طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

تاريخ من تاريخ المدينة … محطات في حياة مواطن… المهندس عبدالله بابتي يروي قصة «ليرة البنزين» التي تحوّلت إلى عقارات تساوي ملايين الدولارات

صورة جامعة عند بدء حفل توزيع العقارات، من اليمين: المهندس رشيد جمالي، الرئيس سمير شعراني، الوزير سمير الجسر، السيد محمد المقدم، المهندس عبدالله بابتي، الشيخ محمد رشيد الميقاتي

في تاريخ الأمم والشعوب والدول والمدن كثيرة هي الأحداث التي تقع وتمر، وكثيرة التي تُنسى هي أو وقائعها والنتائج… مهما كانت أهميتها…

لذا وجدنا أنه من واجب جريدة «التمدن» – قدر المستطاع – تسجيل أحداث مرت على طرابلس خلال الخمسين سنة الماضية والإضاءة عليها لتبقى حية في ضمير الجيل الحاضر والأجيال المستقبلية.. وحتى لا تطويها الأيام مع صفحاتها وتضيع مع المستجدات المتلاحقة في حياة كل جيل. وسنحاول البحث حول وقائع مضيئة مع الذين كان لهم دورهم في حياة المدينة.

ونأمل ان يساعدنا لهذه الغاية من لديه معلومات تخدم هدفنا من النشر.

وفي هذا العدد من «التمدن» كان اللقاء مع المهندس عبدالله بابتي الذي كان ممثلاً «الجماعة الإسلامية»  وعضواً فاعلاً في «التجمع الوطني للعمل الاجتماعي» وفي «هيئة التنسيق» التي كانت برئاسة الرئيس رشيد كرامي.

وسألنا المهندس بابتي:

– ما قصة «ليرة البنزين» التي تحولت إلى عقارات تساوي حالياً عشرات ملايين الدولارات؟

– وما هو مصير هذه العقارات ولمن آلت؟

وكان جوابه واضحاً ولكنه حوله في ختام اللقاء إلى مطالبة:

بإسم المدينة – لتنفيذ «البلدية» و«جمعية الخدمات» تعهداتهما.

المهندس عبدالله بابتي

قال المهندس عبدالله بابتي:

«في ظل ما نشهده اليوم من آفات الفساد وضياع الأمانة وفقدان المسؤولية تبرز أمامنا قضية شامخة في معانيها مؤثرة في نتائجها عميقة في ضمير نخبة أعطت المثال الحي في مسيرتها، إنها «جمعية التأهيل والرعاية الاجتماعية» التي انبثقت عن «مجلس التنسيق والإنماء» الذي عَرفَتْهُ أحداث الحرب عام 1975.

والذي تمثلت فيه  قوى طرابلس من:

– الأحزاب الوطنية،

– والهيئات الإسلامية،

– و«التجمع الوطني للعمل الاجتماعي»، الذي في تجربة نادرة احتضن نقابات المهن الحرة والجمعيات الفاعلة في المدينة.

كان هدف هذا المجلس تأمين خدمات واحتياجات الناس في ظل الحرب الأهلية التي تعطلت معها مرافق الدولة وأجهزتها على كل صعيد.

سنة 1975 رفعت الحكومة صفيحة البنزين ليرة فقرر «مجلس التنسيق» تحويلها لمشاريع لطرابلس

والذي يعنينا هنا يومها صدر قرار عن الحكومة برفع سعر صفيحة البنزين ليرة لبنانية واحدة فتصدى لهذه القضية «مجلس التنسيق والإنماء» مدفوعاً بحس معاناة الناس وهم في حرب عبثية اضطربت معها معالم الحياة والاستقرار في البلد فما كان من المجلس إلاّ أن واجه هذه الزيادة بخطوة بناءة رائدة تجسدت في ان تعود هذه الزيادة إلى أهل طرابلس – الذين هم من دفعها وفي ظروف صعبة – لتصرف على مشاريع تنفع المدينة وتعوّض عليهم بعض ما يعانون من حرمان وإهمال وهكذا كان.

ووافق الرئيس رشيد كرامي وألزم وزارة الطاقة

فقد توافق «مجلس التنسيق والإنماء» مع الرئيس الشهيد رشيد كرامي، الذي تجاوب وألزم وزارة الطاقة، بتخصيص ما يُجمع من هذه الزيادة الطارئة لمشاريع حيوية في طرابلس.

وبلغ المردود سنة 1977: 4 ملايين ليرة

وحين سنحت الفرصة واستقر وضع المدينة عام 1977 تمت عملية المحاسبة والتصفية فبلغ مردود تلك الزيادة 4 ملايين و98 ألفاً و190 ليرة لبنانية.

وقرر «مجلس التنسيق والإنماء» كإجراء قانوني، للحفاظ على هذا المبلغ، التقدم بطلب إلى وزارة الداخلية «للترخيص لـ «جمعية التأهيل والرعاية الاجتماعية» التي أخذت العلم والخبر 128/83،

وكان قرار الجمعية الأول التجاوب مع طلب فوري «للمستشفى الإسلامي» لصرف سلفة وقدرها مليون ليرة لبنانية لسد عجزها أمام ضغط العمل الاستشفائي باستقبال الجرحى بسبب القتال الدائر – في تلك المرحلة – تأخُّر صرف مستحقاتها من وزارة الصحة.إ ضافة إلى صرف مبلغ آخر لمتضرري منطقتي القبة والتبانة.

خارطة تبين مواقع العقارات الأربعة

شراء 4 عقارات في الزيتون مساحتها 32 ألف متر مربع

والخطوة البناءة الجريئة التي أقدمت عليها «جمعية التأهيل والرعاية الاجتماعية» هي شراء أربع عقارات في منطقة زيتون أبي سمراء بمساحة بلغت 32050 متراً مربعاً بعد أن عزمت على إنشاء مشروع اجتماعي للمعاقين بسبب أحداث الحرب.

ومضت السنون وانتظرنا رسوخ الاستقرار بعد أن حفظنا هذه الوديعة بامتلاك هذه المساحة الكبيرة من أرض لعقارات لا تتأثر بأي اضطراب مالي خاصة وان العملة اللبنانية بدأت بالتراجع أمام الدولار.

– وانقضت مدة طويلة،

– أعقبها توقف القتال وإنهاء معارك عام 1983،

– ثم أحداث طرابلس عم 1985،

– وكلها شكلت مُعَوِّقاً قسرياً لأن نتوقف عن أي عمل، سوى، الاحتفاظ بالهدف المرسوم الذي لا يبدأ تنفيذه إلاّ في ظل استقرار وقدرة على التحرك..

وفقدنا أحبة

لكن القدر كان أسرع منا إذ فقدنا الأحبة:

– المحامي رشيد فهمي كرامي،

– والحاج مدحت كوسا،

– والحاج حلمي ياسين،

وتبعهم على التوالي:

– الأستاذ محمود الواوي،

– والسيد محمد حسن المقدم،

– والسيد عبدالفتاح سوق،

– وبعدهم النقيب أحمد فتال،

– والمهندس رشيد جمالي،

وهؤلاء جميعاً شاركونا في إيجاد حل بعد أن تضعضعت فكرة البدء بمشروعنا الإنقاذي، وتداولنا معهم قبل الرحيل بأفكار شتى حول كيفية مواجهة العجز المُؤخِّر للتنفيذ،

– وبعد غياب الثلة الأولى بالوفاة،

– وفقدان مقومات المشروع، بتأمين الإمكانيات المالية والبشرية، في ظل جمعية بدأ أركانها بالغياب.

وطُرِحَت أفكار… منها البيع… فخالفت

هنا طُرحت أفكار كثيرة منها:

– بيع أراضي الجمعية الـ 32050 متراً مربعاً، وقد تحسنت أسعارها لتصبح بملايين الدولارات، وتوزيعها على الجمعيات العاملة في المدينة وهي محددة ومحصورة،

– لكنني في هذا المجال خالفت الفكرة أساساً، حِفظاً لمال عام جمع من أجل مشاريع عامة تحتاجها المدينة،

– وحرصاً على شفافية اعتمدناها وتزكية لسمعة من حافظ على المال باعتباره حق لأهل طرابلس، ووجوب صرفه فيما يعود بالخير العام على المدينة وأهلها،

وكان تفاهم وتوافق

وبالفعل، وبعد التفاهم مع من تبقى من أعضاء الجمعية – وكان هذا قبل وفاة الأستاذ محمود الواوي الذي أخذت توقيعه – وهو في فراشه -على قرار يقضي بالتوافق مع:

– الدولة،

– وبلدية طرابلس،

– و«جمعية الخدمات الاجتماعية»،

التي جرى اختيارها من أجل إقامة مستشفى تخصصي لمعالجة الإدمان والأمراض العصبية.

واقع الجمعية القانوني صار بحاجة لإحياء

لكن ما أصبحنا عليه من واقع قانوني صار يحتاج إلى خطوة إحياء رخصة «جمعية التأهيل» التي – لم تعد موجودة قانوناً – كونها توقفت لسنوات عن تنفيذ النص القانوني الملزم بتقديم المستندات عن نشاطاتها وتجديد مجالسها الإدارية وموازاناتها المالية… إلخ…

وتألفت لجنة لهذه الغاية

وهنا كان القرار في الجمعية بأن أُوكلت إلى لجنة قوامها:

– النقيب أحمد الفتال،

– المهندس رشيد جمالي،

– المهندس عبدالله بابتي،

لاستعادة قانونية الجمعية.

فاتصلتُ بالرئيس فؤاد السنيورة الذي وافق على ما أطلعته عليه وأصدر توجيهاته فوراً

– فكان اتصالي بالرئيس فؤاد السنيورة الذي أطلعته على مشروع توزيع العقارات على النحو الذي قررته الجمعية،

– وأحدها لإحداث معهد فني مهني عالٍ،

– وطلبت تدخله لتمكيننا من ذلك،

– فاتخذ خطوة استثائية:

– بإحياء «جمعية التأهيل والرعاية الاجتماعية» لتعاود مسيرتها القانونية لثلاثة أشهر فقط،

– وأعطى توجيهاته إلى وزارة الداخلية بهذا الشأن،

– وتابعت شخصياً المهمة مع المدير العام للوزارة الأستاذ عطا الله غشّام، الذي نذكره بخير، لمساهمته معنا في هذا المجال.

صورة المرسوم

بعد قانونية الجمعية: 3 قرارات

وحين أُنجز الوضع القانوني للجمعية توافق أعضاؤها على تنفيذ القرارات الآتية:

الأول: «معهد مِهْنِي عالٍ 10 آلاف متر مربع

1- تخصيص العقار (رقمه قبل الضم والفرز) 2598 زيتون طرابلس والبالغة مساحته 10517 متراً مربعاً لإقامة مجمّع مهني عالٍ باسم «معهد طرابلس المهني العالي».

– وتقديمه هبة لصالح «وزارة التربية والتعليم العالي»،

– على أن يصار إنجازه خلال مهلة أقصاها ثلاث سنوات اعتباراً من نشر مرسوم قبول الهبة في الجريدة الرسمية،

– والمرسوم صدر كما هو مبيّن جانباً…

– والمشروع أنجز…

– وهو الآن يعمل لخدمة أبناء طرابلس والشمال على أحسن وجه.

الثاني: «حديقة للأطفال» 13 ألف متر مربع

2- تخصيص العقار (رقمه قبل الضم والفرز) 2540 زيتون طرابلس والبالغة مساحته 13090 م.م. هبة لبلدية طرابلس لإنشاء حديقة للأطفال باسم «حديقة طرابلس للأطفال» تُشرف عليها البلدية شرط إنجازها خلال ثلاث سنوات من تاريخ التسجيل العقاري.

الثالث: «مستشفى للأمراض العصبية» 8 آلاف متر مربع

3- تخصيص العقارين (رقمهما قبل الضم والفرز) 2522 و2523 زيتون طرابلس والبالغة مساحتهما 8453 متراً مربعاً لإقامة «مستفى للأمراض العقلية والنفسية والعصبية» وتقديمها هبة لـ «جمعية الخدمات الاجتماعية» شرط إنجازها خلال ثلاث سنوات من تاريخ الترخيص القانوني.

توزيع سندات الملكية

وبعد إنجاز مهمة التوزيع كان الاحتفال بتسليم سندات الملكية للمعنيين وهم:

– عن وزارة التربية والتعليم العالي الوزير سمير الجسر،

– وعن بلدية طرابلس رئيس البلدية العميد سمير شعراني،

– وعن «جمعية الخدمات الاجتماعية» الأستاذ محمد حسن المقدم.

هذا ما أنتجته «ليرة البنزين» وبعد 26 سنة

لقد كانت لحظة طيبة بإعادة «ليرة البنزين» التي دفعها أهل طرابلس لتعود إليهم مشاريع حيوية تُنعش المدينة وتحقق بعضاً من آمالها، لكنه لم يغب عن ذهن المحتفلين غياب الأحبة الذين فارقونا ولم يشاركوا معنا هذه الخطوة الرائدة وقد كانوا من صُناعها، ولقد قمنا بما يطمئنهم بإعادة الأمانة التي حملوها معنا إلى أهلها، وحفظناها معهم ولم نفرط بها طوال هذه المدة 1977-2003.

اليوم في 2019 وبعد 161 سنة من تسجيل العقارات لم تنفذ البلدية ولا «جمعية الخدمات» التزاماتهما

وأخيراً لنا وقفة صريحة وواضحة، فقد مرت ست عشرة سنة على إنجاز هذه المهمة التي قلّ نظيرها في بلد كلبنان وهو الذي عرف مئات الجمعيات وكثيراً من العاملين في الحقل الاجتماعي، فإن وجود جمعية ضمت أعضاء لها من مختلف المواقع الحزبية المختلفة التوجهات والأهداف.

لكنها بقيت صادقة حين أدّت هذه الأمانة على أرقى ما يكون الالتزام الأخلاقي والوطني بحس مسؤول عالٍ،

وهو ما يدفعنا اليوم لنقول لـ «بلدية طرابس» و«جمعية الخدمات الاجتماعية» أن أهل طرابلس لن يرضوا بإهمال مطالبهم الإلزامية، لكل من ملَّكناه أرضاً نيابة عن المدينة وأهلها، بإنجاز المشروعين اللذين تعهدا بتنفيذهما وعلى أساس ذلك كانت الموافقة على التسجيل لهما.

«حديقة الأطفال» يجب أن تُنفذ

فحديقة الأطفال في العقار 2540 زيتون طرابلس ومساحته 13090 متراً مربعاً، حق لن نقبل ضياعه واستمرار إهماله، والبلدية كانت، وهي اليوم قادرة على تنفيذه لينعم أهلنا وأطفالنا بهذا المرفق الذي لا يحتاج إلى أموال طائلة لتنفيذه، وتستحق طرابلس مثل هذه المشاريع وفي هذه المنطقة بالذات.

المستشفى على «جمعية الخدمات» إقامتها

وكذلك بالنسبة للعقارين 2522 و2523 زيتون طرابلس والبالغة مساحتهما 8453 متراً مربعاً بأن تنفذ فيهما «مستشفى الأمراض العقلية» و«معالجة الإدمان»، وقد تأخر التنفيذ كثيراً وبتنا نخشى ضياع الفكرة والمشروع معاً،

وهذا لا يمكن السكوت عنه من كل أبناء طرابلس وفعالياتها،

فهل يتجاوب المسؤولون في بلدية طرابلس و«جمعية الخدمات الاجتماعية» مع هذه الصرخة بعد ان طال الانتظار؟

أم لا بد من مواقف من المدينة تلزمهما بالتنفيذ؟

ونحن نؤكد انه لا بد من خطوة جادة على صعيد الالتزام والتنفيذ للمشروعين باتخاذ قرارات سريعة تضع حداً لهذا التأخر غير المبرر مهما كانت الصعاب والأعذار؟!».

ختم المهندس الحاج عبدالله بابتي قصة «ليرة البنزين» بالأمس التي أضحت عقارات بملايين الدولارات اليوم، بصدق وشفافية ونظافة كف، من تولوا الأمور الاجتماعية في المدينة في تلك المرحلة.

الشعراني يتسلم من بابتي سند تمليك الحديقة العامة لبلدية طرابلس
الجسر والميقاتي
المقدم بعد تسلمه سند تمليك عقار المستشفى المخصص لجمعية الخدمات

Loading...