دكتاتورية الفساد الشاملة… التجربتان المؤسفتان: موقف القضاء والعسكر المتقاعدين

قيل: «في لبنان حريات كثيرة وديمقراطية قليلة»، والفرق بين الحريات في لبنان والديمقراطية، هي ان:
الأولى سائبة وعشوائية وتفتقد جوهر معنى الحرية،
أما الديمقراطية فهي حرية ضمن حدود القانون الذي يُعِدّه الشعب بإرادته المستقلة.

الحريات العشوائية
الحريات العشوائية في لبنان، صنعت منه بلداً غير مفهوم وغير متوازن وعاجز عن ان يتقدم باستقرار وأفق يصنع منه تجربة ديمقراطية متقدمة ومميزة وخاصة في المحيط والفضاء السائدين في الجوار.
خارج القانون
حقيقة الحريات العشوائية انها خارج القانون وخارج أبسط القواعد التي تؤسس لنظام قوي قادر على ان يحقق توالداً داخلياً في مجال العدالة والأمن والاستقرار…
كثيراً ما قلنا ان الفساد يستشري في البلاد.. وكثيراً ما نطلق العنان لألسنتنا بالاتهامات وهي في غالبها صحيحة ولكنها مجانية، بمعنى انها لا تحمل في داخلها القدرة على التغيير والتعديل ومحاربة الفساد والإعوجاج. وتلاشي هيكلية نظام المؤسسات الذي لا يمكن لدولة عصرية ان تقوم دون ان تعتمد عليه.
الفاسدون لا يخشون الكلام
كنا نتكلم،
جميعنا نتكلم،
في الهمس نتكلم،
وبأصوات عالية نتكلم،
وبجرأة، ما كانت لتتوفر وتستمر لولا ان الفاسدين لا يشعرون بأهمية الكلام ولا يخشون من أي كلمة قد تسبب لهم وصمة عار..
نصرخ: فاسدون «كلهم يعني كلهم»
نصرخ… الجميع فاسدون…نصرخ… «كلهم يعني كلهم»…
وفي لحظة يقف مراسل تلفزيون أمام مبنى مجلس النواب ويقول، هكذا ببساطة.
«ان النهب والسرقة، في المبنى ورائي»…
كلمات مرعبة في منطق أي دولة ونظام…
ولكنه منطق سائد والأسوأ منه انه لا يشكل أي ردة فعل من المتهمين… وهذا ما يجعل الفساد… ليس حالة طارئة، يمكن ان تمر، بل هو بنية عميقة الجذور في النظام والدولة، مما يجعله سلطة ديكتاتورية مبرمجة قادرة ان تحقن المجتمع من أعلاه حتى قعره بالفساد… بحيث يحس المواطن لو عاد إلى نفسه لحظات، وتلفت حوله، لشعر ان في أي اتجاه نظر وفي أي حركة تفكر، ان الفساد هو أزاهير المجتمع السوداء التي امتصت كل رحيق وكل لون.
فساد يُهيمن وبعمق
وأقول بصراحة، أنني، وأنا مواطن اعتبر نفسي، ولعقود، من المواطنين الذين يهتمون بالشأن العام ويعملون للخير العام، أقول أنني – وبصفتي المواطن الذي ذكرت – فوجئت كثيراً بشمولية الفساد الذي يهيمن وبعمق على المجتمع اللبناني، وخطورته انه لا يتعلق بالأفراد، وارتكاباتهم بل بالأنظمة والقوانين التي هي المؤسس الأول والحامي الأكبر للفساد.
بحيث يستطيع الفاسدون بعملية استنساخ سريع، ان يعبروا ويفسدوا أي إصلاح قد يعرض في لحظات نادرة من لحظات المجتمع.
لا حسيب ولا رقيب
ان القوانين الفاسدة، التي تشمل معظم المؤسسات الكبرى في المجتمع، بحيث لو كنت عادلاً لما استطعت ان تتهم مديراً أو موظفاً بأخلاقه. لأن القوانين هي التي تُفَرِّخ وترعى الفاسدين…
المرفأ بدون إدارة قانونية ولا محاسبة ولا مراقبة، وحتى الموظف يمارس عمله خارج القانون بدون حسيب أو رقيب.
مؤسسات تعمل كل منها كقبيلة
الكهرباء والمياه والكسارات و… وأكاد أنسى سرد الأسماء لكثرتها، جميعها تعمل، وكأن كل مؤسسة قبيلة، وعلى كل قبيلة ليس شيخاً بل رباً لها، الرب هنا من باب رب العائلة والبيت، لا أكثر.
المكاسب ولو خرب البلد
أطرف ما في الأمر، ان الموظفين في الدولة والمؤسسات، يعتبرون ان لهم مكاسب، وهي حقاً مكاسب لأنها وصلت إليهم خارج منطق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، وهؤلاء الموظفيون، يصرخون ليخرب البلد ولكن ليس مسموحاً ان تُمس مكاسبهم!!!
هم قبل البلد وقبل الوطن بحيث ندرك بوعي ان شعبنا بأغلبيته، لا يتمتع بحس وطني يعتبر ان الوطن أولاً، والوطن في نظام العدالة ضرورة للحياة والاستقرار.
موقف القضاة والعسكريين المتقاعدين تجربة محزنة
وأضرب مثلاً، لصورة قد يغضب البعض من ذكرهم كمثل وقد لا يغضبوا، بحكم عادة اللامبالاة التي تسيطر على الحكام.
تجربتان محزنتان تمران في هذه الأيام، بل مؤلمتان،
– تجربة موقف القضاة
– وموقف العسكر المتقاعدين.
القضاة
القضاة يستنكفون عن العمل، ليس لساعات في اليوم أو الاسبوع بل لأيام وأسابيع، وكأن من حقهم، دفاعاً عن مصالحهم ان يعتدوا على المواطنين الذين لجأوا إلى عدالة القضاء لتحصيل حقوقهم، فإذا بالمواطن أصبح رهينة بيد من يجب ان يعطيه حقه ويحرص على مصلحته.
القضاء ضمانة وحارس الدولة
القضاء ضمانة المجتمع، وضمانة الدولة وحارسها…
قد يكون للقضاة مطالب ومكاسب، لن أناقش هذه المطالب وهذه المكاسب، بل أقول وبصراحة، ليس من حق القضاة تعطيل مؤسسة العدالة من أجل مكاسب لهم، عليهم ان يبحثوا عن وسائل قانونية لحماية حقهم ومكسبهم لاّ ان يأخذوا المجتمع والشعب رهينة لديهم…
لست آسفاً عما قلته
كدت ان أكتب، آسف إذ قلت ما قلت، ولكنني بصراحة أقول، لا، لست آسفاً،
وإن كنت أعرف العدد الكبير من القضاة الشرفاء والعادلين.
العسكر المتقاعدون
والتجربة الثانية: موقف العسكر، عمداء وضباط وصف ضباط، يفتخرون أنهم يُضحون من أجل الوطن واستقرار البلد، وكذلك لا أدخل في مدى عدالة مطالبهم وحقهم بالمكاسب الهائلة التي يتمتعون بها، فليس هذا موضوعي، ما يؤلم… أن تشاهد عمداء وضباطاً كباراً وجنوداً كانوا قبل تقاعدهم حراس البلد، أن نشاهدهم وهم يقطعون الطرق ويحاصرون المؤسسات وينادون بالتهديد والوعيد وحتى قال بعضهم أنهم سيحرقون البلد!
قالوها على شاشات التلفزيون، وتهديدهم دخل كل بيوت المواطنين وقرع كل قلوبهم وضمائرهم، جندي أقسم بأن يُقدم روحه للوطن، يهدد بحرق الوطن من أجل مكسب أو حق لا فرق، وفِعْلِ هؤلاء، أصبح التبرير الأكبر لكل ممارسات الفقراء في المجتمع، إذا أضربوا وخربوا دفاعاً عن لقمة عيش أو فرصة عمل.
أركان الدولة الصالحة
– العدالة والأمن، أهم أركان الدولة الصالحة.
– والإيمان ليس كلمات بل ممارسة،
– ممارسة قوية أخلاقية،
هكذا تُبنى الدول وتُشاد الأمم..
الفساد في مجتمعنا صلب وقوي!
ومن هنا، أقول وبكل أسف، الفساد ليس حالة عارضة في مجتمعنا بل هو أساس بنية مجتمعنا… أساس صلب وقوي، لا يتمتع به إلاّ ديكتاتور، وبلدنا يعاني من ديكتاتورية الفساد.