طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

الانتفاضة ترفض جرّها إلى مستنقع الطائفية

صار واضحاً أن هناك من يريد ان يجرّ الانتفاضة الشعبية اللبنانية إلى مستنقع الطائفية والمذهبية، أي إلى الملعب الأساس والمحبّب للقوى السياسية الحاكمة، لاعادة الأمور إلى المربّع الأول، كي يسهل الاجهاز على هذه الهبّة الكبرى عبر قسمها عمودياً وإعادة الشعب إلى أتون التشنجات المذهبية التي تخدم أهل السلطة. يجري هذا بعد خمسين يوماً من بدء انتفاضة فجّرتها الآلام العميقة التي أصابت الشعب اللبناني في الصميم، بفعل فساد الطبقة السياسية الحاكمة، ونهبها للمال العام، ما سبّب أضراراً مذهلة أصابت الوضعين الاقتصادي والمالي في البلاد.
أما الخطة التي يعتمدها أهل السلطة، من أجل مذهبة وتطييف الانتفاضة فلقد باتت مكشوفة فعلاً، إذ اعتمدت بشكل مركّز ومنهجي على محاولة استفزاز السنّة اللبنانيين، كي يُدفع بعضهم إلى اتخاذ مواقف مذهبية متشنجة، الأمر الذي من شأنه، إن حصل، أن يصيبهم بالعزلة، كون الثورة في الأساس قامت على أُسس وطنية غير طائفية.
في المقابل، لم يقع المواطنون السنّة في هذا الفخ، خاصة في مدينة طرابلس، إذ تمسكوا بوطنية انتفاضتهم، وواجهوا كل محاولات اختراق صفوفهم عبر دسّ من يطلق مواقف طائفية أو مذهبية تصيب الثورة كلها بمقتل وتنهيها بشكل مأسوي، بل تقزّمها من خلال تحويلها الى حركة احتجاج مذهبي مرفوض.
أما محاولات الاستفزاز، الهادفة الى دفع بعض السنّة باتجاه خطاب مذهبي منفّر، فلقد بدأت مباشرة بعد استقالة الرئيس سعد الحريري، إذ تمّ بعدها تجاوز القانون والدستور اللبنانيين، عبر السعي إلى تأليف الحكومة قبل تكليف رئيس مهمته فعل ذلك.
واستمرّت خطة الاستفزاز بعد البيان الذي صدر عن الرئيس الحريري، وأعلن فيه انه لن يقبل ترؤس حكومة تضم غير الاخصائيين، كما أعلن انه متمسك بقاعدة «ليس أنا بل أحد آخر». إذ جرى بعد ذلك التسويق لحكومة محاصصة معدّة سلفاً ويرأسها شخص تمّ التعامل معه وكأنه «باشكاتب»، وخضع لعدة امتحانات، خاصة من قبل الوزير جبران باسيل، وفُرضت عليه تركيبة حكومية تشبه إلى حد بعيد التركيبة الحكومية السابقة، وكأن الهدف هو إعادة انتاج السلطة الفاسدة عينها، والبدء بثورة مضادة مهمتها القضاء على ما انجزه الشعب اللبناني خلال الأيام الخمسين الماضية.
هذه الممارسة الاستفزازية، التي لم تؤثر على وطنية الشارع السني في هذه المرحلة الدقيقة والمصيرية في تاريخ لبنان، خاصة في طرابلس، دفعت رؤساء الحكومة السابقين إلى إصدار بيان أعربوا فيه عن رفضهم لـ «الخرق الخطير لاتفاق الطائف والدستور نصاً وروحاً. كما هالهم أيضاً الاعتداء السافر على صلاحيات النواب بتسمية الرئيس المكلف من خلال الاستشارات النيابية الملزمة لرئيس الجمهورية باجرائها وبنتائجها، ومن ثم الاعتداء على صلاحيات رئيس الحكومة عندما يتم تكليفه تشكيل الحكومة بعد اجراء الاستشارات اللازمة».
واعتبروا ان «أي مرشح لرئاسة الحكومة يوافق على الخوض في استشارات حول شكل الحكومة وأعضائها قبل تكليفه ويقبل بالخضوع لاختبار من قبل لجنة فاحصة غير مؤهلة ولا مخوّلة دستورياً، إنما يساهم أيضاً في خرق الدستور وفي إضعاف وضرب موقع رئيس مجلس الوزراء».
مكتب الاعلام في رئاسة الجمهورية رد على بيان رؤساء الحكومة السابقين، عبر بيان جاء فيه أن «الرئيس هدف الى تأمين تأييد واسع للرئيس المكلف ما يسهل عليه تشكيل الحكومة وذلك في ضوء التجارب المؤلمة التي حصلت في أيام أصحاب الدولة الذين أصدروا البيان».
أما الطامة الكبرى، على صعيد الاستفزاز، فلقد جاءت عبر الكلام، الذي وجهه وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية في حكومة تصريف الأعمال سليم جريصاتي، إلى ما أسماه «نادي رؤساء الحكومات السابقين»، قائلاً: «علم وخبر ناديكم مفقود وهو نادٍ مشبوه يتوسل الغرائز والشعبوية (…) كفانا شرّكم المفتوح على المستجدات».
بيان مكتب الاعلام في رئاسة الجمهورية دفع رؤساء الحكومة السابقين إلى إصدار بيان آخر، استهجنوا فيه «الامتحانات التي تجري لتحديد شكل ومكونات الحكومة العتيدة، وبعضها استعراضي فيما بعضها الآخر يجري في غرف مظلمة يقوم بها من هو غير مخوّل دستورياً بذلك».
كل هذه الاستفزازت، التي حصلت منذ استقالة الحكومة حتى اليوم، من أجل شقّ صفوف ثورة 17 تشرين، وتقزيم هذه الثورة عبر حصرها بفئة أو طائفة واحدة، ما زالت تواجَه بالرفض الكبير من قبل عموم الفئات المنتفضة في لبنان، ولعل اكبر دليل على ذلك الغضب العام الذي أثاره «فرض» مرشح معيّن لتولي رئاسة الحكومة، وهو غير مؤهل أو مناسب بعد ثورة 17 تشرين، ولقد تزامن هذا «الفرض» مع ضغط على القوى السياسية المعترضة على هذا الخيار، وخاصة على الحكومة المجترّة والجاهزة سلفا،ً من أجل التالي: القبول بالمرشح المفترض وبـ«تشكيلته»، وتسميته في الاستشارات النيابية، وإعطاء حكومته الثقة في المجلس النيابي، والمشاركة في هذه الحكومة عبر سياسيين لا تكنوقراط، والقبول بألا تحصل الحكومة على صلاحيات اشتراعية استثنائية، والقبول بعدم إبرام هذه الحكومة لقانون انتخاب عصري وعادل وغير طائفي، وبالتالي القبول بعدم إجراء انتخابات نيابية مبكرة.
حتى الآن، ما زالت انتفاضة 17 تشرين صامدة، وما زال أهل السلطة يكابرون، ويخترعون يومياً أساليب جديدة لاعادة انتاج سلطتهم الفاسدة ولاعادة التربع على عروش منظومتهم التي دمّرت الوطن بكل ما في الكلمة من معنى… كذلك، ما زال المنتفضون يقاومون أي محاولة لجرّهم إلى مستنقعات المذهبية والطائفية، ويصرّون يومياّ على ان منظومة الفساد كلها يجب ان تذهب إلى مزبلة التاريخ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.