طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

الجمهورية الغريقة تبحث عن حكومة ضائعة

أما وقد بلغ عمر مخاض تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري الثالثة 8 أشهر تقريباً، تخللها صعود وهبوط ومناورات واقتراحات ومبادرات على أنواعها، فقد ملّ اللبنانيون فعلاً الحديث عن هذه العملية العجيبة التي تجري ببطء شديد وما يشبه التهاون والتراخي والإهمال، خاصة أن اللبنانيين يعانون من أزمة اقتصادية حقيقية تضرب كل مفاصل الانتاج في هذا الوطن، وتهدد فعلياً القطاع الخاص، وخاصة المتوسط والصغير، والذي كان دائماً هو حجر الرحى الذي يُشغل الآلة الاقتصادية الكبيرة عبر  مؤسسات مختلفة الأنواع توظف عدداً كبيراً من الناس.

صار الموضوع، حقيقةً، أشبه بمسرح عبثي، إذا لم نقل مسرحاً هزلياً، خاصة عندما تتمً العرقلات لأسباب مختلفة معظمها واهٍ وغير مقنع وينبت كالفطر كلما آنت ساعة الولادة.

في غمرة الأزمة اللبنانية الحالية، وفي غمرة التطورات الاقليمية الكبيرة، بل في غمرة تطورات دولية داهمة تدق أبواب العالم كله، ترانا نتلهًى في البحث عما يشبه جنس الملائكة، فيما الحكومة معطلة بحكم عدم التأليف، ومجلس النواب معطل بحكم عدم وجود حكومة، ورئاسة الجمهورية كما رئاسة الحكومة كلفًا مرةً رئيس كتلة نيابية ومرًة اخرى رئيس جهاز أمني، أن يقوما بدور التواصل مع الآخرين والبحث في أفكار متنوعة.

وهاتان الرئاستان في فعلتهما هذه، من حيث يقصدان أو لا يقصدان، تخليا عملياً عن دورهما الأساسي القائم على أساس تشكيل الرئيس المكلف الحكومة بالتشاور مع الرئاسة الأولى التي سيصدر مرسوم التأليف من عندها.

فكيف؟ وبأي حق، وبأي عُرف، ومنذ متى، تُولّى مهمة التأليف إلى رئيس كتلة نيابية له بحكم موقعه مصالح مرتبطة بوضعه السياسي وبالجهة التي يمثلها وبالمجموعة النيابية التي يرأس كتلتها؟

وكيف أيضاً، تُولّى هذه المهمة إلى شخص يطمح منذ الآن أن يخلف رئيس الجمهورية الحالي، فيما هذا الرئيس لم يتمّ سنته الثالثة في بعبدا بعد، وفيما هذا الرئيس يعتبر ان حكومة عهده الأولى لم تولد بعد، على أساس ان الحكومة السابقة كانت «إنتقالية» إلى موعد الانتخابات النيابية، التي جرت في أيار الماضي، ومذّاك نعاني من فراغ حكومي طال أمده وتجاوز كل المواعيد التي وُضعت له في استحقاقات مختلفة.

الرئاستان الأولى والثالثة تُعتبران خاسرتين، شكلاً ومضموناً، ومن حيث الصلاحيات والأعراف، بسبب «تفويضهما» الى وزير الخارجية جبران باسيل إجراء مشاورات تتعلق بالتأليف، وتبعات ذلك على موقعيهما كبيرة، الآن ومستقبلاً.

وفي الوقت عينه يتحمّل«حزب الله»  مسؤولية كبيرة في تعطيل التشكيل، بانتظار المستجدات الاقليمية التي صار «الحزب» أحد اللاعبين (غبّ الطلب) على مسرحها، ومن هذه المستجدات طبعاً الانفتاح الخليجي – المصري على النظام في سوريا، وخلط الأوراق في التحالفات الدولية – الإقليمية، وكل ذلك يجعل «حزب الله» مرتاحاً إلى التأخير في التشكيل ريثما تتضح أكثر صورة التغيرات في المنطقة، فربما يفرض عندئذ شروطاً إضافية، تتجاوز الأعداد والحصص في مجلس الوزراء، لتطال أيضاً البيان الوزاري نفسه، والموقف الرسمي اللبناني في الموضوع السوري (نسف فكرة النأي بالنفس)، وربما أكثر من ذلك، باتجاه الموقف الرسمي من المحكمة الدولية الخاصة باستشهاد الرئيس رفيق الحريري وتمويلها وقراراتها، يُضاف إلى ذلك أيضاً محاولات «الحزب» الالتفافية في الشق المرتبط بالعقوبات الأميركية، وبالتالي الأوروبية، المفروضة عليه.

ولعل أبشع الأدوار في هذه المعركة الطويلة، هو الدور الذي لعبه أعضاء «اللقاء التشاوري» المؤلف من نواب سنّة ينتمون إلى قوى «8 آذار»، وبالتالي يأتمرون بأوامر قائد وممول هذه القوى، أي «حزب الله».

فعندما أراد «الحزب» خلق «مسمار جحا»، يحرّكه متى شاء ومتى قضت مصلحته ذلك، أمر هؤلاء النواب بتشكيل «لقاء» بعد الانتخابات النيابية، وبعد الاستشارات الرئاسية الملزمة، وبعد الاستشارات غير الملزم بها رئيس الحكومة المكلف، وجعل هؤلاء النواب التابعين لقوى «8 آذار»، والذين ينتمون بمعظمهم إلى كتل نيابية ممثلة أصلاً في الحكومة المفترضة، حجةً ملائمة تستعمل كلما أُريد نسف الصيغ الحكومية أو تأجيل التشكيل، فدائماً قاموا بما طلب منهم «حزب الله»، حتى انهم قبلوا بشخصية مرموقة لا علاقة لها بهم، طُلب منهم ان يُسمّوها، ثم طُلب منهم ان يسحبوا هذه التسمية لأسباب تتعلق بالداخل والخارج، أي بالثلث المعطل من جهة وبالتطورات الإقليمية من جهة ثانية.

أخيراً، وعلى الرغم من ان موعد ولادة الحكومة مجهول تماماً، بل لا يوجد في الأفق علائم تدل على قرب الفرج، وعلى الرغم من ان قصة التشكيل صارت مثل قصة إبريق الزيت، وعلى الرغم من ملل اللبنانيين من هذه العملية الرديئة، بكل ما أحتوته من لامسؤولية لدى معظم الطبقة السياسية، تنشر «التمدن» في هذا العدد نبذات عن الأشخاص الشماليين المفترض أنهم سيوزروا في الحكومة المقبلة (متى وُلِدت)، أو طُرحت أسماؤهم في مراحل مختلفة، أو هناك احتمال ان تصبح أسماؤهم خيارات جدية… مع الأمل ان يتم الإسراع في التشكيل وأن يُفكَّر ولو مرة واحدة بمصلحة الناس وبأزماتهم وبالمعاناة التي يعيشونها، وبضرورة القيام بإجراءات سريعة وطرح حلول انقاذية في ما يشبه الثورة الاصلاحية الكبرى، لاستدراك الأمر، قبل الوقوع في هاوية خطيرة جداً.

إذاً، في هذا العدد، على الصفحتين 2 و3، ننشر نبذات عن 8 شخصيات شمالية، يُفترض ان يتم توزير 5 أو 6 منها، علماً انه يبدو محسوماً توزير: جبران باسيل (التيار الوطني الحر- البترون)، يوسف فنيانوس (المردة- زغرتا)، مصطفى علوش (المستقبل- طرابلس)، بيار رفول (التيار الوطني الحر- مزيارة)، عادل افيوني (كتلة الوسط المستقل- طرابلس)، فيما توزير جواد عدرا أو عثمان مجذوب أو طه ناجي (واحد منهم) لم يُحسم بعد، فهم في قلب «عقدة الوزير السني السادس» في الحكومة المقبلة التي يُفترض ان تكون ثلاثينية، والذي يمكن ان يكون شخصية أخرى، غير الشماليين الثلاثة المذكورين أعلاه.

فأين يرسو قارب التوزير الشمالي في خضم بحر التشكيل الذي ما ان يهيج حتى يعود ليجمد، تماماً كما عاصفة الطبيعة التي ضربت لبنان فهاجت ثم جمدت، مفسحة المجال لجولة جديدة مقبلة قريباً، فمتى يتحرك قارب التشكيل من جديد بعد جمود طويل؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.