طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

طرابلس والنضال المطلبي والوطني بين الأمس واليوم (الحلقة الأولى) …. الوزير رشيد درباس: الحرب الأهلية شقت المجتمع اللبناني. ربما تكون طرابلس درة المدن اللبنانية. لن يكون هناك «ربيع» لبناني

الوزير رشيد درباس متحدثاً الى «التمدن»

تعتبر الحرب اللبنانية محطة مفصلية ما بين زمنين أو مرحلتين على صعيد النضال المطلبي:

– «مرحلة ذهبية سبقت الحرب،

– ومرحلة ما بعد الحرب وتعتبر «إنهزامية»،

– حيث غابت الحركات المطلبية الشعبية،

– وتراجعت الأحزاب الوطنية إلى حد التلاشي،

– وانقسمت النقابات على نفسها فتحولت إلى أدوات بيد الحكام».

– حسب وصف من كانوا أصحاب الفعالية في المرحلة الأولى.

الوزير السابق و«المناضل الدائم» رشيد درباس

فما بين أوج النضال الشعبي وإنطفائه هناك رجال تركوا بصمات ما تزال محفورة في الذاكرة، من بين هؤلاء الرجال نقيب المحامين السابق، وزير الشؤون الاجتماعية السابق المحامي رشيد درباس الذي توجهت إليه  «التمدن» في هذا العدد لتسأله عن النضال الشعبي بين الأمس واليوم، وليُجيب على العديد من الأسئلة:

النضال المطلبي – السياسي

∎ هل بالإمكان ان تحدثنا عن وهج النضال المطلبي – السياسي الذي كان سائداً في مرحلة ما قبل حرب 75-76؟

أسوأ الآثار فقدان اللحمة الوطنية

– «علينا ان نعترف بأن أسوأ آثار الحرب هي فقدان اللحمة الوطنية والقواسم المشتركة المطلبية،

– فالانشقاق الخطير الذي أصاب المجتمع اللبناني، وخلق «الكانتونات» التي أصبحت تعيش في كل واحدة منها كثرة من لون معيّن،

جعل العمل الوطني فاقداً لرونقه،

– وأصبح العمل السياسي محكوماً بالتطرف الديني والمذهبي، وأصبحت الأصوات الطائفية أعلى من الأصوات الوطنية.

– هذا هو معيار التفرقة ما بين مرحلتي ما قبل وما بعد العام 1975».

دور الأحزاب والنقابات

∎ أي دور كان للأحزاب والنقابات في ذلك العصر؟

الحركة النقابية كانت عابرة للطوائف

«كانت النقابات في تلك المرحلة تعبّر  عن حيوية المجتمع، وإن لم تكن كل تصرفاتها صحيحة، لكنني أعتقد ان بعض النقابات غالت في مطالبها مما أدى إلى إقفال بعض المصانع وربما كان ذلك يطيب لأصحابها (المصانع)، حيث تحول بعضها، لاحقاً، إلى عقارات باهظة الثمن.

ولكن الحركة النقابية كانت عابرة للطوائف تعبر عن مصالح الكثرة من الفقراء ومتوسطي الحال.

عروبة الحركة الحزبية

– أما الحركة الحزبية الوطنية فقد كانت تتأثر بعروبتها،

– وكانت العروبة هي الأمر الطاغي الذي يتقدم على ما سواه،

– وتاريخ لبنان مليء بهذه الشواهد منذ ان:

– أُعدم المجاهد عمر المختار من قبل الايطاليين في ليبيا،

– مروراً بنكبة فلسطين،

– وحرب التحرير الجزائرية،

– وما إلى ذلك من أحداث.

المرحلة الناصرية

وكلنا نذكر المرحلة الناصرية التي إستطاع فيها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ان يوحد الأمة من محيطها إلى خليجها بالخطاب السياسي،

هزيمة 1967

ولكن علينا ان نعترف بأن هزيمة 1967 أصابت ذلك النهوض الوطني والقومي بنكسة كبيرة،

وفاة الرئيس

ثم كانت وفاة عبدالناصر التي زادت من آثار النكسة،

ومجيء السادات

– إلى ان قام أنور السادات بالصلح المشؤوم مع «إسرائيل»،

– فتهتكت المشاعر الوطنية وحدثت حالة نكوص خطيرة جداً،

– فذهب كثير من الناس إلى متحداتهم الطائفية والمذهبية،

– ونشأت صراعات من نوع آخر لا تمت إلى الوطنية بصلة».

القضايا المطلبية في الماضي والحاضر

∎ هل تعتقد ان القضايا المطلبية التي كانت تحرك الشارع في الماضي تختلف عنها في الزمن الحاضر، وكيف؟

بين الماضي والحاضر

– «أجل، تغيرت جداً،

– في الماضي كنا نسعى إلى تخفيض قيمة فاتورة الكهرباء، اليوم نسعى إلى وجود كهرباء.

– في الماضي كنا نطالب بتحسين شروط الوظيفة،

– اليوم نطالب بوظائف.

– في الماضي كنا نحاول الارتقاء بمستوى التعليم الرسمي،

– اليوم هذا التعليم أصبح في الحضيض.

إذلال المواطن وتدجينه

– هذه أمثلة على الفوارق الشاسعة بين تلك المرحلة وهذه المرحلة.

– المواطن على مدى هذه السنين جرى إذلاله بحرمانه من متطلبات العيش العادية،

– وبالتالي دُجِّن وأصبح الرأي العام مدَّجناً،

– واستطاعت الطبقة السياسية ان تتصرف على هواها وان تتهتك ما شاء لها التهتك،

– وان تغرق في فسادها دون ان تخشى حساباً من قبل الرأي العام الذي تعرض لما تعرض إليه طوال السنوات الماضية».

تداعيات الحرب الأهلية

 ∎ هل أرخت الحرب الأهلية بتداعياتها على حركة الشارع وأفقدتها دورها الذي كان رائداً في لبنان والمنطقة؟

وحدة الشعب تفرقت وصار قتل وخطف..

– «طبعاً، الحرب الأهلية فرقت وحدة الشعب،

– ووصلت إلى الخطف والقتل،

– وأصبحت الجروح في كل بيت يصعب اندمالها،

– ورغم ذلك إستطاع اللبنانيون، بعد «اتفاق الطائف»، أن يرمموا الدولة ولكننا لم نستفد من الفرصة،

وربما بتصرفات الطبقة السياسية الراهنة نؤهل للعودة إلى نكوص من نوع آخر، إذ زادت الدعوات الطائفية و«الفحيح» الطائفي والمذهبي».

تأثير الانقسام الطائفي – المذهبي

 ∎ وما مدى تأثير الانقسام الطائفي والمذهبي على التحركات المطلبية – الوطنية؟

«إن العمل الوطني كانت أرضه الخصبة منطقة الجنوب والطائفة الشيعية لِمَا عانت من حرمان، والآن ترى ان هذه الطائفة على تباين تام مع الطائفة السنية، وهذا لم يحدث في تاريخ العمل السياسي سابقاً».

دور قوات الردع العربية

∎ ماذا عن دور «قوات الردع العربية» السياسي في تراجع الحركة المطلبية وتراجع دور الأحزاب والنقابات؟

«كي أكون منصفاً،  لقد إستطاع الوجود السوري في لبنان أن يؤمن استمراراً للسلطة وإستقراراً بها على صعيد الطبقة العليا من الحكم،

ولكن في الوقت عينه حاول الامساك بكل مفاصل البلد من خلال تفرقة وتجزئة هذه القوى.

الغرض من وراء ذلك كان الحفاظ على شكل الدولة وتفريغها من الداخل.

بعد خروج السوري، شكل الدولة لا يحافظ على وحدته، ومازالت الدولة فارغة من الداخل».

الهيمنة على النقابات

∎ كيف تنظر إلى مصادرة أو هيمنة القوى السياسية على النقابات حالياً؟

القيادة يجب ان تكون من رحم النقابات

«هذا الأمر سيء للغاية،

لأن النقابات يجب ان تُفرز قياداتها من رحم مصالحها،

ومن الدور المطلوب منها كواحدة من محركات الحيوية في المجتمع،

أما عندما تصبح النقابات تحت سلطة الأحزاب، فإن تجربتي تقول:

«الأحزاب لا تختار من بين النقابين الأرقى شأناً والأكثر نزاهة، بل تختار الأكثر ولاءً وربما الأقل شأناً».

نقيبا المحامين والمهندسين «إستثناء»

ولكن هذا لا يحول  دون استثناءات، وبهذه المناسبة أنوّه بنقيبين محترمين جداً ينتميان إلى تيار سياسي ولكنهما يؤديان دوراً مميزاً، عنيت بهما النقيبين الحالين للمحامين وللمهندسين في طرابلس».

∎ هل تعتقد انه بالامكان اليوم استنساخ أو ظهور أحزاب جديدة تقود الشارع؟

لا «أتوقع»

«في هذه المرحلة لا أتوقع ذلك،

لأن الحيوية السياسية تكاد تكون في حالة بيات وخمود».

إفشال الحركات المطلبية

∎ شهد لبنان في السنوات القليلة الماضية تحركات مطلبية لم تحقق شيئاً، لماذا فشلت أو أُفشلت، وما هو تأثير قمع السلطة لها وفي أحسن الأحوال ملاحقة بعض ناشطيها؟

أمثلة لإجهاض أي تحرك

«هناك وسائل عديدة لاجهاض أي تحرك صحي، يكفي ان أضرب مثلاً:

ان لمّ النفايات أصبح قضية يختلف عليها أربعة ملايين مواطن، لكل واحد رأيه.

يكفي أن أقول بأن الكهرباء أصبحت وجهة نظر»!!

وأعتقد ان الحركات الجدِّية دائماً ما تتعرض لهجمات مضادة من قبل المستفيدين من هذا الاستنقاع والركود».

دور طرابلس

∎ هل بالامكان استعادة دور طرابلس التي كانت رائدة وسبَّاقة في التحركات المطلبية والوطنية والقومية والأممية أيضاً؟

أرى طرابلس درة المدن فعلاً

– «أتوقع لطرابلس تطوراً وفرصاً أراها بادية في الأفق،

– وربما  تكون المدينة في المستقبل درة المدن اللبنانية.

– أقول هذا الكلام ليس من تمنٍ أو توقع فقط، بل من خلال ما لمسته من مشاريع جدية لتطوير المدينة،

– وخاصة عندما كنت برفقة الرئيس تمام سلام والوزير السابق محمد المشنوق في زيارة «غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال»،

ما قدمه رئيس الغرفة توفيق دبوسي يؤكد ذلك

حيث شرح لنا رئيس الغرفة الأستاذ توفيق دبوسي فكرته حول إنشاء «مرفأ طرابلس» الذي يمتد من الميناء إلى «مطار القليعات»،

ولم يكتفِ بعرض هذه الأفكار، بل طلب دراسة معّمقة من قبل الصينيين الذين قدموا هذه الدراسة،

وهو يحاول الترويج للفكرة لدى جهات عديدة،

وزيارة السفيرة الأميركية الغرفة كانت لهذا الغرض.

وأنوه بما تقوم به الغرفة ورئيسها

وأعتقد ان الدور الذي تقوم به الغرفة مهم جداً وأنوّه به وبما يقوم به رئيسها».

«الثورة من فوق»

∎ حدثنا عن مقولة الرئيس صائب سلام والتي تبناها بيار الجميل: الثورة من فوق حتى لا تأتي من تحت؟

تحتاج لرجال فوق

«الثورة من فوق تحتاج إلى رجال من فوق».

«ربيع لبناني»

∎ هل تعتقد ان الأزمات المعيشية الخانقة قد تؤدي إلى «ربيع لبناني» وإن بشكل مختلف عما حدث في بعض البلدان العربية؟

لا أظن

– «لن يكون هناك «ربيعاً» لبنانياً مثل ما حدث في بلدان عربية،

– علماً انه بدأ حقيقياً برائحة عطر الليمون الحقيقية،

– فدخلت إليه بعد ذلك الروائح الطائفية والمذهبية والمخابراتية، فأفسدته،

– ولا أظن لبنان مهيأ لأمر كهذا».

الواقع الوطني مستقبلاً

∎ كيف تنظر إلى الواقع الوطني والقومي المستقبلي؟

بإنتظار ما ستسفر عنه الصراعات الإقليمية

– «لبنان مرتهن حالياً لحالة الصراع الناشئة إقليمياً ودولياً،

– لقد مضى الزمان الذي يستطيع فيه اللبنانيون ان يتداركوا الأمر،

– وان يتصالحوا أو يعقدوا هدنة أو يتفقوا على الدولة الجديدة، أو ان يتفقوا على شكل تسييرها،

– ولذلك نحن في حالة انتظار عما ستسفر عنه الصراعات الإقليمية،

– ولكن الواجب الوطني الأمثل في هذه المرحلة يقتضي منا المحافظة على شكل الدولة».

قضايا ملفقة

∎ أين تضع إستهداف بعض الشخصيات اللبنانية بقضايا ملفقة وإثارتها كما بالنسبة للرئيس فؤاد السنيورة؟

«زوبعة في فنجان»

«وصفها الرئيس السنيورة بـ «زوبعة في فنجان».

وللأسف فإن بعض الذين يتحدثون عن الفساد يتحدثون عن فساد عند غيرهم ويغضون الطرف عما لديهم،

وينبشون في قضايا من الماضي لإثارة الضغائن وهم يعلمون أن ما ينبشونه كذب بكذب».

في العدد المقبل

«التمدن» سوف تواصل نشر شهادات من شخصيات كان لها دورها في الحزاك السياسي والاحتماعي. وإلى اللقاء في العدد المقبل مع مناضل آخر صامد في وطنيته وقوميته وإنسانيته هو المحامي حسين ضناوي.

«التمدن»

من تظاهرات ايام زمان
في سبعينيات القرن الماضي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.