طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«الحراك الشعبي بين الأمس واليوم» (الحلقة الثالثة) د. عاطف عطية: «النقابات أصبحت تابعة للأحزاب الطائفية» و«لم يعد ممكناً جمع الناس في مكان واحد وإن كانت مطالبهم واحدة»

من تظاهرات التضامن مع فلسطين في ساحة التل

في العددين السابقين نشرت «التمدن» حلقتين من ملف: «الحراك الشعبي وحراك المجتمع المدني بين الأمس واليوم»،

وفي كل حلقة يكون الحوار مع شخصية عاصرت الحِراكات النضالية والمطلبية قبل وبعد إندلاع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ذلك التاريخ الذي يُعتبر مفصلاً بين عصرين أو مرحلتين في لبنان.

– الحلقة الأولى مع الوزير رشيد درباس،

– والحلقة الثانية كانت مع المحامي حسين ضناوي،

– في الحلقة الثالثة هذه كان الحوار مع المدير السابق لـ «معهد العلوم الاجتماعية» في «الجامعة اللبنانية» (الفرع الثالث) د. عاطف عطية، وجاء في الحوار:

∎ هل بالإمكان ان تحدثنا عن وهج النضال المطلبي – السياسي الذي كان سائداً في مرحلة ما قبل «الحرب الأهلية» 75-76؟

– «العمل المطلبي هو عماد العمل السياسي في أي بلد في العالم، فإذا لم يكن همّ السياسة المطالبة بحقوق الناس الذين تمثلهم أو تدافع عنهم تكون الحركة السياسية مثالية، وعندما يكون العمل السياسي مرتبطاً بأحزاب ومنظمات ومؤسسات مدنية يصبح له معنى،

باعتباره يمس حياة المواطنين اليومية، إذ يجب ان لا نهتم فقط بالشؤون الوطنية والقومية، فالمهم ان يدرك المواطن بأن مصلحته تتأمن إذا كان مرتبطاً بالمنظمات والمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية…».

لدى بعض الأحزاب كانت القضايا الوطنية والقومية اهم من القضايا المطلبية

عاطف عطية

أضاف: «عندما كان لبنان يعيش مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين كان العمل السياسي في أوجّه ولكنه كان مرتبطاً بالمسائل الوطنية والقومية وفي مقدمها قضية فلسطين والنضال ضد الرأسمالية والإمبريالية، وكانت القضايا المطلبية تشغل هامشاً صغيراً لدى بعض الأحزاب.

منذ تلك الفترة النضالية وحتى ما بعد الحرب الأهلية بسنوات كان الهم الأساسي الاهتمام بشؤون الناس،

ولكن لم نكن نتوقع الوصول إلى زمن تصبح فيه القضايا المطلبية الهمّ الأساس…

فعندما دخلنا مرحلة الحرب، وصرنا نقف بالطابور للحصول على الخبز والماء،

صرنا نعرف معاناة بعض شرائح المجتمع ومعاناتهم اليومية (ممارسة الفقر).

لقد كانت القضايا المطلبية مرتبطة بالحركة الوطنية،

والمنافسة بين «اللبنانيين» اليمينيين من جهة واللبنانيين اليساريين (العروبيين) من جهة ثانية، كانت على جلب أكبر عدد من المناصرين، وكانت النقابات تمثل الحركات المطلبية، فالنقابات، بالمفهوم السائد مسؤولة عن تأمين متطلبات الناس والمنتسبين إليها،

وكان الهامش محدداً بين الأحزاب والنقابات، وكان الدور الأكبر لاتحاد العمال. حتى ان بعض الأحزاب بنت أمجادها وحضورها على أعمالها المطلبية – النقابية، وقد حققت العديد من المطالب».

كان الإتحاد العمالي ينتزع الحقوق من السلطة.. أما اليوم…؟

د. عاطف عطية أضاف: «ما نراه اليوم من تدنٍ للأجور لم يكن سائداً في الماضي، وهذا ناتج عن ترهل العمل المطلبي لتحسين الأوضاع المعيشية، ولأن الاتحادات النقابية بدل ان تكون بأيدي النقابيين بالتعاون مع الأحزاب السياسية إنقلبت هذه المعادلة إلى نوع من التبعية النقابية للأحزاب وللسياسيين.

في ذلك الزمن كان «الاتحاد العمالي العام» ينتزع العديد من حقوق الناس من السلطة، إلى ان وصلنا إلى زمن لم نعد نسمع ما تريده الحركات المطلبية، وصارت النقابات تابعة للدولة وليس للمجتمع».

 القضايا المُحركة للشارع أمس واليوم

∎ هل تعتقد ان القضايا المطلبية التي كانت تُحرك الشارع في الماضي تختلف عنها في الزمن الحاضر؟

– «لا شك في ذلك، فقد حصل تحول كبير في كيفية التعاطي مع الحركات المطلبية من قبل عامة الناس، وهذه مسألة عالمية، إذ تُبين الدراسات عدم وصول نسبة المنتسبين إلى النقابات خمسة بالمائة، لأن الناس لم يعودوا يشعرون بأن النقابات قادرة على تقديم ما هو مطلوب منها، يرون أنها صارت في مكان آخر، حتى في البلدان المتطورة، وقد صارت هذه البلدان هي من يعتني بالإنسان ومن خلال المؤسسات الرسمية فتراجع دور النقابات. أما عندنا فما تزال المسألة خاضعة لكثير من التساؤل، لأن البلدان النامية فيها طغيان للدولة على المجتمع (خاصة في لبنان والبلدان العربية)، بحسب ما يُرضي أركان الدولة الذين يهمهم الاستمرارية، للحصول على ولاء الناس يقدمون لهم «الفتات» لاسكاتهم ولذلك ينسجون علاقات مع قادة الفئات المطلبية الذين يصبحون تابعين للدولة توجههم كما تريد».

 تداعيات الحرب الأهلية

∎ هل تعتقد ان الحرب الأهلية أرخت بتداعياتها على حركة الشارع وأفقدتها دورها الذي كان رائداً في لبنان والمنطقة؟

«الحرب تكمن خطورتها في انها فرزت الناس، فنحن نعيش في زمن ليس للمواطن فيه من وجود قانوني وشخصي وإنساني خارج إطار جماعته، أي الفئة التي ينتمي إليها، فالطائفة مسؤولة عن رعاياها وليس عن مواطنيها.

الدولة مسؤولة عن مواطنيها إذا كانت موجودة، لذلك عندما لبست الحرب الوجه الطائفي القذر غطت على كل شي من مطالب وغيرها حتى أصبح كل واحد مأسوراً مسجوناً ضمن إطار سجن الطائفة،

ومن يكون خارج هذا الإطار يشعر بأنه بلا غطاء، وكي يحمي نفسه،

ينتمي إلى حزب علماني،

أو يهرب من البلد،

أو يعيش في خطر دائم،

وأضحت الطائفة هي الملاذ.

ولأن الحرب تحولت إلى صراع بين طوائف، وإن كانت مغطاة بشعارات ومطالب وقضايا أخرى، فقد شعر المواطن ان أمانَهُ في ان يكون مع طائفته، أي عليه السير بحسب ما تقتضيه مصالح الطائفة التي تحركه كيفما تريد وحسب مصالحها.

ولم يعد ممكناً جمع فئات المجتمع في مكان واحد رغم ان المطالب واحدة، لذلك الدولة مطمئنة إلى عدم حدوث أي تحرك بوجهها، فهي تشتري «الاتحاد العمالي» والنقابات،

فتضمن سكوتهم».

إنكفأت الأحزاب السياسية فظهرت الأحزاب الطائفية

المدير السابق لـ «معهد العلوم الإجتماعية» في «الجامعة اللبنانية»  د. عاطف عطية تابع:

«منذ عشرات السنين لم تفعل أية حكومة شيئاً دون إضرابات واعتصامات، «الجامعة اللبنانية» خير مثال، وكذك العمال وغيرهم، فالدولة لا تقدم شيئاً إلاّ تحت الضغط، وهذا ما هو قائم في بلدان العالم، ولكن في لبنان بشكل أكبر بكثير.

ومع إنكفاء الأحزاب التي كانت تحمل قضايا ومطالب الناس ظهرت أحزاب طائفية ذات وجوه سياسية، يدفعون مناصريهم للتصارع وهم – قادة الأحزاب – يتبادلون القُبل، ويتشاركون في الحكومات والمشاريع. عندما يتم التوافق الطائفي لا يعود من وجود لأي مطلب إلاّ من خلال الطائفة».

نعيش في نظام مغلق

وأكد «أننا نعيش في نظام مغلق لا يمكن النفاذ من خلاله إلى أي عمل مطلبي إلاّ من خلال ممثلي الطوائف.

هل يُعقل…؟

والمشكلة أيضاً أنهم يتمسكون بالمناصفة الوظيفية رغم الخلل الديموغرافي بين المسلمين والمسيحيين، ولذلك تُلغى الوظائف إذا لم تتوفر المناصفة، فهل يُعقل ذلك وكيف؟».

الأحزاب التغييرية لم تعد موجودة

∎ ما مدى تأثير وجود الأحزاب السياسية في الحكومات على مطالب الناس؟

«بالتأكيد، في نظامنا السياسي إئتلاف بين المتناقضين سياسياً واجتماعياً وثقافياً…

فالعمل السياسي – التنفيذي من قبل الحكومة يكون بالتوافق بين الفرقاء، وإذا كان لأي طرف أي مشروع يريد تنفيذه فعليه إرضاء الطرف الآخر بتمرير مشروع له (المحاصصة). ومن يريد التحدث باسم الشعب وعن مصالح هذا الشعب لا يجد له مكاناً بينهم. والأحزاب التي تعتبر انها تغييرية إما أصبحت تابعة لأحزاب طائفية أكبر أو اصبحت خارج السلطة والمجلس النيابي».

حتى القضايا الصحية والإنسانية لا إجماع عليها!

∎ ما مدى تأثير الانقسام الطائفي والمذهبي على التحركات المطلبية والوطنية؟

«عندما تصبح الطائفة هي هدف وغاية المواطن لا تعود هناك حاجة لأحد بأن يخرج من هذا الإطار (الطائفي). والانقسام ينعكس على كل المسالك في البلد، وليس على المسلك المطلبي أو الوطني فحسب:

– وسائل الإعلام،

– المراكز التجارية،

– دور السينما،

– الشوارع،

– و…

كلها ذات طابع طائفي – مذهبي، فكيف يمكن التآلف بين هذه المتناقضات والسير سوياً من أجل القضايا المطلبية.

حتى القضايا الصحية والإنسانية التي تعني الجميع وتطالهم أضرارها لم تعد تجمع الناس بالرغم من إدراك المخاطر إلاّ ان الحواجز الطائفية والمذهبية تحول دون التوافق الشعبي على القضايا المطلبية».

في لبنان 18 طائفة تضاف إليها طائفة الحكام

∎ كيف تنظر إلى مصادرة أو هيمنة القوى السياسية على النقابات حالياً؟

«عندما تكون النقابات منقسمة سياسياً يكون العمل النقابي فاشلاً، الأحزاب الموجودة حالياً هي طائفية، والصوت المجلجل طائفي أيضاً، وهو يمنع تشكل قوى مشتركة. في لبنان 19 طائفة وليس 18، إذ هناك «طائفة الحكام» الذين يظهرون للعيان أنهم مختلفون لكنهم في الحقيقة متفقون ويمنعون أي تغيير.

إنسانية الإنسان في النقابة لا الطائفة

النقابة شأن حديث وراق والانتساب إليها إختياري، ما يعني تجاوز المصالح الشخصية من أجل المصلحة العامة. فإنسانية الإنسان تتحق في النقابة ولا تتحقق في الطائفة».

المدى المنظور وإمكانية ظهور أحزاب وطنية

∎ هل هناك إمكانية لـ «إستنساخ»، أو ظهور أحزاب وطنية جديدة في لبنان تقود الشارع؟

«لا أرى ذلك في المدى المنظور، إذ هناك صعوبة في تقهقر قوة الفئات الحاكمة اليوم والسماح بتكتل قوى جديدة، ولكن بمنطق التاريخ، لا بد من ان يصح الصحيح وتتغير المعادلات والذهنيات.

ولا بد من الوصول يوماً ما، إلى قناعة بأن الحياة مشتركة بين الناس وهذا ما سيتبلور بوضوح، الحياة تجبرنا على ان نكون سوياً بصرف النظر عن أي شيء آخر.

وكل تعصب أو توتر طائفي هو كذب ونفاق يقوم به البعض من أجل مصالح خاصة، يستغلون الدين لأجل مآرب أخرى».

∎ شهد لبنان في السنوات القليلة الماضية تحركات مطلبية لم تحقق شيئاً لماذا فشلت أو أُفشلت، وما هو تأثير قمع السلطة لها وفي أحسن الأحوال ملاحقة بعض ناشطيها؟

– «السلطة «إستوطت حيط» كل الجماعات المطلبية التي لم تستطع حشد الناس في تحركاتها. والمقتنعون بالمطالب لا ينزلون إلى الشارع، بينما في الماضي لم تكن الشوارع تتسع للمتظاهرين، ولم تكن السلطة تجرؤ على المواجهة في ذلك الوقت، أما اليوم فقد فقدت التظاهرات والاعتصامات وهجها وزخمها ورمزيتها لعدم الاقتناع بالنزول إلى الشارع خاصة بعد الحرب».

أضاف: «الدولة تعطي بحسب قدرتها، كما يقول المسؤولون، وبالمقابل لا يسافر هؤلاء إلاّ بطائرات خاصة، وينفقون الأموال الطائلة على ما يحقق رغباتهم،

تخيل كيف يدفع 12500 دولار لفتح صالون الشرف، لمدة ساعة، لوزير الخارجية جبران باسيل، وكيف يدفع بدل إيجار شقة للسفيرة في لندن (زوجة الرئيس نبيه بري) 750 ألف دولار سنوياً…». فكيف سنحصل على أموال «سيدر» و«باريس» إذا لم تُنفذ الشروط والمطالب اللازمة من قبل الدول والمؤسسات المانحة والمقترضة؟!».

الثورة بحاجة إلى حزب علماني عابر للطوائف

∎ هل تعتقد ان الأزمات المعيشية الخانقة قد تؤدي إلى «ربيع لبناني» وإن بشكل مختلف عما حدث في بعض البلدان العربية؟

«لا يمكن ان تنجح «ثورة» في لبنان بظل الوضع القائم حالياً. لبنان قائم على خمسة أعمدة (زعماء) لا أحد منهم يستطيع تخطي الآخر أو الدخول إلى منطقته، لذلك لا تقوم «ثورة» في لبنان إلاّ بـ «حزب علماني» يتخطى الطوائف ويضم نسباً متناسبة من جميع الطوائف، ويتعاطى مع الكل بسواسية،

وكي نصل إلى هذه المسألة نحتاج إلى وقت طويل، كما نحتاج إلى من يقود هكذا حزب ليقوم بهذه المهمة.

الموجودون حالياً ليست لديهم القدرة والشخصية للقيام بهكذا نوع من العمل».

لم نصل لمرحلة الثورة

∎ ما هو تعليقك على مقولة صائب سلام، والتي أيدها بيار الجميل: «الثورة من فوق حتى لا تقوم من تحت»؟

«كل الثورات التي تحصل في بلادنا هي من فوق (إنقلابات)، إنه صراع على السلطة بين أجنحة إختلفت بالممارسة السياسية. الثورة بالمعنى اللغوي والشرعي هي «فتنة»، لذلك كان يقال في التاريخ القديم «حصلت فتنة بين كذا وكذا». لا يوجد شيء اسمه ثورة، والتربية الشرعية تقول بالانقياد للحاكم حتى لو كان ظالماً. لم نصل إلى مرحلة ثورة، على سبيل المثال «الربيع العربي» وُلِدَ قبل وقته، أي أُجهض جنيناً، فالثورة بحاجة إلى مقومات أولها تمثيل شريحة لا بأس بها من الناس، وثانيها البرنامج».

∎ هل بالامكان إستعادة دور طرابلس التي كانت رائدة وسبّاقة في التحركات المطلبية والوطنية والقومية والأممية أيضاً؟

«لا إمكانية بأن تصبح طرابلس مميزة إلاّ بإرادة أهلها، في المدينة لا توجد إشارات سير، بينما موجودة في القرى المحيطة، لا توجد كهرباء ولا نظافة ولا…. كل هذه الأمور ترتبط بالحالة الاجتماعية وبالذهنية السائدة، هناك حاجة إلى التوعية والتوجيه.

القيم الدينية الإسلامية متوفرة ومميزة ولكن يجب العمل بها كي لا يكون الناس مسلمين بالاسم والهوية فقط. لا يكفي ان تحب طرابلس، بل يجب ان تبرهن ذلك عملياً.

زعماء المدينة يعرفون ما تحتاجه لكنهم لا يفعلون شيئاً، والمسؤول عن المدينة أهلها ثم الدولة».

Loading...