طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

العدوان الاسرائيلي على سفينة «ترانزيت»: ماذا يقول القانون؟

اطفال ونساء ورجال مدنيون اصيبوا في العدوان على سفينة «ترانزيت»

أردت اليوم أن أكون مترافعةً أمام محكمة الضمير والرأي العام لأنقل الوجع العميق والمزمن لأهالي الضحايا والجرح الغارز في وجدان الشعب اللبناني من جراء اعتداء متعسف يتوسل القوّة ليجعلها قانونا فينفذ حكم الإعدام بمسافرين دون أي محاكمة أو أدلّة.

هذه المرافعة ترمي إلى وضع أركان الجريمة ومرجعيتها القانونية وانتهاكها للقانون الدولي أمام مجلس الأمن الدولي لكي يحيلها إلى الجهة الصالحة أي المحكمة الجنائية الدولية التي لا يمكن أن تضع يدها على القضية إلا بهذه الوساطة نظراً لعدم توقيع كل من لبنان واسرائيل على وثيقتها.

إن اللبنانيين اليوم، وبالأخص الطرابلسيين، واقعون تحت صدمة اعترافٍ أعاد احياء فظاعة مجزرة أودت بحياة أحبائهم في يوم مشؤوم من صيف العام 1982 في مدينتهم التي كانت تعيش أجواء رمضانية.

المحامية ساندي بطرس

لم يخطر على بال أحد، أن انفجار السفينة الذي خطف أقرباءهم وأحباءهم كان ناتجاً عن عمل عدواني صهيوني، ملقين اللوم على القضاء والقدر.

غير أنه وبعد مضي 36 عاماً من التملّص والتستر، وباعتراف مكابرٍ ومغرورٍ تبنّى العدو الإسرائيلي وبكل برودة، ودون أي اعتذار أو ندم الفاجعة التي أودت بحياة أبرياء مدنيين لا دخل لهم بالحرب ولا بمعاركها الدموية.

ما اعترف به العدو الإسرائيلي بعد مرور عقود، أعاد فتح الجروح في القلوب وذكّر بالعريسين الذين استقلا السفينة المكتوبة للوصول الى قبرص ومنها الى شهر عسل في بلجيكا.

كما ذكّر بالشاب المتطوع بالصليب الأحمر نديم شاهين الذي رحل ولم يكن يتجاوز العشرين من عمره. كما ذكّر بوالديه اللذين لحقاه بعد أن أفجع الموت قلبيهما.

وذكّر بالأب  سعدالله السيد الذي رحل تاركاً زوجته وأولاده بلا سند أو معيل. وذكّر بالأبرياء الآخرين الذين باغتهم «الطوربيد» وافترسهم كما تفعل أسماك القرش بأسنانها الحادة وقلوبها القاسية.

وبعد أن اعتبرت الدولة المذكورة وبكل وقاحة أن فعلها لا يرقى لجريمة حرب ولا يستدعي التحقيق مستخفّةً بأرواح شهدائنا، لا يمكننا سوى أن نطالب بمحاسبة عادلة خاصة وأن فعلها لا يمكن أن ينزل سوى منزلة جريمة حرب، لا بل وأكثر جريمة ضد الإنسانية.

ان حق الدولة اللبنانية بمتابعة هذه الجريمة وملاحقة منفّذيها نابع من واجبها تجاه مواطنيها وحماية حقهم بالسفر الآمن. وهو نابع أيضاً من شرعة حقوق الانسان التي كان  لبنان من ضمن واضعيها.

كما أنه مستمدّ من ان استقرار السلام العالمي لا يقوم الا على ردع التملص من العقاب الذي تلجأ اليه الدول المستقوية بقدراتها العسكرية والحمايات الدولية التي تستند اليها.

فجرائم الحرب كما حددها نظام المحكمة الجنائية الدولية في مادته الثامنة هي تلك التي تعني الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف 1949، أي الأفعال الواقعة ضد «الأشخاص المحميين» والمحدّد وضعهم صراحة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وهم الأشخاص المدنيون والجرحى وضحايا السفن غير المشاركين في الأعمال العدائية المسلحة.

إن عناصر جريمة الحرب التي تزعم الدولة الإرهابية انتفاءها في محاولة منها للتملص من العقاب هي متوافرة وبامتياز، إن لجهة توفّر المخالفة الجسيمة للدولة والمتمثلة بالقتل الجماعي لأشخاص مدنيين محميين بالقانون الدولي الإنساني، أم لجهة توافر القصد المطلوب لقيام الجريمة المذكورة.

وإذا كان العدو الإسرائيلي يبرر جريمته معلناً أن الأمر لا يتعدى كونه خطأً في التقدير كما يزعم مستخفاً بأرواح شهدائنا، نسي أن ما يسمى بالاستهتار يجعل من فعله جريمة مقصودة. فالقدرة على التنبؤ بوقوع العواقب المحتملة نتيجة للفعل يجعل القصد قائماً خاصة عندما يخاطر الفاعل ويسعى الى احداث عواقب وخيمة نتيجة لسلوكه رغم علمه باحتمال وقوع النتائج وهذا علماً أن العدو الإسرائيلي لم ينذر السفينة ولم يفتشها لاجئاً الى أفظع الوسائل الأمر الذي يؤكد اتجاه نيته الاجرامية الى إزهاق ارواح أكبر عدد ممكن من المدنيين.

وأكثر من ذلك، إن فعل الدولة المذكورة لا يرتقي فقط إلى وصف جريمة الحرب، بل يتعداه ليرتقي أيضا إلى وصمة العار الخاصة بالجرائم ضد الإنسانية.

فالجرائم ضد الإنسانية وبحسب مفهومها القانوني الدولي هي الجرائم البغيضة بإعتبارها خطراً على كرامة الانسان وهي تشكل جزءاً من ممارسة منهجية أو جزءاً من سلسلة جرائم ناتجة عن ممارسات واسعة النطاق.

والمجزرة التي تبنتها إسرائيل ليست سوى جزءٍ من سلسلة جرائمها الشنيعة. وإن ما تسميه الدولة العدوّة بعملية «درايفوس» ليست سوى واحدة من مجازرها الدموية المرتكبة في لبنان وجزء من عملية الإبادة التي طاولت مسلمين ومسيحيين ولاجئين وأطفالاً على مرور العقود.

 فالدم الذي يُسفك على يد العدو الإسرائيلي لم يعد بالإمكان احصاؤه ابتداءً من مجزرة مسجد قرية صلحا في العام 1948 حتى مجزرة  قانا التي هزّت لبنان فقط دون الضمير العالمي والتي أسفرت عن مقتل عدد لا يحصى من الأطفال، وغيرها من المجازر التي جعلت من الاعتداءات الصهيونية جرائم ضد الإنسانية بامتياز.

إن مرور هذه المدة الطويلة على تلك الجريمة، لا يجعلها مشمولة بالنسيان العام ولا بالسكوت بالتقادم خاصة وأن الدولة المرتكبة أعلنت مسؤوليتها بكل صراحة طابعة وصمة العار على اسمها وتاريخها.

فهذه الدولة التي تتذرع بجرائم نازية بحق اليهود، تمارس ما مارسته النازية يوماً. وهي رغم افتخارها بخلو قانونها من عقوبة الإعدام، تنفّذ الاعدامات الجماعية بلا حكم صدر ولا أدلّة ثابتة.

وتكفي الإشارة أخيراً الى أنه أصبح من الواجب عملياً أن تتخذ الدولة اللبنانية باعتبارها مسؤولة عن كرامة مواطنيها وانطلاقاً من واجبها تجاه رعاياها خطوات جدّية لمحاسبة الدولة الاسرائيلية دولياً عبر تحريك مجلس الأمن الدولي توصلاً لإصدار القرارات المناسبة بحق دولةٍ تتخذ ممارسة الإرهاب والإبادة والعنصرية كسياسة رسمية دائمة لها.

وإنني إذ أضع هذه المطالعة في خدمة وزارة الخارجية لكي تلجأ الدولة إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار بإحالة الجريمة إلى المحكمة الجنائية الدولية التي لم ولن توقع على ميثاقها اسرائيل ولم يوقع للأسف عليها لبنان وبالتالي لا تكون هناك من وسيلة لوضع يد العدالة الدولية على هذه الجريمة سوى بقرار واضح من المجلس الأمن الدولي.

Loading...