طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«بوسطة عكار» والعقل الكانتوني اللبناني


لعل ما حدث مع باص عكار او “بوسطة الثورة” من محاولة منعها من دخول الجنوب هو أول صدام مباشر بين الخطاب الوطني للانتفاضة اللبنانية والتفكير الكانتوني المهيمن في ذهنية وعقل الكثير من القوى السياسية والإجتماعية اللبنانية. لقد سبق لنا وفي فترات سابقة ان سمعنا وقرأنا عن قرار بلدية الحدث بمنع غير المسيحيين من الإقامة في البلدة. كما سمعنا عن منع مستثمر شيعي من شراء أراضٍ في الشوف. وكذلك سمعنا وقرأنا قرارات اخذتها بعض البلديات في الجنوب بمنع بيع المشروبات الكحولية او الاختلاط في المناسبات العامة. لكن ما شاهدناه مع “بوسطة الثورة” هو أول مجابهة مباشرة، بين الخطاب الوطني الساعي إلى تخطي الحواجز المذهبية والطائفية باتجاه دولة المواطنة، والفكر الكانتوني الذي يرفض عمليا اعطاء الهوية اللبنانية الاولوية فوق اي انتماء آخر ويعمل على تكريس الانقسام النفسي والجغرافي بين اللبنانيين. لقد سبق وشاهدنا بعض المظاهر العملية لهذا الفكر الكانتوني عندما قامت بعض المجموعات بإنشاء حائط في نفق نهر الكلب وفي الناعمة. الا ان المبكي والمضحك هو أن يصطدم باص عكار مع جمهور في صيدا والجنوب يقوم معظم تاريخه النضالي على محاربة التقسيم والطائفية في لبنان. إن الأدوات المستعملة من قبل هذا الفكر الكانتوني لمنع الباص من دخول الجنوب ركزت على عملية التخوين من حيث ربط الباص سياسيا بحزب القوات اللبنانية اي بحزب من المفروض بنظرهم ان يكون انعزاليا وتقسبميا. إن تبني القوات لهكذا مبادرة يجب أن يكون مرحبا به إذ انه يعني تبني تيار حزب القوات اللبنانية للخطاب الوطني وهو المسار الذي تسعى كافة القوى التغييرية الوصول اليه.
١٦ تشرين الثاني هو تاريخ جديد مميز من تاريخ حركة التغيير في لبنان. في ١٧ تشرين الاول كانت انتفاضة معظم الشعب اللبناني ضد الفساد والطبقة السياسية اللبنانية. أما اليوم فقد دخلت الانتفاضة مع باص عكار مرحلة جديدة وهي مرحلة الصدام المباشر بين خطاب المواطنة والخطاب السياسي والإجتماعي المكون للسلطة السياسية وهو الخطاب الكانتوني. اليوم ابتدات الانتفاضة تتحول إلى ثورة. إنها معركة ستكون طويلة وشرسة. فالكانتونيون مسلحون ولن يتهاونوا عن استعمال السلاح واراقة الدم اذا ما تزعزعت كياناتهم ومواقعهم. لقد فعلوها سنة ١٩٧٥ وسيفعلونها اليوم. الاختلاف سيكون بهوية الفاعلين فقط. ولن يطول الوقت قبل أن تكتشف قوى الثورة والتغيير ان عليهم أن يحرروا أنفسهم من وجود بعض القوى الكانتونية والانعزالية فيما بينهم. لقد علمتنا تجارب الثورات والتغيير السابقة ان حركة التغيير تمتد على مدى طويل من الزمن وفيها بكل اسف الكثير من الدم ومن الصعود والهبوط. كما ان الانتصار ليس بحتمي لكنها معركة تستأهل بل يتوجب خوضها والا لا مستقبل لأي انسان في هذا الشرق المظلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.