طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

طرابلس تحيي الذكرى الثانية لرحيل المناضل عبدالمجيد الطيب الرافعي وتحتفل بإصدار كتاب عنه

مقدم الحضور

أقامت لجنة إحياء الذكرى السنوية الثانية لرحيل النائب الراحل الدكتور عبد المجيد الطيب الرافعي مهرجانا في طرابلس، تزامناً مع صدور كتاب في هذه المناسبة للمؤلف الدكتور مصطفى الحلوة بعنوان «عبد المجيد الطيب الرافعي: قضيته الإنسان – رسالته العروبة – وجهته فلسطين».

حضر المهرجان الرئيس سعد الحريري ممثلا بالنائب سمير الجسر، الرئيس نجيب ميقاتي، أحمد الصفدي ممثلا وزيرة الدولة لشؤون التمكين الاقتصادي للنساء والشباب فيوليت خير الله الصفدي، الوزير والنائب السابق محمد الصفدي، النائب جان عبيد ممثلا بايلي عبيد، النائب محمد كبارة ممثلا بنجله كريم كبارة، الوزير والنائب السابق الدكتور أحمد فتفت، الوزير السابق الدكتور سامي منقارة، الوزير السابق رشيد درباس، الوزير السابق أشرف ريفي، النائب السابق محمود طبو والنائب السابق كاظم الخير.

الحضور

كما حضر المهرجان المدير العام لوزارة الثقافة الدكتور علي الصمد، مفتي طرابلس والشمال الدكتور مالك الشعار، متروبوليت طرابلس للروم الملكيين الكاثوليك المطران إدوار ضاهر، نقيب المهندسين في طرابلس المهندس بسام زيادة، نقيب الاطباء الدكتور سليم ابي صالح، عقيلة المحتفى به ليلى بقسماطي الرافعي، رئيسة المنطقة التربوية نهلة حاماتي، القاضي طارق زيادة، رئيس دائرة اوقاف طرابلس الشيخ عبد الرزاق إسلامبولي، وحشد من ممثلي الهيئات الحزبية والفصائل الفلسطينية وأبناء طرابلس والشمال.

في الإفتتاح النشيد الوطني وكلمة تقديم من الدكتور بشير مواس تناول فيها مسيرة النائب والمناضل الراحل الدكتور الرافعي «الذي كرس نفسه للناس وللفقراء وإختاره أهل طرابلس ليمثلهم في البرلمان فحمل هم المدينة والوطن وآلام اللبنانيين في قلبه وعقله في مختلف المراحل الدامية التي مر بها لبنان».

ثم كانت كلمات لنقيب الأطباء سليم أبي صالح، والنائب سمير الجسر، والرئيس نجيب ميقاتي، والسيدة ليلى بقسماطي الرافعي، ومؤلف الكتاب الدكتور مصطفى الحلوة.

أبي صالح: أفنى العمر في النضال

نقيب أطباء لبنان – طرابلس د. سليم أبي صالح

نقيب أطباء لبنان – طرابلس الدكتور سليم أبي صالح ألقى كلمة في المناسبة جاء فيها:

«نلتقي زملاء وأصدقاء وأحبة، في ذكرى رحيله مستلهمين سيرته طبيباً للفقراء ومناضلاً عن قضايا شعبه وسياسياً ما بدل تبديلاً عما يعتقده حقاً وعدلاً وجمالاً.

عبد المجيد يرحل عنا، لكنه لا يغيب عن وجدان أهله ورفاقه وأحبائه.

إبن الدوحة الرافعية، أعرف عنه أكثر مما أعرفه. كنت مراهقاً يتلمس بداية الشأن العام، عندما كان إسم عبد المجيد الرافعي أحد الرموز الأساسية التي إنطبعت في وجداني العام، من بداية الوعي.

ومن موقعي اليوم كنقيب للأطباء في طرابلس أستلهم من سيرته المعنى الحقيقي لرسالة الطبيب في مجتمعه.

نلتقي اليوم في ذكرى رحيله الثانية لنستلهم من سيرته المعنى الحقيقي لوظيفة الطبيب في المجتمع.

فالدكتور عبد المجيد لم يوقف عمله كطبيب عند حدود عيادته وأبواب المستشفيات ليشرع أبوابه أمام من هو قادر على تحمل كلفتها فقط، إنما ذهب الى حيث المرض يترافق مع العوز والفقر والجهل في رقصة طال أمدها، ومسرحها وراقصوها يتمددون مع السنوات ليقضموا المزيد من المنازل والحارات والعائلات فأعطى لمهنة الطب بعدها الإنساني إنطلاقاً من مبدأ حق كل إنسان بالحصول على الرعاية الصحية الملائمة.

البعد الثاني كان البعد الوطني فقد جمع الى ممارسة الطب والتفاني في خدمة المرضى وكان شعاره «صحة الفقراء تعويض عن كسوة الإحتياج» يضاف إليه التفاني في النضال من أجل إحقاق دولة المواطنة والعدالة الإجتماعية عبر التغيير السلمي للنظام السياسي في لبنان تحقيقاً للشعار الذي آمن به حتى الرمق الأخير في سبيل وحدة الوطن وحرية شعبه وسيادة قراره.

منذ بداية شبابه وعى فلسطين وساهم في الدفاع عنها وإعتبرها البوصلة التي تحدد وطنية هذا أو ذاك.

هذا كان البعد الثالث نقف في حضرته اليوم وفلسطين تتعرض لموجة جديدة من التآمر عبر ما يسمى بصفقة القرن والتطبيع مع الكيان الصهيوني والهدف هو منع الشعب الفلسطيني من حق العودة وإقامة دولته المستقبلية على كامل المجال الممتد من البحر الى النهر وعاصمتها القدس وتثبيت القدس الشريف عاصمة أبدية للكيان الصهيوني.

نقف اليوم في حضرة الغائب الحاضر ونسأل عن هذه الأبعاد الثلاثة التي أفنى العمر في النضال من أجلها، فما عسانا نجيب؟

أنقول إن الطبابة في لبنان عامةً والأطباء خاصةً يتعرضون لأقسى وأشنع حملة تشويه وتجويع في تاريخ لبنان الحديث، بحيث أصبح هم الطبيب كمعظم الفئات الشعبية البحث عن لقمة العيش خارج الوطن.

أنقول إن الحرية والعدالة الإجتماعية أصبحتا حلماً من الماضي الجميل وشعاراته البراقة التي لا تلائم الزمن الحديث.

أنقول فلسطين تحولت الى قضية مركزية للشعوب العربية، الى قضية عذراء جميلة تتناتش جسدها الذئاب الضارية وإنها معروضة للبيع في سوق النخاسة بائعها أشقاؤها وشاريها مغتصبوها، أما أبناؤها فلا سبيل لهم إلا مقاومة الأنياب الشرسة النهمة العطشى الى الدماء بأجسادهم العارية المدماة.

عذراً زميلنا الكبير على هذه الصراحة فالخنوع والخضوع أهون من الدفاع عن الكرامة الإنسانية وتقاسم المغانم أسهل من بناء مجتمع عادل، وبيع العذارى ووأدهم أسهل من الدفاع عن كرامتهم.

ولكن هناك البعض الآخر الذي يشبهك على قلته ما زال يقاوم ويرفض الهزيمة».

الجسر: نحتاج سيرته لمواجهة زمن الردة

النائب سمير الجسر

النائب سمير الجسر ألقى كلمة جاء فيها:

دولة الرئيس، أصحاب المعالي والسعادة، سماحة المفتي الدكتور الشيخ مالك الشعار، أصحاب الفضيلة، أصحاب السيادة، حضرة النقيب، أهل الفقيد، السيدة ليلى، أيها الحفل الكريم،

يسعدني أن ألتقي بكم جميعاً في هذه الأمسية، في الذكرى الثانية لغياب الحبيب والنسيب الدكتور المناضل عبد المجيد الرافعي، وبمناسبة صدور كتاب «عبد المجيد الطيب الرافعي» لمؤلفه الدكتور مصطفى الحلوة… هذا الأديب المناضل الذي عاش لحظات النضال أو معظمها ورافق زمن الدكتور عبد المجيد في أحلامه وآلامه والذي هو في نظري، ومن خلال أدبه الراقي ولغته المتينة وإحساسه الوطني والقومي، ومواكبته لزمن المد القومي أو لقرب عهد به قد يكون من أقدر الناس على رسم أصدق لوحة عن زمن عبد المجيد، نعم زمن عبد المجيد وعن عبد المجيد الذي كان بحق رمزاً من أهم رموز تلك الفترة النضالية.

أنا لم أقرأ الكتاب، لأني لم أحصل على نسخته وهو سيوقع ويوزع اليوم، وقد إكتفيت بما يفترض أن يحمله غلاف الكتاب كما يُستَشَفُّ من بطاقة الدعوة من عبارات مشوقة: «قضيته الإنسان – رسالته العروبة – وجهته فلسطين» وتوقفت قليلاً عند هذه الأبعاد الثلاثة التي على ما يبدو رسمها المؤلف إطاراً أساساً لنضال الدكتور عبد المجيد لأستنتج أن هذه الأبعاد الثلاثة التي طبعت نضال الدكتور عبد المجيد وزمنه هي حاجتنا اليوم وغداً وبعد غد وربما لفترة طويلة، لنواجه الردّة والسقوط في وحول الصفقات، لأن صفقة العصر التي يُرَوِّجون لها لا تخرج عن كونها بيعاً للأرض والعرض، وتنازلاً عن التاريخ والهوية، وتفريطاً بالمقدسات، روَّجَ ويُرَوِّجُ لها سماسرة العقارات من السياسيين الجدد في زمن الأزمات الطائفية والمذهبية والحصارات الإقتصادية والمالية عسى أن يتلقفها الغارقون في شر أعمالهم في غفلة من الشعوب، ولكن وإنطلاقاً من إيماننا بالله وبوعده ومن خلال الأخذ بالأسباب التي بينها لنا الله، فإن هذه الصفقة لن تمر بإذن الله… ولو وقعها كل الحكام.

ويبقى الإنسان هو البداية وهو النهاية، الإنسان الذي يستطيع أن يتصدى لكل المؤامرات. فقضية الإنسان التي ناضل من أجلها الدكتور عبد المجيد هي القضية الأم في كل العصور ومنذ خَلْقِ آدم… هذا الإنسان الذي كرّمه الله سبحانه وتعالى وإستخلفه الله في الأرض لعمارتها، وسخَّر له كل شيء وحمله في البر والبحر وفضله على كثير من خلقه… الإنسان الذي حثه الله على أن يكون قوياً من خلال الحديث الشريف الذي يقول «المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف».

والقوة أيها الأخوة، لها أوجه لا حصر لها… فمنها قوة الإيمان والمعتقد والرؤية والبصيرة ومنها قوة البدن وقوة العمل وقوة العلم وقوة المال وقوة الصحة وقوة السلاح..الى ما هنالك… ولنا في الدكتور عبد المجيد في نظرته للإنسان وخدمته له أسوة حسنة… لقد سخَّر الدكتور عبد المجيد علمه في الطب لخدمة الإنسان، فكان يحمل شنطته ويتنقل بين المرضى، ليل نهار، مبعداً عنهم ذل السؤال مساعداً لهم في الحفاظ على صحتهم… حتى إذا إتسع أمر الحاجة وكبرت الثقة بهذا العمل الإنساني، عمل هو ورفاقه على إنشاء المستوصفات فكان مستوصف طرابلس ومستوصف الميناء ولا أدري إن كان هناك غيرهما… لكن الدكتور وبمساعدته الطلاب أيضاً على طلب العلم في

العراق حيث إتسع له المجال إنما كان يؤسس لجيل يعتمد على نفسه بما آتاه الله من علم… وما كان عمله من خلال تنظيمه للجان الشعبية في الأحياء من بعد فوزه في الإنتخابات إلا خدمة للإنسان من خلال تنظيمه وتعليمه على تولي أمره بنفسه وتدريبه على تحديد مطالبه وتنشئته على متابعة مطالبه… وما ضاع حق وراءه مطالب.

واليوم وأكثر من أي وقت مضى يجب أن تكون قضيتنا هي الإنسان، وأن نعمل على بناء الشخصية العربية وفقاً لمقتضيات العصر… الإنسان الواعي والرؤيوي  المتعلم، المثقف، المبادر الذي يعي قضيته ويعمل على الأخذ بكل أسباب القوة ليصون وطنه ونفسه وكرامته وعنفوانه وعزته وحقوقه.

أيها السادة،

إن الذي يتفحص الأسى الذي نحن فيه يجد أن الأمر لم يكن صدفة وإنما خطط له بليل… لقد هال أعداءَ الأمة الحالة القومية في زمن العروبة والحلم العربي… لقد هالهم الإلتفاف حول عبد الناصر إثر عدوان 1956 وكسر الطوق الوطني الى الفضاء العربي، وكذلك لقد هال أعداءَ الأمة التفافُ الشعوب حول المقاومة بعد هزيمة 1967 وكذلك الإنتصار الجزئي في حرب 1973 وما تبعه من قرار قطع ضخ النفط الذي لاقى تأييداً شعبياً عارماً في كل الوطن العربي، فقام أعداء الأمة بالتخطيط لتفكيك هذه الأمة عبر نظرية الشرق الأوسط الجديد التي تعمل على تقسيم المقسم وتفتيت المفتت والتي أسس لها ووضع قواعدها الصهيوني برنار لويس، دارس التاريخ، والذي عمل لوقت طويل مع دوائر الإستخبارات البريطانية والأميركية… تلك القواعد التي تقوم على خلق كيانات هزيلة من مذهبية أو طائفية أو شعوبية بحجة أنها ستكون أكثر تجانساً وبالتالي ستكون عاملاً على الإستقرار في المنطقة…

والهدف الحقيقي واضح أيها الإخوة، ولا يخفى على أحد، وهو أن تفتيت الأمة إنما هو لقصم ظهرها بما يخدم إسرائيل من حال التفتت العربي وبما يبرر لتحويل الكيان الإسرائيلي الى دولة يهودية عنصرية.

والذي يدقق قليلاً في الأمر يشهد على ترافق هذه النظرية مع إثارة كل الصراعات التي أبتليت بها الأمة من مذهبية وطائفية وشعوبية.

ويبقى الحل هو العروبة الجامعة… العروبة الحضارية، العروبة التي تستقي أسسها من قيم العدالة والمساواة والأخوة التي سادت عبر التاريخ وجمعت أبناء هذه الأمة.

نعم لقد كانت وجهة المناضل الدكتور عبد المجيد فلسطين… وهي وجهة كل عربي شريف ومؤمن. وكل عربي عاقل يدرك أن لا حياة لأمة ولا قيام لأمة ولا إستمرارية لأمة من دون قضية… إن قضية فلسطين، بالظلم الذي وقع على شعبها وعلى أرضها، وبالظلم المستمر على شعبها وعلى أرضها وعلى مقدساتها… وبالخطر الذي يتهدد كل كيانات الأمة العربية وتاريخها ومستقبلها ومعتقداتها وقيمها وحتى ثرواتها… تبقى هي القضية الجامعة.

إن التفريط بهذه القضية النبيلة والتنازل عن حق الشعب الفلسطيني في العودة، وتضييع الحقوق العربية، وبيع الحقوق الإسلامية والمسيحية في بيت المقدس، هو قُمَّة الخيانة للتاريخ وللحاضر وللمستقبل وإستقالةٌ من دورالعروبة في قيمها النبيلة.

إن هذه القضية، بكل مآسيها وبكل ما تهدف إليه من إستعادة الحقوق السليبة للشعب الفلسطيني في الوطن والأرض، تشكل أكبر حافز لنهضة عربية حضارية قوية توحد العرب وتستعيد الحقوق وترسخ القيم. فلتكن فلسطين دائماً هي وجهتنا.

سيبقى الدكتور عبد المجيد، بأخلاقه وسلوكه وإندفاعه وتوجهه العربي ونضاله ومبدئيته، منارةً تضيء لنا دروب قضية الإنسان ورسالة العروبة والحق الفلسطيني.

رحم الله الدكتور عبد المجيد.

ميقاتي: علامة فارقة في تاريخ طرابلس

وحضورها السياسي المحلي والوطني والعربي

الرئيس نجيب ميقاتي

الرئيس نجيب ميقاتي ألقى كلمة في الذكرى جاء فيها:

أيها الحفل الكريم

للسنة الثانية أعتلي المنبر في حضرتكم لنحيي ذكرى غياب الدكتور عبد المجيد الرافعي، العلامة الفارقة في تاريخ طرابلس وحضورها السياسي المحلي والوطني والعربي، الرجل الدمث، السياسي الصلب المبادئ، والطبيب المداوي والحكيم بكل معنى الكلمة. فمن أوتي الحكمة أوتي كل شيء.

هي الأيام، يداولها الخالق بين الناس وليُظهِرَ أَيُهُم أحسن عملًا. ومدُ يد الخير للناس عبادة يا من لم تعرف يداه سوى الخير وقلبه سوى الحب وعقله سوى المبادئ والقيم. ولقد صح لي ان ألقي نظرة على الكتاب الذي أعده الدكتور مصطفى حلوة وفيه شهادات الناس بك وخطبك ومواقفك، فتأكدت أنك مرجع لي ولكثر مثلي نلجأ الى تاريخك لنستلهم منه في وطن لم يتعظ بعض سياسييه من التاريخ ليحموه من الويلات ومن النكبات، بل على العكس هم يمعنون في استحضار الإنقسامات والحروب والطائفية والعصبيات المذهبية في محاولة لتوظيف الناس لخدمة مشاريعهم السلطوية.

والى السيدة التي تمسكت بكل تفصيل أراد الدكتور الرافعي التمسك به، من البيت المفتوح، إلى الخدمات الشعبية، إلى لقاء الثلاثاء بنشاطه ومتابعته الحثيثة لشؤون المدينة وشجونها، إلى السيدة ليلى كل المحبة والتقدير والاحترام والعرفان. منك نتعلم الوفاء والثبات والنضال ولك طول العمر.

أيها الحفل الكريم

في ذكرى من كان قدوة في الانتماء الوطني والقومي، نتطلع الى واقعنا المرير فنراه يتدحرج أكثر فأكثر نحو الانغلاق والتقوقع، فالحكم في لبنان بات كحكم الزوايا، بحيث يتمترسُ كل فريق في زاويته الطائفية والمذهبية ويمتنع عن التفاعل مع باقي مكونات الوطن. الاحداث الامنية المؤلمة التي شهدناها خطيرة جدا جدا وسببها الرئيس كان وسيبقى النفخ في العصبيات وتحريك الفتن النائمة كما وتسخير الدولة ومرافقها لخدمة طرف على حساب أطراف، وهذا لا يستقيم في لبنان بلد التوازنات الدقيقة والحساسيات المفرطة وخصوصيات المجموعات اللبنانية، ولا أعني بكلمة الخصوصيات الدينية فحسب بل حتى الإجتماعية بين قرية واخرى ومدينة واخرى.

وفي خضم هذه الأحداث، لاحت في الأفق محاولة لاستدراج طرابلس الى فتنة، فوقفنا مع قيادات المدينة السياسية والروحية سداً منيعًا في وجهها. قلنا ونكرر القول كل يوم: طرابلس مدينة ترحب بكل الناس وتتعامل بإحتضان مع من يحتضنها ويحترم خصوصياتها وتدير الظهر لمن يحاول استدراجها او فرض وجوده عليها.

الخصوصيات الطرابلسية معروفة لا تحتاج لتفسير: طرابلس مدينة عروبية، إلتزام أهلها الديني تاريخي، ففيها من المساجد والكنائس ما يكفي لفهم تلك الخصوصية وهي مدينة الأبواب: من باب التبانة الى باب الرمل الى باب الحديد الى البوابة في الميناء. أبوابها معروفة وكذلك كيفية الدخول اليها. ونحن، كما يعرف الجميع، من أصحاب نظرية الأبواب المفتوحة في السياسة، فاذا أغلقت الأبواب نبقي القنوات مفتوحة، وإذا أغلقت القنوات نفتش عن النوافذ.

فنهج التحريض والقطيعة واستحضار المحطات السيئة ليس نهجنا ولن يكون، فنحن كنا وسنبقى من سعاة الخير والجمع لا التفرقة. واليوم، وفي حضرة الغائب الحاضر، أؤكد للجميع أن طرابلس عنوان الإنفتاح بين كل المكونات اللبنانية وهي ترحب بكل ضيوفها وتستقبل الجميع بالترحاب. تحصل أعمال ارهابية في أكثر مدن العالم أمنا، وهذا لا يعني ان تلك المدن موصومة بالإرهاب.

ويجدر بنا للمناسبة أن نتقدم بالشكر والتقدير من الجيش وقوى الأمن الداخلي وكل الاجهزة الأمنية الذين يعملون على ضمان الأمن في طرابلس وفي كل لبنان، وعسى أن يعمل بعض الأطراف على تخفيف الضغط عنهم من خلال تخفيف نبرة التوتر في الخطاب والتوقف عن التطاول الممنهج عليهم والتشكيك بدورهم عند كل مفترق وخلاف، لأن ذلك يضعف معنويات العسكريين الذين يضحون بحياتهم ووقتهم للحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية الحدود ويترك انعكاسات سلبية على هيبة المؤسسات العسكرية والامنية.

أيها الحفل الكريم

أيها الغائب الحاضر أبداً، يا ابن العروبة والنضال، صفقة القرن قد لاحت بشائرها على حساب العرب كالعادة وعلى حساب الفلسطينيين، ويريدون منا نحن اللبنانيين أن نسير في ركابها، غير أننا ولله الحمد إتفقنا، منذ زمن الطائف وبعده في قمة بيروت للعام ٢٠٠٢، على أن لبنان لن يقبل بتوطين الفلسطينيين، ولن يوقع إتفاقًا إلا بعد استعادة أراضيه المحتلة والإعتراف بفلسطين دولة عاصمتها القدس، وبإجماع عربي كامل. وعلى هذا الأساس سنعمل وسنرفض المس بالأقصى وكنيسة القيامة وبالقدس العتيقة فهي للعرب وعاصمة فلسطين حتى ينقطع النفس.

ولكي يكون ختامها مسك نستعيد معاً بضع كلمات قالها من نحيي اليوم ذكراه لعلها تشكل عبرة للجميع. فقبل أقل من عام على بدء الحرب اللبنانية عام ١٩٧٥ قال «نحن أمام خيار بين اثنين لا ثالث لهما، فإما التغيير وإما الإنفجار. إما التغيير في قواعد الحكم وفي ممارسة الحكم وفي أهداف الحكم، وإما إنفجار الأوضاع وولوج المجهول من المصير». فهل نتعظ جميعاً وننقذ وطننا قبل فوات الأوان.

رحمك الله يا ابن العم وأسكنك فسيح جنانه والسلام عليكم.

بقسماطي الرافعي: في الحديثِ عنكَ ومعكَ

يختلطُ الوُجدانيُّ بالرّسالةِ التي ترَكتها لنا

السيدة ليلى بقسماطي الرافعي

السيدة ليلى بقسماطي الرافعي ألقت كلمة جاء فيها:

أسعدَ اللهُ مساءَكُم بكُلّ خير يا أوفياءَ بلدي.

عبدَ المجيدِ، رفيقي وحبيبي وقائدي….

يُسعدُني في هذهِ العشيةِ الكريمةِ، وَبحُضورِ نـُخبِ وَقادةِ العملِ الوطنيِّ والسياسيِّ في مدينتِكَ وفي بلادي، وبحضورِ رفاقِكَ، أهلِكَ ومُحبيكَ، وبَعـدَ أنِ اقتطعَ الزمنُ مسافةَ سنتينِ بيننا وبينكَ. يُسعدني أن أتبادلَ معكَ اليومَ الهدايا، فأهديكَ مُؤلفَ الدكتور مصطفى الحلوة وتهدينا أنتَ التفاتةً منكَ إلى الوراء. التفاتةُ الشراكةِ العاطفيّةِ والأخلاقيّةِ والنضاليّةِ والوطنيَّةِ والإنسانيَّةِ بيننا وبينك، وتساعدُنا على العزمِ والعزيمةِ. نحنُ الذين وقفنا العمرَ بجانبِ جبلٍ ظلَّ حتى اللحظةِ الأخيرةِ يَقوى على الاجتياحِ النفسيِّ والمعنويِّ. ظلَّ حتى اللحظةِ الأخيرةِ يُحرِّمُ على الأحداثِ كسْرَ النفوسِ المؤمنةِ، ويعتبرُ القضايا الكبرى بحجمِ جيلٍ منَ المؤمنينَ بالحياةِ الحرَّةِ الكريمةِ.

في الحديثِ عنكَ ومعكَ يختلطُ الوُجدانيُّ منهُ، بالرّوايةِ والرّسالةِ الّلتينِ ترَكتهُما لنا وَعياً والتزاماً نقرأ من خلالِهِما خريطةَ الطريقِ ونستشرِفُ بهما الموقف في لحظةِ الحراجةِ القُصوى لبلدنا لبنانَ ولأمتِنا العربيّةِ ولمدينتِنا طرابلسَ في قلبِ شمالِها العزيز.

أيُّها الأحبّةُ، أصدقاءَ ورفاقَ عبدالمجيد،

لم يصمدْ قائدُنا الدكتور عبدُ المجيدِ الطيِّبُ الرافعيُّ ويترُكْ لنا  ثروةَ صمودِهِ قوةَ ديمومةٍ إلاّ لأنّهُ اسْتقوى بثقافةِ الرّسالةِ في كلِّ أبعادِ شخصيَّتِهِ ودورِهِ وفي طليعتِها البعـدُ القوميّ.

في أسابيعِهِ بلْ وأيّامِهِ الأواخِرِ كان لايزالُ يعيشُ في قلبِ الحدثِ العربيِّ ويُخفي قلقَهُ الإنسانيَّ عنْ نفسِهِ وأوجاعِهِ، خلفَ هذا الهمِّ، الذي لم يفارٍقـْهُ يوماً ولم يُتْعبْهُ لحظةً واحدةً، ولم يطرحْهُ مرةً بعيداً، عنِ التأثرِ والتأثيرِ. لقد بلغتِ القدرةُ لديهِ على احتمالِ عصفِ الألمِ والآخرةِ معاً، وعلى تحمُّلِ مجموعِ الانتكاساتِ القوميةِ، مَبلغاً لا يستطيعُهُ إلاَّ أصحابُ القضيةِ.

إنّ دروسَهُ لنا التي زاوجَتْ بينَ الاعتقادِ والتَّحمُّلِ والصَّبْرِ ما زالتْ هيَ التي تدفعُنا إلى الرؤيةِ والإنجازِ على طريقِهِ، وفي ضوءِ هذه الدّروسِ نعتقدُ: أنَّ حقائقَ الرُّبْعِ الأوَّلِ من هذا القرنِ هيَ واحدةٌ لم تتغيرْ، إلاّ في فُروعِ الأحداثِ وجُزئيّاتِ نتائجِها.

أيُّها الأصدقاءُ…

 بعدَ نكبةِ فلسطينَ واغتصابِ هذهِ القطعةِ العزيزةِ منْ أرضِ العربِ كانتِ النتيجةُ الطبيعيَّةُ، وعلى امتدادِ عُقودِ النّضالِ منْ أجلِها، هيَ أنَّنا تماسَكْنا في الثقافةِ والوُجدانِ والخِياراتِ والإيمانِ في مواجهةِ المُعتدي وحلفائِهِ، ونهضَتْ حركةُ التَّحرُّرِ العربيِّ  بكلِّ تياراتِها وقُواها على قاعدةِ هذا التّماسُكِ، وإنْ كانَ الاحتلالُ الاستيطانيُّ قدْ حققَ بعضَ الغلبَةِ في الميدانِ والحروبِ، غيرَ أنّهُ لم يستطِعْ ذلك على مُستوى الوعي، ولا على مُستوى الوَحدتينِ الوطنيّةِ والقوميّةِ، فاحتفظَ أبناءُ أمَّتِنا نُخباً وجماهيرَ بكلِّ مُقوماتِ الإيفاءِ بحاجاتِ الصّراعِ في فلسطينَ ومنْ أجلِ أبنائِها، وترسَّخَ الوعْيُ العربيُّ عُمقاً وشُمولاً في ضوءِ قانونِ العلاقةِ بينَ الشقيقِ والصديقِ من ناحيةٍ، وبينَ العدُوِّ المَكشوفِ والمستَتِرِ منْ ناحيةٍ أخرى على المُستويَيْنِ الرّسميِّ والشعبيِّ.

غيرَ أنَّ النكبةَ الثانيةَ، والتي بدأتْ مرحلتُها منذُ الحربِ على العراقِ ومنْ ثُمَّ احتلالِهِ وإسقاطِهِ. تلكَ الحربُ التي قادَها توافقٌ جهنميٌّ بينَ الولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ وإسرائيلَ وإيرانَ وبعضِ الحكامِ العربِ. إنَّ هذهِ النكبةِ الثانيةِ لم تقتصِرْ مفاعيلُها على تدميرِ الدولةِ الاستراتيجيةِ العربيةِ الأولى في المشرقِ، وتحويلِها إلى رُكامٍ تتوزَّعُ أرضُها بينَ القواعِدِ الأميركيَّةِ، والعشائِرِ والقبائِلِ وميليشياتِ الفرسِ، وبينَ المذاهِبِ والطوائِفِ والإثنياتِ. ولم يَكُنْ هذا كلُّهُ الضَّرَرَ الأكبرَ والوحيدَ، فإنَّ الشراكةَ الإيرانيّةَ في هذِهِ الجريمَةِ سحَبَتْ نتائِجَها حتى بلغتْ حدودَ الاستباحةِ للإرادةِ العربيةِ، مُتسلِّقةً همَّ فلسطينَ العزيزةَ على أهلِها وعربِها، إجازةَ مرورٍ إلى الشُّرورِ بكلِّ أشكالِها، في منطقةِ المشرقِ العربيِّ وحوضِ البحرِ الأبيضَ المُتوسطِ، وُصولاً إلى الخليجِ العربيِّ واليمنِ.

إننا لا نستطيعُ أن نفهمَ التَّقلباتِ في العلاقاتِ الاستعماريّةِ الأمريكية الراعية لإسرائيل منْ ناحيةٍ، والإيرانيةِ منْ ناحيةٍ أخرى، منْ علاقةُ تَفاهُمٍ لإسقاطِ العراقِ، إلى علاقةِ عداوةٍ مصطنعةٍ حولَ سوريا ولبنانَ، ومنْ ثم العودةُ إلى التّفاوُضِ حولَ كلِّ الملفاتِ بينَ الطرفينِ كما هوَ مطروحٌ الآن، إلاّ كونَها علاقاتٍ قابلةً للتمايُزِ والاختلافِ حولَ سائِرِ القضايا، وغيرَ قابلةٍ للافتراقِ إذا ما تعلَّقَ الموضوعُ بتدميرِ الدّولِ الوطنيّةِ العربيّةِ وبالإطاحَةِ بالقوّةِ الإقليميّةِ للعربِ.

إنّنا ونحنُ نُعاينُ مخاطِرَ صفقةِ القرنِ والأطماعِ الإيرانيةِ في اندفاعةٍ واحدةٍ للطرفينِ، فإنّهُ منْ حقِّنا أنْ نستخلصَ بأنَّ فلسطينَ هيَ الضحيَّةَ المرشَّحةَ، كما كانَ العراقُ الضحيةَّ المُؤكدَةَ لهذهِ الأطماعِ، وسوريا بالانتظارِ كما اليمنُ.

أيها الأصدقاء

أمّا لبنانُ فهوَ معلقٌ ضمنَ دائرةِ الاحتمالاتِ التي تزدادُ خطورةً يوماً بعدَ يومٍ، حيثُ تبدو مساهمةُ بعضِ الأطرافِ المقرِّرِةِ على مُستوى السّلطةِ جليّةً في دفعِ بلدِنا إلى حافَّةِ الهاويةِ، فتتكشفُ سيرةُ ومسيرةُ هذه الأطرافِ يوماً بعدَ يومٍ عنْ غطرسةٍ لم يعرفْ لبنانُ مثيلاً لها، وعنْ فئويَّةٍ لم تتعظْ منَ الماضيينِ القريبِ والبعيدِ. إنها الأهدافُ نفسُها التي تـُعـَبـِّرُ عنْ غُلُوٍ ومُبالغاتٍ حولَ دورِ هذهِ الأطرافِ وموقِفِها، فـَتـُشْهِـرُ في الداخِلِ سلاحَ السعي إلى الخللِ في التوازُنِ الوطنيِّ، وفي الخارِجِ تقدِّمُ عُروضاً على طاولةِ التفاوُضِ بينَ جبهَتي صفقةِ القرنِ وبينَ الدَّوْرِ الإيرانيّ الذي بِدورِهِ يَعرضُ مُقايضةَ حروبِهِ التدميريَّةِ منْ مشرقِ أرضِ العربِ حتى شواطئِ المُتوسِّطِ مُقابِلَ دَورٍ إقليميٍ فائِضِ التأثيرِ، ودائماً على حسابِ العربِ ومصالِحِهم.

وفي لبنانَ أيضاً، إنَّنا إذ نعتقدُ أنَّ سياسةَ حمايةِ الماليةِ العامّةِ بالاعتمادِ على جيوبِ الفقراءِ وصغارِ المُوظفينَ على اختلافِهم، دونَ المَساسِ بالامتيازاتِ التي تـُشكِّلُ واحدةً منْ قنواتِ الفسادِ والهدرِ، إنّما هي سياسةٌ لا تتجاوزُ كونَها وقايةً مؤقتةً ومحدودةَ النتائِجِ في الزّمانِ وفي الأرقامِ. إنّها سياسةُ المرتكِبِ الذي يُخبّئُ رأسَهُ في التّعميةِ وسلوكُهُ يؤكدُ على إرتكابِهِ الجريمةَ والإصرارِ عليها.

إنّ الخروجَ منْ هذا النّفقِ هو في استعادةِ ميّزاتِ لبنانَ التفاضُليّةِ على مُستوى دَورهِ ومَوقعِهِ في المنطقةِ، من خلالِ خياراتِهِ السياسيّةِ والوطنيّةِ التي تحمي اقتصادَهُ وماليّتَهُ، وهي خياراتُ الدولةِ اللّبنانيةِ على مُستوى قرراتِ الحربِ والسّلمِ، بعيداً عن الانحيازِ القاتِلِ والذي أدّى لقطْعِ علاقاتِ التّبادُلِ بينَ لبنانَ ومُحيطِهِ العربيّ وأصدقائِهِ الدّوليينَ.

أيُّها الأحباءُ…

إنّنا ونحنُ نُطلقُ الصرخَةَ تِلوَ الأخرى وعلى امتدادِ عُقودٍ من الزمنٍ لإنصافِ مدينتِنا العزيزةِ، وشِمالِنا الذي بَقيَ طوالَ سنواتِ النُّهوضِ والنُّقوصِ خارجَ معادلةِ الإنماءِ والتنميةِ. إنّنا ونحنُ نلحظُ القهرَ الاجتماعيَّ والنفسيَّ تتسعُ رقعتُهُما في طرابلسَ فتجتاحُ أبناءَ الطبقاتِ الشعبيةِ وُصولاً إلى أبناءِ الطبقةِ الوُسطى التي يقومُ عليها رهانُ المستقبلِ وهي بالتالي صمّامُ التوازنِ الاجتماعي. إنّنا أمامَ هذا كلّهِ نصبحُ جميعاً في حالةِ انعدامِ الوزنِ وانتفاءِ المسؤولية وفقدانِ الحسِّ الإنسانيّ والالتزامِ الأخلاقي، إذا لم نُبادِرْ إلى إعلانِ حالةِ طوارئَ اجتماعيةٍ، تلكَ التي هيَ وحدُها الخطوةُ الموآتيةُ والمُلحّةُ لمواجهةِ الانفجارِ الاجتماعيِّ الذي بدأتْ عيِّناتُهُ تُرصَدُ في أكثرَ منْ منطقةٍ وشارعٍ.

نطالبُ بذلكَ دونَ أن ننتقصَ منْ جهودِ بعضِ المؤسساتِ والهيئاتِ المدنيةِ، التي تُوَظفُ إمكاناتِها، دون أن تبلغُ نتيجةً ملحوظةً، بسببِ التّداعي المُتدحرجِ في الوضعينِ الاجتماعيِّ والاقتصاديّ. لقدْ باتَتِ المسؤوليةُ مسؤوليةَ الدولةِ والقوى السياسيّةِ سيمّا تلكَ التي تُشاركُ في سلطةِ الدولةِ وتتمتّعُ بالتأثيرِ على إداراتِها، كي لا نقولَ الوصايةَ عليها. إنّنا إذْ نُطالبُ بذلكَ فإنّنا لا نعفي أيّةَ قوةٍ قادرةٍ ومؤثرةٍ منْ مسؤوليةِ الشراكةِ الكاملةِ في ما تَجبُ المبادرةُ إليه.

ويَبقى الملفُّ المُلحُّ الذي يُشكلُ نقطةَ البدايةِ لمقاومةِ حالةِ التّردّي في المدينةِ، وهوَ معالجةُ وتفعيلُ الإداراتِ المحليّةِ وعلى رأسِها المجلسُ البلديُّ الذي يُعاني نِصابِ القرارِ، وقُصورِ الأجهزةِ التابعةِ لهُ، ولدينا ملاحظةٌ تأسيسيّةٌ لمعالجةِ هذا الملفِّ وهيَ وليدةُ التّجاربِ المُرّةِ معَ هذا المجلسِ ومعَ مجالسَ أخرى سابقةٍ لهُ، وهيَ أنّ المجلسَ البلديَّ الذي يأتي بالسيّاسةِ ويصمدُ بالسياسةِ ويسقُطُ بالسياسةِ هو مجلسٌ لا يسعى إلى التّقدّمِ والنّجاحِ والإنجازِ، لأنّهُ ليسَ بحاجةٍ إلى رأي الناسِ أصحابِ الحاجاتِ والحقوقِ. ومن هُنا، فإنّنا ندعو الأطرافَ السياسيّةَ أنْ تتحملَ مسؤولياتِها، وتُبادرَ إلى إخراجِ بلديّةِ طرابلسَ من أزمتِها المستمرّةِ.

إنَّنا إذ نقولُ ذلكَ فإنَّنا نُسجّلُ اعتذارَنا لبعضِ الذينَ خالفوا هذا النّهجِ ولمْ تضبطْهُمُ السياسةُ وِفْقَ أهوائِها وفئويَّتِها.

إنّنا منْ مدرسةْ مَنْ نُحْيي ذِكراهُ السّنويّةَ الثانيةَ الحبيبِ الدكتورِ عبدِ المجيدِ الرافعيِّ مُؤكدينَ انتماءَنا إلى هذهِ المدرسةِ في حَمْلِ همِّ طرابلسَ وأهلِها، مُلتزمينَ هذهِ المدرسةَ بالنّضالِ منْ أجلِ المَظلومينَ والمَقهورينَ منْ أبناءِ أمّتِنا وبلدِنا ومدينتِنا وبالتحالُفِ معَ نُخبِها الوطنيةِ والقوميةِ.

تحيةً إلى روحِكَ الطّاهرةِ يا عبدَ المجيدِ، عهداً ووعداً لإتمام مسيرتِكَ وتطبيقِ كافة وصاياكَ، تحيةَ إلى أرواحِ رفاقِكَ الشّهداءِ في لبنانَ وفلسطينَ والعراقِ وعلى رأسهِمْ الرئيسُ الشهيدُ صدامُ حسين.

تحيةً إلى جيشِنا والقُوى العسكريّةِ والأمنيّةِ اللبنانيّةِ وشهدائِهِمُ الأبرارِ.

تحيةً إلى مُقاومي الاحتلالِ الصّهيونيّ الفارسيّ الأميركيّ في العراقِ بقيادةِ الرفيقِ الأمينِ العامِّ عزّتِ إبراهيم. تحيةً إلى أبطالِ المقاومةِ الصامدة لتحريرِ فلسطينَ وكلّ أرضٍ عربيةٍ محتلة.

تحيةً لكُم موصولة بعرفانِ وامتنانِ راحلُنا الكبير من عليائِه.

عشتمْ وعاشَ لبنانُ وعاشتِ الأمَّةُ العربيَّةُ.

د. الحلوة: شاء له القدر أن يسيرَ طريق الجُلجُلة،

جُلجُلة مدينتِهِ طرابلس

مؤلِّف الكتاب د. مصطفى الحلوة

مؤلف الكتاب الدكتور مصطفى الحلوة ألقى كلمة جاء فيها:

لماذا عبد المجيد الطيب الرافعي وليس سواهُ من رجالاتِ المدينة؟ لكم أن تتساءلوا!

لماذا هذا الكتابُ/ السِفْر، الذي يستعرضُ مسيرته/ سيرته، من المهدِ إلى اللحدِ، إنساناً ومناضلاً ومُتشبّثاً بعقيدته العروبية حتى الرمق الأخير، كما القابض على جمرِ دينه؟ ولكم أن تتساءلوا!

ولماذا اختارني القدرُ لأحظى بشرف الكتابة عن رجل، منذُ أن وطئت قدماهُ أرضَ فيحائه طبيباً، راح يملأُ دُنياها ويشغل ناسَها، ويُحدث تحوّلاً  دراماتيكياً في مسارها السياسي، مُقدِّماً أنموذجاً عن طرابلسي عروبي يُعلنُ على الملأ: أنا إنسان، أنا طرابلسيّ، أنا فلسطينيٌ قضيةً، أنا عربيٌ… وأفتخر!

ولكم أن تتساءلوا أيضاً!

عبد المجيد الرافعي، طفق يضجُّ فيَّ، وأنا حدث، راح يسكنني، يتلبّسني، منذُ نعومة أظفاري، ولي معه – رحمه الله – قصةٌ، حبكها القدر، ترقى إلى ستينيات القرن الماضي!

هي قصةٌ ذات فصول، سيقعُ بصركم عليها، في مُستهَل هذا الكتاب. ولعل أبرزَ عناوينها، عشقي لهذه المدينة، لتاريخها الأثيل، لبشرِها الذين صنعوا لها مجداً مؤبَّداً، لخطابِ حجرها الطاعن في الزمن والشاهد على عظمة الدور الذي أدّته، على مدى العصور!

وَلَكَمْ كان يغشاني، في صحوي وفي غفوي، ويتردّد في مسامعي قول المتنبي، شاعرِ العرب الأكبر، في أبناء مدينتي وفي مدينتي:

أكارمٌ حسدَ الأرضَ السماءُ بهم

وقصَرتْ كلُّ مُُصرٍ عن طرابُلُسِ

كأننا بأبي الطيب، وهو يستشرف، عبر مركبة الزمن الآتي، أكارم فيحائي وطيّبيها، كان يعني عبد المجيد الطيب الرافعي في من عنى!

أيها الأحباء،

عشية الذكرى الأولى لرحيل «حكيم المدينة»، لم أُجانب الصوابَ، حين رُحْتُ إلى قولٍ فصلٍ، بل إلى شهادة، لا زيادة فيها ولا نقصان، ومما جاء في هذه الشهادة: «أن تُنجبَ مدينةٌ رجلاً إنساناً، ينقطع إلى شعبه من دون حساب، يعيش همومه وقضاياه اليومية، ويُبلسِمُ جراحاتِهِ وأوجاعه، فذلك أمرٌ مألوفٌ حصولُهُ، وإن قلَّ حصوله!

وأن تنجبَ مدينةٌ مناضلاً، ينذرُ حياته لخدمة قضايا شعبه، في ميادين النضال، وتكون له صولاتٌ وجولات، فالتاريخ حافلٌ بسِيَرِ رجالاتٍ، خطّوا  لشعوبهم مجداً على جبين الشمس!

وأن تُنجبَ مدينةٌ بطلاً، يتجاوزُ إلى فضاء الأمة، يحملُ قضاياها على منكبيه، ويُبدِّد عمره لنُصرة هذه القضايا، حتى مشارفة الاستشهاد، فالتاريخ يضعنا بإزاءِ أبطال، شكّلوا جسوراً لتعبر عليها أمتهم إلى فجر جديد!

… لكن أن تُنجبَ مدينةٌ واحداً من ابنائها، تتآزرُ في شخصه تلك المزايا جميعها، لمرةٍ واحدةٍ وفي مرحلة زمنية واحدة، يتماهى فيه الرجل الإنسان والمناضل، لبنانياً وعربياً، فقد فعلتها طرابلس، في تاريخها الحديث، فكان الحكيم المناضل الطيّب، الرافعي عبد المجيد! بل كانت ملحمةٌ في رجل، هي ملحمةٌ طرابلسية المنبت والمنشأ، عربية الامتداد، فلسطينية الأفق، مُفتتحُها العام 1957، يوم انتسب الرافعي إلى حزب عروبي طليعي، حزب البعث العربي الاشتراكي، ولتطوى آخرُ فصول هذه الملحمة في العام 2017، حين أغمض حكيم طرابلس عينيه، وارتحل عن هذه الدُنيا جسداً، وليبقى ذكرهُ مخلّداً، إلى يوم يُبعثون!».

عبد المجيد الرافعي، شاء له القدر أن يسيرَ طريق الجُلجُلة، جُلجُلة مدينتِهِ طرابلس، التي رفعته إلى سُدّة النيابة رقماً أوّل (17517) صوتاً، في العام 1972، وجلجلة لبنان، وقد خاض نضالاً مُرّاً في ساحات النضال الجماهيري ومن قبة البرلمان، وجلجلة الأمة التي عانت، ولما تزلْ تُعاني جِراحاً سخينةً، وتألُّب قوى الشر والعدوان عليها.

نادتهُ أوجاع أبناء مدينتِهِ واستصرختهُ الجراح، فلبّى النداء، بَلْسَمَ وسعى إلى شفاء!

ناداه الوطن لبنان، فما بخل عليه، وأصاخ إليه السمع، ولم يُوفِّر جهداً لإنقاذه من فم التنين!

نادته فلسطين، نادته العروبة، فجال في بقاع الأرض، منتصراً لقضية العرب الأولى، ولقضايا الأمة وما أكثرها!

هي مسيرة، جازها «الحكيم»، لم يتمَّ فيها التقاط الأنفاس، ولم يكن لهذه المسيرة أن تتوقف، ذلك أن توأم المناضل الرافعي، زوجته المناضلة السيدة ليلى بقسماطي الرافعي، أعلنتها بالفم الملآن، أعلنت على الملأ أن مسيرة عبد المجيد ما زالت تُغذّّ السير! فهو ارتحل بالجسد، ولكنه دائم الحضور، باقٍ خطاً نضالياً، لا محيدَ عنه! فها هي دارةُ عبد المجيد الرافعي، لم تزلْ عامرة بروحه النضالية، وكأن شيئاً لم يتغيَّر، على رُغم عظم المصاب. «فلقاء الثلاثاء» الأسبوعي، الذي أطلقه «الحكيم»، غداة عودته من منفاهُ العراقي القسري في العام 2003 لا زال «شغّالاً». فهو ينعقد أسبوعياً بإدارة وتوجيه من السيدة ليلى، وليغدو بمنزلة برلمانٍ شعبي تشاوري، حول مختلف قضايا المدينة وشؤونها، كما قضايا الأمة.

أيها الأحباء،

في هذه المسيرة/السيرة لم نترسَّم خطى واضعي السير التقليديين، جُلُّهم إعلاميون مُتخصصون بالخبر وليس بالبحث العلمي الرصين!

هكذا دخلنا على الرافعي، من خلال مدينتِهِ، ومن خلال المحيط العربي الأوسع، ومن بوابة الأحداث التاريخية والسياسية التي عصفت بالمنطقة، منذ بدايات القرن

العشرين، أخطر القرون في مسيرتها اقتناعاً منا بأن عبد المجيد الطيب الرافعي ليس نتاج الدوحة الرافعية الخلوتية الطاعنة في زَمَنَي الدين والدُنيا، على أهمية ذلك. كما أنه ليس نتاجاً طرابلسياً صِرفاً ، وليس ابن حزبه، «حزب البعث العربي الاشتراكي» وحسب، بل هو نتاج كل هذه الأطر، صغيرها وأوسعها وأكثرها اتساعاً، مما يجعله ابن مرحلة تاريخية، أثمرت في أرضٍ رافعيةٍ طرابلسيةٍ ذات زرع، فكان عبد المجيد الرافعي!

من هُنا، فإننا، عبر هذا السِفْر، نقرأ مسيرته/ سيرته، نتعرّف موقع مدينتِهِ والوظيفة التي أدّتها، في حراكها المستغرق في الزمن، كما نقرأ سيرة أمته وقضاياها، إلى مسيرةِ الحزبِ الذي استهداهُ، إبّان ستين سنةً، ومن دون انقطاع!

أيها الأحباء،

لقد قاربتُ مسيرة/سيرة الرافعي، بفكر نقدي تحليلي، معتمداً المنهج العلمي، مُتسلّحاً بعدة معرفية، قوامُهَا: التأريخ، بمفهومه الخلدوني الصيروري، وليس السرديّ الحكائي الرتيب، والسوسيولوجيا، وعلم الاجتماع السياسي، وعلم النفس، كما الفلسفة، بما هي نظرة شمولية أسهمت في تماسك النص الذي وضعتُهُ، وفي «مَنْطَقَتِهِ».

ولقد أفدتُ من أرشيف، زوّدتني به السيدة ليلى، إلى توسُّلي عشرات المراجع، بالعربية والأجنبية، وشهادات لأحياء عاصروا «الحكيم»، بعضهم لعب دوراً سياسياً إلى جانبه، رفاقاً وأصدقاء، وبعضهم الآخر من معاصري تلك الحقبة، خلّفوا مذكراتٍ، رفدت المعطيات التي امتلكنا. ناهيك عن وثائق هامة، وعن صُوَرٍ تستعرض مسيرة الحكيم العُمرية، منذ سنيِّهِ الأولى وحتى الرحيل، إلى توثيقها بالصورة مختلف المحطات والفعاليات السياسية التي طبعت المسيرة/ السيرة!

وقد كان ملحقٌ ثرٌّ،استدركنا فيه بعض ما فاتنا من مُعطيات ووقائع في النص الأساسي للكتاب.

لقد حرصنا، من موقعنا، كمتضلّعين من اللغة العربية، ولا فخر، على تجنّب اللغة الخشبية، لغة القبور، فكانت لغة حية، تُحتسبُ في خانةِ حسناتِ هذا المؤلَّف!

أيها الأحباء،

أزعُمُ أنني، عبر هذا الكتاب/ السِفر، بقدر ما انتصرتُ للحقيقة العارية، فقد أنصفتُ «الحكيم»! أعترفُ بأنني تعاطفتُ معه، وقد لازمني، ليل نهار، طيلة أربعة عشر شهراً، غدا لديّ همي الوحيد وشغلي الشاغل!

أجل! تعاطفتُ معه – فهو أهلٌ لأن نفعل – ولكنني لم أنطقْ عن هوى! قلتُ ما يجبُ أن يُقال، لا أخشى في الحق لومة لائم! هي مسافةُ الصُدقية والبحث الموضوعي الرصين، ما فصلت بين «الحكيم» وبيني، مُستعيداً، في هذا المجال، قول أرسطو، في معلّمه أفلاطون:«أنا صديقٌ لأفلاطون، ولكنني صديقٌ للحقيقة أكثر!».

في مأثورنا الديني الإسلامي: «إن للمجتهد أجرين إن أصاب، أجراً على اجتهاده وأجراً على إصابة الحق، وإن للمجتهد أجراً واحداً إن أخطأ!».

حسبي أنني اجتهدت وجهدتُ في الشهادة للحق والحقيقة، وعساي أحظى بالأجرين معاً!

ختاماً، ومن منطلق أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، أتقدم بجزيل الشكر والامتنان من كل من كانت له يدٌ أو مسعى، في إنجاز هذا الكتاب.

وعليه، فإن شكري بداءةً للسيدة ليلى بقسماطي الرافعي التي وقفت إلى جانبي في كل المحطات التي جازها الكتاب، والشكر موصولٌ لساعديها، الأيمن والأيسر، د. زينة ود. لينا الرافعي، وللأصدقاء الرئيس طارق زيادة والسفير د. خالد زيادة، ولأستاذنا الكبير فايز سنكري وللأستاذ فواز سنكري، وللسفير جهاد كرم والمهندس نقولا الفرزلي والأستاذ هشام أزمرلي والأستاذ رفيق أبي يونس وللمرحوم عميد الرافعيين الحاج فوزي الطيب الرافعي، ولكل من لم أذكر أو أتذكّر. والشكر أولاً وأخيراً لعائلتي، زوجتي سحر وأبنائي وائل ومايا وميرا الذين وفّروا لي مناخاً طيّباً وملائماً لإخراج هذا المؤلَّف إلى عالم الضوء.

كتبت صحيفة التمدن الغراء: «عبد المجيد الرافعي يعود اليوم في كتاب»، حسبي، بكل تواضع وإعتزاز، انني واضع هذا الكتاب!

رحم الله د. عبد المجيد الطيب الرافعي، وإنّا لذاكروه ما طلعت الشمس وما ابتدر القمر «وفي الليلةِ الظلماء يُفتقد البدرُ!».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.