طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

الصحيفة «المحرّمة»

(…) شهدت جريدة «المستقبل» تحولات وانقلابات، عايشتها كصحافي عامل فيها منذ اليوم الأول للتأسيس وحتى العام 2016. قضيت فيها أحلى حقبات العمر (من سن 33 عاماً إلى سن الخمسين). 17 عاماً بلا انقطاع، في أطول فترة وظيفية بحياتي. الحقبة الأولى هي بعنوان «المعارضة الخفرة». كيف يمكن صوغ لغة لائقة بالجمهورية الثانية أولاً، وكيف يمكن ترجمة تلك الطموحات الكبرى للبنانيين ببلد جديد، تواق لاستلحاق ما فاته بسنوات الحرب. بل كيف يمكن «ترميم» وإعادة تلك القيم الديموقراطية إلى الحياة السياسية.

في تلك المرحلة اختبرت عنادي، وعناد معظم الزملاء أيضاً، بمرونة رفيق الحريري، فتوقفت عن الكتابة السياسية متفرغاً فقط لملحق «نوافذ» الأسبوعي. الملحق الذي تلطى بالعنوان الأدبي والثقافي والفكري والاجتماعي، ليضخ بذكاء أو بحيلة، ذاك الخطاب «السياسي»، المتمرد حتماً.

برعايته، أو بتواطئه، ضمن رفيق الحريري هامش ملحق «نوافذ» بذريعة، غالباً ما استخدمها: «مثقفون لا أحد يفهم ما الذي يريدونه». وهو كان يفهم بالتأكيد.. ويدعم.

في الحقبة الثانية، وتحديداً في خريف 2004، باتت «المستقبل» هي رأس الحربة (وجريدة «النهار» أيضاً). إنها عهد «المعارضة الصريحة». تحولت الجريدة إلى أقصى ما يطمح إليه الصحافي، أي الخوض في معركة التغيير، المساهمة العضوية والفعّالة في التحول والانتقال، كما في الانقلاب السياسي على حال الاستنقاع. هي مرحلة الحرية نقداً وقولاً وكشفاً.

هذا، سرعان ما سيدفع رفيق الحريري شخصياً ثمنه. هي أشهر قليلة قبل أن ينفجر طنان من الـ «تي. أن. تي» بالرجل الذي اكتنز أجمل الوعود لبلده وللمشرق العربي.

هكذا، أتت المرحلة الثالثة، بمأسويتها وبعنفوانها: «انتفاضة الاستقلال». وحينها كانت تماماً جريدة في مهمة، جريدة تحمل «المانيفستو». كل عبارة فيها، كل مقالة، كل عنوان.. كان ذخيرة في أنبل معارك لبنان والمشرق. هنا، تتوضح معاني الصحافة: صوغ الرأي العام، مخاطبته ومحاورته ومشاركته في الفعل والتأثير وصنع القرار.

لحظة 7 أيار 2008، الهجوم المسلح من رثاثة وزعران وسقط متاع ما يسمى أحزاب «الممانعة»، بقيادة جهاز «حزب الله»، على بيروت، بالرصاص والقذائف الصاروخية، واحتراق طابقين من مبنى الجريدة. هي المرحلة الرابعة الصعبة، وبدء الموات التدريجي للصحيفة، التي صارت فجأة نشرة إعلامية مضمخة بالخوف والحذر وضعف المناعة، بعدما شهدت على مدى ثلاث سنوات مع اللبنانيين بأس «الإرهاب» والاغتيالات والتفجيرات الغامضة (المعلومة المصدر والهدف).

وكما مأسوية وعنفوان 14 شباط 2005، أتت تلك اللحظة التاريخية المشتهاة، ربيع 2011. حينها اكتسبت الجريدة روحاً جديدة في حقبتها الخامسة.(…) انطلقت «المستقبل» باندفاعة أخلاقية ومهنية، لاحتضان خطاب «الربيع العربي» كامتداد طبيعي للتوق الأصيل نحو «الحرية والعدالة».

باتت مذاك، بل وقبل ذلك، جريدة بلاد الشام حقاً، منبراً للثورة السورية بكل أطيافها، للناشطين والمثقفين العرب الذين انحازوا لشعوبهم بلا تردد. وتحولت إلى الصحيفة «المحرمة»، الموصومة بشرف معاداة الاستبداد ورموزه. وكان هذا العبء على عاتق سعد الحريري شخصياً، الذي تقبله وأراده وأيده إلى حد الإرهاق. وهو سرعان ما سيكتشف صعوبة الاستمرار في ذلك، مع قيام الثورات المضادة التي أرادها «النظام العربي». حينها بات المطلوب من الأعداء ومن الحلفاء: وقف السياسة وإسكات الإعلام.

يوسف بزي

موقع «المدن»

(اجزاء من نص اطول)

Loading...