طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«المجلس الدستوري» «لؤلؤة الطائف»!!

قناعتي بهذه التسمية، توَّجتها في مطلع رسالتي الماستر في الدراسات العليا – «ث» عام 1996 بعنوان:
«دور المجلس الدستوري في الحفاظ على مبدأ سمو الدستور»،
إذ عندما بدأت مسيرتي البحثية في علم القانون الدستوري وإجتهادات المحاكم والمجالس الدستورية، قرَّرت متابعة تحضير أطروحتي «دكتوراه دولة في القانون العام بعنوان دور القضاء الدستوري في أرساء دولة القانون» باشراف د. خالد قباني عضو المجلس الدستوري يوم ذاك. لأن الاجتهاد الدستوري الخلاّق، الذي أطلعت عليه خلال مسيرتي البحثية قد أستحوذَ على تفكيري، وكوّنَ لدي قناعة بأن لا وجود لدولة القانون من دون وجود مجلس دستوري فاعل.
لذا تصديت للانتقادات التي نشرتها الصحف بقلم أساتذة كبار في القانون العام وأذكر منهما الراحلين الكبيرين: أدمون نعيم ويوسف سعدالله الخوري، اللذين إنتقدا قرار المجلس الدستوري رقم 4/1996 المتعلق بالطعن في المادة الثانية الجديدة من المادة الأولى، وكذلك المادة الثلاثون الجديدة من المادة الثالثة، من قانون الانتخاب رقم 530.
وللتذكير فقد طُعِنَ يومها القانون الجديد الذي قسَّمَ المحافظات الست إلى أربعة كدائرة انتخابية واحدة (بعد ضم محافظة النبطية إلى محافظة الجنوب)، وجعل من محافظة جبل لبنان دائرة انتخابية واحدة في كل قضاء. وقد صدر القرار يومها بإبطال ذاك التقسيم، ورغم ذلك تمت مهاجمة المجلس الدستوري، لأنه وجّه من خلال قرار الإبطال – بحسب المنتقدين – المشرع اللبناني، لإعادة صياغة مادة تقسيم المحافظات بذات النسق الذي تمَّ إبطاله لكن مع إضافة عبارة وهي:
«بأنه قياساً على الظروف الاستثنائية ولأجل المصلحة العامة، تُقسم محافظة جبل لبنان على أساس الأقضية».
يومها جاء ردي دفاعاً عن قرار المجلس الدستوري الذي جاء صحيحاً وفق ما هو مستقر عليه الإجتهاد الدستوري في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا، حيث يمكن للمجلس الدستوري إصدار قراره بالمطابقة مع التحفظ
(Conforme sous reserve) كما يمكنه إعتماد التفسير الموجِّه (Interpretation directive) لكي يأتِ القانون مطابقاً للدستور.
حينذاك كنت أوقع مقالاتي القانونية تحت اسم مستعار، كوني كنت لا أزال في الخدمة الفعلية. ولم يُعرف من كتب هذا الرد القانوني، ليبقى السر لغاية 2002 عندما زرت الراحل د. أدمون نعيم في منزله في «الرابية» مع ضابط برتبة نقيب يُحضِّر رسالة ماستر معه، وفي سياق الحديث أبلغته بأنني أنا من كتب الرد يومها عليه والذي نُشره في جريدة «الأوريون لو جور» فما كان منه إلا أن سحب من أرشيفه المقال، مهنئاً لي عما كتبته لأنه راجع – يوم إطلاعه على مقالتي – المراجع الفقهية الدستورية التي اقتبست عنها، وقال لي، من يومها وأنا مقتنع بما كتبته!!
لقد تطرقت إلى هذه المقالة، لأوضح عدة أمور أهمها أنني قرأت وتابعت الإنتقادات التي وجهت إلى طريقة التعيين والمحاصصة في تسمية أعضاء المجلس الدستوري، والحقيقة أنني أنزعجت مما كُتِب، رغم أنني كنت من بين الأسماء المطروحة ولم يحالفني الحظ، لأنه على ما يبدو أن هناك من اجتهد في موقع ما في الدولة وقرَّر من تلقاء نفسه بأن «شروط نصاب التعليم «العالي» لدي لم تستوف شرط 25 سنة تعليم»،
لن أغوص في تفاصيل هذا التصرف، لكنه من المؤسف أن لا أُبلَّغ الرفض إلاّ قبل ليلة من انعقاد مجلس الوزراء – (رغم إنقضاء أكثر من شهر ونصف على تقديمي طلب الترشح) -، وكأن من قرَّر ذلك لا يعتد بحقوق المواطن الذي تقدم بطلب ترشيح، وحقِّه بأن يُبلَّغ قرار الرفض لكي يلجأ لحقِّه القانوني في الطعن بقرار الرفض (!!!) أمام مجلس الشورى الذي له الحق بتفسير الشروط القانونية لمفهوم التعليم العالي وفق القانون 285 الصادر بتاريخ 30/4/2014 المتعلق بأسس التعليم العالي، أو على الأقل أخذ رأي هيئة الإستشارات والتشريع!
لكنني قرّرت طي هذه الصفحة، متمنياً، وفي سبيل الحفاظ على المجلس الدستوري، أن لا نحكم سلفاً على الأعضاء الذين عُيِّنوا بخيارات سياسية متعددة – وهذا ما هو معتمد في كل المجالس الدستورية – وللتذكير نقول بأن أول مجلس دستوري فرنسي عُين عام 1958 اختار الرئيس «ديغول» أحد الأعضاء الثلاثة من حصته، دكتوراً في الطب – ما علاقته بالدستور والقانون! – وعليه يبقى ما هو معتمد في لبنان لجهة التسمية من قبل السلطة السياسية معمولاً به في دول العالم، إذ من واجبنا أن نُعطي المجال للأعضاء الجدد بأن يثبتوا أنفسهم، وأن لا نحكم عليهم مسبقاً، ونُطبِّق عليهم مثلاً جديداً هو: «عند الامتحان، يُعرف معدن الإنسان» كي لا نُطبق المثل الشائع في هذا المجال، لأن المجلس الدستوري سيبقى بنظري «لؤلؤة الطائف» وإن سعت السياسة إلى تطويعه وتهميشه من خلال التعديلات المتعاقبة التي لحقت بقانون تأسيسه رقم 250 تاريخ 14/7/1993 التي لامست عشرة تعديلات.
وكم وكم من تلك التعديلات كانت غايتها إدخال من يريدون وابعاد الآخرين!!
لأنه لا يمكننا إلاَ التمسك بهذا المجلس، الذي يبقى خط دفاع أساسي لقيام دولة القانون في لبنان إن لم يكن اليوم فقد يكون غداً، وعلى الأعضاء الجدد أن يثبتوا جدارتهم وأن يخرجوا بقرارات لا لبس بحيثياتها، وأن يكون قدوتهم كبار القضاة الدستوريين بدءاً من القاضي الأميركي «جون مارشال» – المخلد ذكراه منذ 1802 مع قراره الشهير «ماربوري/ماديسون» – مروراً بالرئيس «روبير بدانتر» الفرنسي، وصولاً إلى الرئيس «وجدي ملاط». لأن التاريخ يُدَوِّن وهو لا يرحم!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.