طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

خطاب الشعب في مواجهة خطاب السلطة


ما حدث في الانتفاضة اللبنانية الأخيرة سعى إلى قلب الطاولة على خطاب السلطة، التي كانت تستخدم للمحافظة على بقائها، خطابًا يمينيًا حادًا، قائمًا على التخويف من الفريق الآخر في الوطن، متجاهلة كل أشكال الفساد وتراجع الخدمات، واستغلال النفوذ الذي كانت تمارسه الطبقة الحاكمة، الأمر الذي أدى إلى تدهور اقتصادي كبير، وتراجع في الواقع المعيشي للبنانيين، ما فجر الانتفاضة الأخيرة في وجه أركان السلطة مجتمعين.
لأنه لا بد للحراك الشعبي من إطار ثقافي يعبر عنه، فقد شهدنا ولادة شكل جديد من أشكال الخطاب، خطاب كان هامشيًا في السابق، بلا صوت مسموع، لكنه كان يغلي في نفوس اللبنانيين.
وعلينا أن نعترف أن تقاليد الحرية في لبنان، وتقدم وسائل الإعلام وامتلاك بعضها استقلالية عن السلطة السياسية إلى حد ما، قد ساعد على تظهير هذا الخطاب الهامشي، ووضعه في صلب الأحداث، وفي مواجهة خطاب السلطة المركزية الذي تراجع في أثناء الحراك اللبناني.
لقد شهدنا منذ اليوم الأول للانتفاضة اللبنانية التي عمت مختلف المناطق على مساحة الوطن، نزول أعداد كبيرة من الناس العاديين والمهمشين للاحتجاج على سياسات الدولة الاقتصادية، وكانت وسائل الإعلام تغطي الحدث بكفاءة عالية، وتتنقل بين المتظاهرين والمحتجين وتستمع إلى آرائهم وشكواهم، لقد تكلم على شاشات التلفاز في أيام الانتفاضة عدد كبير من اللبنانيين الهامشيين إن صح التعبير، فقد تكلم سائقو الحافلات وسيارات الأجرة، وباعة الخضار، والعمال في الورش، ومعلمو المدارس والجامعات، والنقابيون…، والطلاب من مختلف المراحل الدراسية ومختلف الأعمار، صحيح أن بعض الصحافيين كان يرفض أخذ تصريحات من الأطفال، إلا أن هناك استثناءات قام بها الصحافيون لصالح الأطفال المفوهين والمتكلمين.
لقد منحت وسائل الإعلام اللبنانية صوتًا قويًا لهؤلاء المهمشين، الذين كان بعضهم ينتقل من شاشة إلى شاشة أخرى ليتكلم ويعبر عن رأيه، فكأنما كان يريد أن يعوض عن الكبت الطويل في التعبير عن الرأي، وأن ينتقم من التهميش الذي لحق به وبرأيه، وقد مر على الشاشات الكثير من الأشخاص الذين نعرفهم، ونلتقي بهم دائمًا، وقد سمعنا صوتهم هادرًا مدويًا في وجه خطاب السلطة ومركزيته.
وفي أثناء صعود خطاب الهامش الذي ترافق مع الحراك، شهدنا انكفاء خطاب المركز والسلطة وتراجعه، فقد كان السياسيون تحت وقع الصدمة يجهلون ماذا يجب عليهم قوله، ومن النكات التي تندر بها الحراك اللبناني أن أحد الوزراء الذي كان يغرد مرارًا كل يوم على تويتر بقي 13 يومًا من دون أن يغرد، لقد كانت القنوات اللبنانية تستقبل في استديوهاتها مساء شخصيات من الحراك، وتتجنب السياسيين (وإن كانت لاحقًا عادت إلى استقبالهم)، ما شكل تراجعًا آخر في خطاب المركز أمام خطاب الهامش.
أما عن مضمون خطابات المهمشين من مختلف ساحات الوطن، فقد تلاقت الخطابات عند مجموعة من النقاط التي اتفق عليها الجميع، واختلفت في نقاط أخرى، لقد اتفق الجميع على تحميل الطبقة السياسية من مختلف الطوائف المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في البلاد من تراجع وتدهور من دون إعفاء أحد، وقد اتفق الجميع على نبذ الطائفية والاختلافات الدينية والمذهبية التي غذاها أهل السلطة للبقاء في مواقعهم، كما أجمع المتظاهرون على ضرورة محاسبة كل المرتكبين والمقصرين في أداء واجباتهم من أهل السلطة، ورجال الحكم، وكبار موظفي الدولة الدائرين في فلك المركز.
ولا بد من التوقف قليلاً عند ظاهرة رافقت الثورة، وهي انتشار الشتائم علنًا على شاشات التلفاز، وتحويل الشتائم إلى أغنيات، في الواقع من الناحية النفسية تعتبر الشتائم أحد أهم طرق التنفيس عن المشاعر والانفعالات، فضلاً عن كونها طريقة للحد من شأن المخاطب أو التقليل منه، وهذا يتناسب مع شعور اللبنانيين المهمشين أمام السلطة، فالمواطن الذي ضاق ذرعًا بعدم سماع صوته، يرغب في أن يجعل السلطة تشعر بالضآلة أمامه هو المواطن العادي المسحوق والمقهور.
أما النقاط التي يمكننا القول إن الحراك اختلف حولها، ولكنه أجلها إلى بحث لاحق، قضايا الدولة المدنية أو العلمانية، وإلغاء الطائفية السياسية، وسلاح المقاومة، والزواج المدني، وفي الواقع تعتبر هذه القضايا نقاطًا خلافية، ويعود الاختلاف حولها إلى مجموعة من العوامل الاجتماعية والاختلافات الدينية والثقافية وغيرها… وليس المجال هنا للحديث عنها.
باختصار يمكننا القول إن الانتفاضة اللبنانية قد أدت إلى صعود خطاب الهامش الذي ابتعلته المدينة الحديثة، خطاب المهمشين والمقموعين الذي لا يُسمع صوتهم، في مواجهة خطاب المركز، خطاب السلطة التي مارست كل أشكال القمع والاضطهاد بحق هؤلاء.
(جزء من نص أطول)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.