، إضافة إلى مايك هراري رئيس «وحدة كيدون» الإسرائيلية، منتحلاً صفة القس روبرت مالوي، والذي تبين انه مطرود من السودان لأسباب سياسية.

لكن أكثر ما أثار الريبة، كانت تحركات لوسبرخ، والذي سكن في شقة خطيبته اللبنانية جميلة معتوق المواجهة لشقة أبو باسل. وقد استطعنا مؤخراً اكتشاف هوية لوسبرخ الحقيقية والتي تبينت انه حجاي هداس، نائب رئيس جهاز الموساد لغاية 2010. فبعد مرور 42 عاماً وخلال بحثي العميق بهذا الملف لخطورته ومقارنتي لأرشيف صور لوسبرخ بصور ضباط إسرائيليين تبين لي ان الأخير هو حجاي هداس والذي كان وراء عدد من عمليات اغتيال لعدد من قادة المقاومة الفلسطينية من ضمنهم فتحي الشقاقي في مالطا ومحاولة الاغتيال الفاشلة لخالد مشعل في عمان».

(انتهت شهادة عصام أبو زكي في مذكراته)

Loading...