طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«الحراك الشعبي بين الأمس واليوم» (الحلقة الخامسة)…. النائب السابق محمود طبو: المرحلة الناصرية شهدت بث الروح القومية رغم النكسات ما زلنا نعاني من آثار وتداعيات الحرب الأهلية

طبو متحدثاً الى «التمدن»

«تمّ «إغتيال» النضال الأصيل باللجوء إلى الطوائف والمذاهب

ما يُرتكب في لبنان حالياً أسوأ مما إرتُكب في زمن «الوصاية»

الفساد «أكل» الدولة ويمارسونه من الباب العريض

المواطن «مدجّن» وهناك تناسل وراثي للمسؤولين»

«الحراك الشعبي بين الأمس واليوم» ودور المجتمع المدني والأحزاب والنقابات في مرحلتي ما قبل وما بعد الحرب الأهلية (1975)، والأسباب والظروف التي أرخت بتداعياتها في السنوات الماضية على هذا الحراك الطرابلسي – اللبناني – العربي، وإمكانية الخروج من الأزمات القائمة حالياً سلسلة حلقات تنشرها «التمدن».

في الأعداد السابقة

في الأعداد السابقة كان الحوار حول هذا العنوان مع كل من الأساتذة:

– الوزير رشيد درباس.

– المحامي حسين ضناوي.

– د. شوقي عطية.

– د. نهلة قصدي الشهال.

وفي هذا العدد

في هذا العدد من «التمدن» مسائل عديدة كانت موضع حوار مع النائب السابق محمود طبو، وكان السؤال الأول:

لكل مرحلة ظروفها

■ هل يمكن ان تحدثنا عن وهج النضال الشعبي، المطلبي، الوطني والقومي قبل الحرب الأهلية عام 1975؟

«لكل مرحلة ظروفها وحيثياتها وخصوصياتها.

قبل الحرب الأهلية المشؤومة كان الحراك الشعبي والمطلبي والنضالي في ازدهار وصعود، وهذا مرده إلى تلك المرحلة النضالية في معظم أقطار الوطن العربي.

وكان الجو النضالي عبارة عن موجات تتدفق لتحمل مشعل النضال دفاعاً عن مصالح الطبقات الكادحة وبالأخص العمال والفلاحين وصغار الكَسَبَة والمواطنين الشرفاء.

في المرحلة الناصرية

وكان المناخ في ذلك الوقت خصوصاً في «المرحلة الناصرية» التي كانت نتاج:

قيام الضابط جمال عبدالناصر مع عدد من الضباط الأحرار بثورة ضد النظام الملكي،

وقيامه بطرح الأفكار التوحيدية العربية التي شدت الشعب من المحيط إلى الخليج الذي كان صادقاً مع عبدالناصر ووفياً له.

حقبة قومية وحدوية وللأسف نكسة أيضاً

وفي تلك «الحقبة الناصرية» حدث بث للروح العربية والقومية في نفوس الشعب العربي، وقد إستحوذ عبدالناصر على قلوب العرب، ولكن لسوء الحظ ان أهم النكبات التي أصابت مصر والمحيط العربي كانت في عهد عبدالناصر (نكسة حزيران 1967)، ولكن الروح القومية كان لها الأثر الكبير، ليس في المحيط العربي فحسب، بل في العالم أجمع،

ولا بد من ان لا ننسى الدور  الأساسي الذي كان للرئيس عبدالناصر في تأسيس منظومة «دول عدم الانحياز» (الحياد عن قطبي تلك المرحلة أميركا والإتحاد السوفياتي)».

اعتصام مطلبي أمام سراي طرابلس (من الارشيف)

دور الأحزاب القومية

أضاف: «إلى جانب عبدالناصر كان للأحزاب القومية العربية الدور الكبير في النهضة القومية والوطنية والشعبية، حيث قامت الثورات العربية في العديد من البلدان العربية التي كانت ترزح تحت نيّر الاستعمار.

«مؤتمر الأحزاب والقوى الوطنية» في طرابلس

وفي هذه الأجواء أخذت الأحزاب الوطنية دوراً أساسياً في النضال الشعبي والمطلبي. وكانت طرابلس تضم «مؤتمر الأحزاب والقوى الوطنية» الذي طرح العديد من القضايا منها قضية احتكارات «شركة كهرباء قاديشا»، وكانت هذه القضية ركناً أساسياً في نضالها المطلبي في حينه.

أضف إلى ذلك، ودفاعاً عن الطبقة العاملة والفلاحين والطلاب والمعلمين كان هناك تكتلاً شعبياً كبيراً يضم العديد من الأحزاب، وقد تكونت تلك الهيئة القيادية (مؤتمر الأحزاب والقوى) التي تُعنى بالمطالب وتنظم الحراكات الشعبية

القضية الأساس «قضية فلسطين»

وكانت في الوقت عينه الداعم الرئيس للقضية الأساسية الأم والأولى، عنيت القضية الفلسطينية.

وكان التنسيق دائماً بين الأحزاب الوطنية والقومية من جهة والمقاومة الفلسطينية من جهة ثانية في الاحتفالات والاعتصامات والتظاهرات».

المعلم كمال جنبلاط

وكان على رأس هذه القوى الوطنية:

 «المعلم» كمال جنبلاط،

وكان «وهج» أبو عمار والقيادة الفلسطينية،

فكان المناخ العام للقوى الوطنية مساعداً لها في ان تتسلق معارج التقدم في قيادة الحراك الشعبي.

… وجاءت 1975… فَنَاءَ لبنان تحت الحمل

وجاءت الحرب عام 1975 لتحرق لبنان، التي انقلبت إلى حرب طائفية.

ولبنان الهش ما كان باستطاعته ان يتحمل ما تحمل فَنَاءَ تحت الحِمل،

ومازلنا نعاني حتى الساعة من آثار هذه الحرب.

إغتيل النضال وعُميت الأبصار

لقد إغتيل النضال الأصيل باللجوء إلى المذاهب والطوائف وإثارة الأحقاد فعُميت الأبصار وغُشيت القلوب وزادت الجروح والانقسامات، وكانت العاقبة وخيمة،

فالأحزاب تفسخت وإنقلبت على ذواتها وتقهقرت، فانعكس ذلك على الحراك الشعبي.

وها قد غابت الأحزاب عن الساحة وأضحت بخبر كان.

ووقّع السادات الصلح المُذِلَ صاغراً

أين نضال عبدالناصر الذي انتهى مع ذهاب السادات إلى القدس صاغراً موقعاً «صلحاً» منقوصاً مع العدو الاسرائيلي، مما أرخى بتداعيات كبيرة على الوطن العربي، فمصر هي الثِقل العربي».

ما إرتُكب وما يُرتكب أسوأ من أيام الوصاية

■ ما هو التأثير السياسي للوصاية السورية في لبنان على الأحزاب والنقابات التي كانت المحرك الأساسي للشارع؟

«المشكلة ان النظام السوري إرتكب من الأخطاء الكثيرة والمتعددة، ولكن، بعد أن إنسحب هذا النظام من لبنان هل أصبحت الحالة فيه أفضل مما كانت عليه في ذلك الوقت!».

«الأخطاء والمشاكل هي نفسها لا بل أسوأ. كنا نقول السوري، واليوم نقول اللبناني. إن ما إرتُكب ويُرتكب في لبنان هو أسوأ بكثير من «الوصاية السورية».

والعاقل يترحم على تلك الوصاية».

تشرذم وترهل

أضاف: «المناخ العروبي، بعد الحرب: تشرذم وتفكك وترهل وضاع الفكر العربي.

عندما كان عبدالناصر ينادي بالعروبة كانت بعض الأنظمة ضده، وهؤلاء أصبحوا اليوم «عروبيين»».

من في المسؤولية غير مؤهلين

■ ما هو تأثير تحول الأحزاب، بعد الحرب، إلى أحزاب طائفية مذهبية، على النضالات النقابية والمطلبية، وتأثيرها على دور النقابات والاتحادات؟

«التحديات في لبنان كبيرة جداً،

وبعض من هم في مراكز المسؤولية ليسوا  بمستوى هذه التحديات،

وليسوا مؤهلين لحل المشاكل،

لا بل هم المشكلة،

فإذا كان هناك فساد فهم عنوان الفساد،

وإذا كان هناك هدر فهم عنوان الهدر.

وما نسمعه عن «الإصلاح» و«التغيير» هو كلام استهلاكي… انشائي لا مضمون ولا فعل له».

نسمع عن الهدر والفساد ولا نرى فاسداً أو مفسداً في السجون. تتم محاسبة الصغار ولا تتم محاسبة الكبار من الفاسدين»!

«والغريب العجيب إلغاء وزارة مكافحة الفساد، والقول ان كل وزير يراقب وزارته، كيف ذلك؟

لماذا لا يفعلون كما فعل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع عدد من الأمراء؟»،

«أو كما فعل الرئيس مهاتير محمد في ماليزيا مع الفاسدين؟».

الفساد «أكل» الدولة، وفي النهاية يستهدفون العمال والفلاحين وصغار الكسبة، ويتبجحون بالقول ان على الجميع تحمل المسؤولية».

«الجميع هم العمال والموظفون والأساتذة والعسكريون، فماذا سرق هؤلاء الذين يُخصم من رواتبهم للصندوق التقاعدي الذي إستولت الدولة عليه.

بعض من يحتلون شاشات التلفزة يومياً متبجحين بمحاربة الفساد هم الذين يمارسون الفساد من الباب العريض».

المواطن يُدَجَّن والشعب مسؤول لكسله

■ في ظل الظروق المعيشية الصعبة، لماذا لا يتحرك «الشارع»؟

«هناك سياسة مرسومة للبنان.

المواطن «يدجَّن»،

الشعب اللبناني مسؤول لجهة كسله لأنه مع جلاديه،

كلما جرت انتخابات ينتخب الناس نفس الأشخاص، وهذا يعني ان الشعب ليس مع نفسه:

}إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ{.

وفاقد الشيء لا يعطيه.

وإذا لم يحدث التغيير عند المواطن لن يحدث عند المسؤول.

«الإصلاح» يحتاج إلى مُصلِح ومستقيم، وبعض من يأتي هو المنحرف، المبتذل، الرخيص».

أضاف: «نسمع كلاماً تقشعر له الأبدان، حين يقول وزير «بدنا نرد حقوق طائفتنا بأسناننا»، وهو يتسلم كل شيء. أقولها بوضوح:

– إذا كان رئيس الجمهورية مارونياً.

– إذا كان قائد الجيش مارونياً.

– إذا كان رئيس المخابرات مارونياً.

– إذا كان حاكم «مصرف لبنان» مارونياً.

– إذا كان رئيس «مجلس القضاء الأعلى» مارونياً.

– إذا كانت كل المؤسسات الرئيسية بيد الموارنة، فماذا يطلب أكثر من ذلك هذا الوزير (…)،

وهل يستطيع ان يحكم لوحده،

فليحكم ولا يعتمد على أي فريق لبناني.

ونقول له: خذ ما تشاء!؟

أي زعيم حقيقي يجب ان يكون حرصه على طائفته بقدر حرصه على بقية الطوائف،

أما ان ينحاز لمصلحته الشخصية تحت عنوان «حقوق طائفته»… وعلى حساب المصلحة الحقيقية لطائفته ولبقية الطوائف فإنه يدفع بالبلد إلى الخراب والدمار.

وإذا كان المسؤول أمّن الأموال من جيوب الشعب اللبناني وأودعها في الخارج، وخرب البلد فإنه «يهرب» من بلده».

النائب السابق محمود طبو تابع قائلاً:

«الشعب بأحزابه ونقاباته وتياراته ساكت لأنه «تدجّن» بحكم سياسة التدجين التي يتبعها المسؤولون، وعبر تجويع الناس.

يقولون ان «النظام قوي»،

وأنا أقول هو ليس هشاً فحسب، بل غير موجود، لا يوجد قانون، لا توجد أسس لقيام الدولة.

نظام عفن لا يمكن ان يعيش كما هو الوضع اليوم»…

سنبقى كذلك في ظل التوريث السياسي

أضاف: «منذ 200 سنة ونحن نعيش حروباً وقلاقل وإضطرابات، وبغياب الاستقرار والأمان، وسيبقى لبنان كذلك في ظل التوريث السياسي وتوارث المناصب، أي النظام اللبناني يتناسل من ذاته، وهكذا تناسل تنجم عنه ولادات مشوّهة.

أعتقد ان لبنان حالياً يشبه القبائل في أيام الجاهلية.

ومن ينتمي إلى طائفة أو عشيرة أو مذهب ويدّعي انه يريد بناء بلد عليه ان يعمل بجدية وصدق لتحقيق ما يدَّعيه…

وعلى الناس ان تصحو وتعرف وتميز وتقرر».

«في الأحزاب والنقابات والحِراكَات عدد قليل من أصحاب النوايا الحسنة ومنهم جزء لا يتجزأ من المنظومة الفاسدة».

لن أمل ولن أترك بلدي ولن «أرثيه»

■ هل يمكن إستعادة الدور الرائد على مختلف الصعد المطلبية والوطنية والقومية وحتى الأممية والذي كان سائداً قبل الحرب الأهلية؟

«لست فاقداً الأمل بالرغم من كل مواصفات النظام القائم، وسأبقى أسلط الأضواء على أي فاسد مفسد، متخلف، طائفي، مذهبي، فئوي، عنصري،

لأنني مرتبط ببلدي مع أهلي ولن أتركه ولن أرثيه، وهناك أمثالي في المجتمع».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.