طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

حول الحراك الشعبي بين الأمس واليوم …«التمدن» تسأل ونهلة الشهال تجيب

نهلة الشهال متحدثة الى «التمدن»

■ الحرب الأهلية دمرت المسار الطبيعي للأفكار

■ المنظومة السياسية إستطاعت تشويه التحركات وتخريبها

■ هناك حاجة موضوعية لولادة أحزاب ونقابات ليست متوفرة حالياً

■ فترات الأزمات ليست هي التي تخلق حركات مطلبية

■ طرابلس كان لها كيان قائم بذاته لم يعد موجوداً

■ المهيمنون على السلطة منقطعو الجذور وليس لديهم إحساس بالانتماء

■ من يهيمنون اليوم هم أناس متقطعو الجذور عن أي بنية راسخة في المجتمع، وهم عبارة عن مجموعة لصوص ونهّابين، وليس لديهم أي إحساس بالانتماء

«الحراك الشعبي بين الأمس واليوم»، هو عنوان سلسلة من المقابلات التي تجريها «التمدن» مع عدد من المناضلين والمكافحين في الأمس البعيد، والذين شاركوا وتركوا بصمات في صفحات النضالات اليومية المطلبية والوطنية والقومية في مرحلة ما قبل الحرب اللبنانية (1975)، والتي تُعتبر محطة مفصلية في المتغيرات التي شهدتها الساحة اللبنانية بين زمنين، ما قبل وما بعد الحرب.

في الحلقة الرابعة كان حوار «التمدن» مع الناشطة والمناضلة الطرابلسية د. نهلة قصدي الشهال، وقد جاء في الحوار ما يلي:

قبل 1975 كان «النهوض عالمياً»

■ هل يمكن ان تحدثينا عن وهج النضال المطلبي – الشعبي والسياسي في زمن ما قبل الحرب اللبنانية عام 1975؟

– «في تلك الفترة كان النهوض عالمياً إن في الحركات المطلبية أو الأفكار بما فيها المنطقة العربية، وخاصة بعد الانتفاضات الطلابية في أوروبا عام 1968 وتلك الانتفاضات العمالية العارمة.

بعد هزيمة 1967 ظهر «اليسار الجديد»

وبالنسبة لنا كعرب كانت «هزيمة 1967 المجلجلة» والتي أدت إلى نشوء ظواهر سياسية سُمّيت «اليسار الجديد» في مختلف البلدان العربية بما ان «اليسار القديم» تعب ولم يعد يؤدي دوره،

بالإضافة لذلك ظهرت «المقاومة الفلسطينية»، وأيضاً العوامل العديدة في جو حيوي، ليس كما الجو التراجعي السائد في هذه الأيام حيث: يصل شخص مثل «ترامب» إلى السلطة، وتنقلب البرازيل (الرئاسة) على من صنعوا التغيير الواسع فيها.

اليوم أصبحتُ مؤمنة بأن هناك موجات مختلفة لا مجال للحديث عن أسبابها، وأعتقد أن موجة عمّت المنطقة العربية بعد النكبة الثانية (نكسة حزيران 1967) . بعدها وُلِدت حركة طلابية قوية جداً لديها شعور بالاستقلالية، ليست خاضعة أو فروعاً في أحزاب.

كان هناك نضال مطلبي وموجة على مستوى الأفكار الجديدة التغييرية والتي ترفض الهزيمة، كانت أجواء جديدة لا تقارن بموجة 2010-2011 والتي سُمّيت «الربيع العربي».

الحرب دمرت «كل الأشياء»

أضافت: «الحرب الأهلية اللبنانية دمرت كل هذه الأشياء، كما كل الحروب الأهلية التي تُدمر المسار الطبيعي للأفكار وللحركة على الأرض، بسبب حلول قوانين مختلفة تحكم البشر.

قبل الحرب كان هناك نهوض على مستوى المطالب والتحرك السياسي والأفكار، واعتقد بوجود علاقة وطيدة بين هذه الأمور، فالناس تدافع عن حقوقها وتطالب بالتغيير عندما تتوفر لديها قناعات معينة متبلورة».

كان الناس يدفعون الأحزاب للتحرك

 ■ وماذا عن دور الأحزاب والنقابات في تحريك الشارع، في ذلك الوقت؟

– «ما بين 1967 و1975 كان للأحزاب حضورها، لكن لم يكن أساسياً، إذ كان الغالب هو الطابع الشعبي، وكان الناس يدفعون الأحزاب للتحرك.

على سبيل المثال كانت الأحزاب موجودة في إتحاد الطلاب، لكن كان الأساس هو ما الذي تريده الحركة الطلابية، لذلك كان هناك توازن ما بينهما».

■ هل إختلفت القضايا التي كانت تُحرك الشارع، في ذلك الوقت، عنها في هذه الأيام؟

– «على مستوى الوجدان الاختلاف متعلق بالأمل وبالإحساس بالقدرة على التغيير. أعتقد ان الحرب اللبنانية ولّدت شعوراً لدى الناس بوجود قوى سياسية أقوى منها ومن رغبتها وقدرتها، والإحساس العميق باللاجدوى.

تحرك الطلاب بشأن النفايات

لقد كنت سعيدة بتحرك الطلاب الجامعيين بشأن النفايات التي كان «يتقاتل» عليها «بارونات السياسة» باعتبارها «منجم ذهب» ولم يكن لديهم أي شعور أنه تكدّس للنفايات معيب.

وعندما تكدست النفايات في بيروت شعر الناس بالإهانة وبأن السياسيين لا يحسبون حساباً لهم «ويتقاتلون» على الحصص. كانت ردة الفعل صحيِّة ممن رفضوا الأمر.

المنظومة السياسية إستطاعت التخريب وتشويه التحركات واستيعابها و«اللعب» على الانتهازيين.

وهناك الكثير من المسائل التي تستوجب تحرك الشارع إلاّ ان الاحساس بالعجز واللاجدوى يحولان دون تحرك الناس».

التحركات فشِّلَها عدم وجود «رأس قيادي»

■ لماذا فشلت أو أُفشلت التحركات الشعبية التي حصلت في السنوات القليلة الماضية خاصة ان بعض رموزها تعرضوا للاعتقال والضغط، وما هو تأثير قمع السلطة على هذه التحركات؟

– «فشلت أو أُفشلت نظراً لغياب الرأس القيادي.

وبالاجمال الطابع العفوي هو سمة التحركات غير المنظمة وغير المهيكلة التي حصلت في لبنان والمنطقة.

على سبيل المثال أصحاب «السترات الصفراء» في فرنسا ليست لديهم قيادة، خليط من تيارات مختلفة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وغير الحزبيين والمتحزبين و…. يضاف إلى ذلك دخول المستغلين والطامعين على الخط، وأيضاً القمع والتشويه…».

■ إذا كانت الحرب اللبنانية قد ارخت بتداعياتها الكبيرة على حركة الشارع، ماذا عن دور الوجود السوري السياسي – الأمني وتأثيره عل تراجع الحركة المطلبية – الوطنية؟

– «هذا الدور كبير جداً.

وجود قوة خارجية مهيمنة تبطش، لحسابات مختلفة، وقد عمل السوريون على إستقطاب ناس وتخويف آخرين، وقتل ناس واعتداء على ناس، والاعتداء على ناس وتخويفهم، مما لجم الشارع. كما تدخلوا بشق الأحزاب، ولكن ذلك لا يعفي عناصر ذاتية أودت بحركات إلى ان تتعب وتُفلس ولا تجد ما تقوله، أو ما تقوله ليس مسموعاً من الناس».

الطائفية والمذهبية والإنقسام أجزاء من «منظومة»

■ ما مدى تأثير الانقسام الطائفي والمذهبي، بعد الحرب، على الحركات المطلبية؟

– «أكيد هناك تأثير، وأيضاً الانقسام المذهبي والطائفي هو جزء من منظومة.

على سبيل المثال عندما كان يتظاهر الشباب من أجل ملف النفايات، وردت إليهم أسئلة عن أسباب التظاهر أمام السرايا الحكومية، أي (هل) تستهدفون الرئيس الحريري، فتظاهروا أمام البرلمان لخلق توازن بين بري والحريري، بين السنّة والشيعة،

فأنزل إليهم بري «زعرانه» الذين تعرضوا للمتظاهرين بالضرب… وهكذا.

إنه جزء من استيعاب أي حراك حتى لو كان مُخْترِقاً للطوائف والمذاهب، إذ يجري التلاعب به وقمعه وتزويره».

تظاهرات «هيئة التنسيق» ضربها تحالف «أمل» – «حزب الله»

■ كيف تنظرين إلى مصادرة القوى السياسية للنقابات ودورها والهيمنة عليها؟

– «هذه ظاهرة عالمية، في فرنسا، على سبيل المثال، تبلغ نسبة المنتسبين إلى النقابات 8 بالمائة هذا أمر مرعب.

اعتقد ان الوضع في لبنان مفكك، وبالرغم من ذلك هناك حركات مطلبية منها تظاهرات «هيئة التنسيق النقابية» التي «ضربها» تحالف «أمل» – «حزب الله» لمصلحة الأطراف السياسية الأخرى في النظام، لكن هذا الحراك أصبح قوياً وقادراً، فجرت مفاوضات ومساومات على هذا الحراك، دون أن يسألوا عن حقوق الأساتذة، خاصة ان الأمر تصيب خطورته التعليم الذي يُعتبر إستثماراً بالمستقبل يصعب تصحيحه إذا ما إنهار».

■ هل هناك إمكانية لـ «إستنتساخ» أحزاب ونقابات جديدة تقود الشارع؟

– «أعتقد كلا… هناك حاجة موضوعية ليست متوفرة حالياً، نمر حالياً بفترة هبوط وإنحدار لكنها سوف تنتهي في وقت ما، وهذا يتطلب القبول بأن التاريخ والمجتمع لا يمشيان بطريقة «إراديوية»».

خوف عميق من غدٍ مجهول يبدو انه «أسود»

■ هل الأزمات المعيشية القائمة حالياً قد تؤدي إلى «ربيع لبناني» وإن بشكل مختلف عما حصل في بعض البلدان العربية؟

– «المحللون في «الفيزيولوجيا» السياسية يقولون ان فترات الأزمات ليست هي التي تخلق حركات مطلبية. هناك مخاوف لدى الناس وشائعات حول إنهيار الوضع الاقتصادي وقيام المانحين بسحب الغطاء الذي إستفحل إستغلاله،  وإن ما حصل في اليونان يُعتبر «مزحة» لما قد يحصل في لبنان، فهذا البلد بلا موارد.

أعتقد ان الناس بمن فيهم الأغنياء، خارج «نظام السرقة»، يخافون على أوضاعهم، وهم يخافون مما قد يحصل، ويصل الخوف إلى من هم أدنى.

أجزم ان الخوف العميق من غدٍ مجهول يحكم الناس في لبنان، ويبدو انه غد أسود».

«كيان طرابلس» السابق لم يعد موجوداً..

■ هل تعتقدين بامكانية إستعادة طرابلس لدورها المشرق؟

– «كلا، فدورها كان على علاقة بكيانيتها، فطرابلس كانت مركز متصرفية، كان لها كيان قائم بذاته لا علاقة له بلبنان، بل على علاقة بالداخل العربي. مثلاً في طرابلس نقابات مستقلة عن نقابات بيروت.

ذاك الكيان لم يعد موجوداً لسببين، أولاً لم يعد قائماً موضوعياً خصوصاً بعدما أُغلق الداخل العربي ثم تعرض للخراب، وقُطعت العلاقة الاقتصادية بالمحيط العربي.

ثانياً: لبنان كله مأزوم، وطرابلس مهمشة، وتغيرت طبيعة المحيط وظهرت أنظمة مختلفة».

مقولة الأمس «الثورة من فوق حتى لا تأتي من تحت» ماذا عنها اليوم؟

■ الرئيس الراحل صائب سلام كان قد قال: «الثورة من فوق كي لا تأتي من تحت»، وقد أيده الراحل بيار الجميل، اليوم هل يمكن ان تقع ثورة من فوق لمنع وقوع ثورة من تحت؟

– «زمن صائب سلام والطبقة السياسية التي كان ينتمي إليها، ومع كل ما يمكن ان نقوله عنها مختلف تماماً عما هو قائم اليوم.

من يهيمنون اليوم هم أناس متقطعو الجذور عن أي بنية راسخة في المجتمع، وهم عبارة عن مجموعة لصوص ونهّابين، وليس لديهم أي إحساس بالانتماء.

القيادات التقليدية التي كانت في الماضي كان عندها إحساس بالمسؤولية وبالانتماء،

أما الطبقة السياسية اليوم فهي تماماً مثل الفطر الذي يُنَبِّتوه فوق المسطحات، هؤلاء ليس لديهم أي مفهوم للمصلحة العامة.

المسألة المركزية هي المصلحة العامة التي لم تعد موجودة، وكل ما يشاع عن النهب وفقدان المليارات لا يهمُّهم، كل همهم هو النهب ثم الهروب».

لن تبقى المنطقة في «بؤس»

■ كيف تنظرين إلى المستقبل الوطني والقومي في المنطقة؟

– «لا أعتقد ان المنطقة ستبقى في وضع بائس كما هو قائم اليوم. المنطقة تعرضت لهجوم مركز لم يشهد العالم له مثيلاً، والسبب بسيط هو قربنا من العالم الأوروبي المزدهر، لدينا الكثير من الثروات والموارد.

زُرعت «إسرائيل» في وسطنا، ولكن لم تستطع الهيمنة، تستطيع الغزو لكنها مرفوضة. يخرج شباب صغار بوسائل بدائية يطعنون الجنود الإسرائيليين.

أعتقد ان التركيز على تدمير العراق. ونهبه يتجاوز قدرة العقل البشري على إستيعابه. النظام الحاكم في مصر، وغيره من الأنظمة وما تنتهجه من أساليب.

ما الذي سيحصل؟ هل سيرمون علينا قنبلة نووية؟

بالتأكيد هناك شيء ما سوف يولد في سياق ما. أعتقد ان سنة 2011 كانت تجربة تعرضت للاستيعاب والقمع والانحراف… لكنها «بروفة» لانفجار تجاوز الانفجارات التي كانت تسمى «ثورات الجوع».

في بلادنا العربية ظواهر مقاومة تعرضت للقمع من قبل أنظمة منقطعة الجذور ونهّابة، أنظمة تتفاوض على «صفقة القرن» من أجل البقاء في السلطة، وكل ما يقدموه لا يرضى به «ترامب». وهناك ممارسة سطحية للسلطة».

Loading...