طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

هل تستهدف «إيديولوجيا التجويع» الإيرانية لبنان؟

في سيتينيات وسبعينيات القرن الماضي راجت نظرية تحمل شيئاً من الجدية وشيئاً آخر من السخرية، وقد أُطلق عليها وقتها اسم «إيديولوجيا التعتير».
تلك النظرية كان المقصود منها الترويج لفكرة تعميم الفقر عند عامة الناس، مقابل وجود دولة قوية وغنية تهتم هي بالشؤون الحياتية الأساسية، ولو بالحد الأدنى، بوجود قيود اقتصادية صارمة على مستوى البلاد بشكل عام.
بالفعل، كان ذلك النموذج مطبقاً في دول المعسكر الاشتراكي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق.
وبالطبع، بات معروفاً ما كان مصير المعسكر السوفياتي، وبالتالي ما كان مصير «إيديولوجيا التعتير» تلك.
الآن في لبنان، نحن ذاهبون بسرعة نحو العيش في ظل «إيديولوجيا التجويع»، وهي نظرية مطبقة حالياً في إيران، ويبدو ان «حزب الله» يسعى لتطبيقها عندنا.
بيد ان هذه النظرية تنطلق فعلاً من مفاهيم إيديولوجية صارمة، تعتبر، تحت عنوان التضحية، ان ما من مشكلة في حرمان المواطنين العاديين من حقوقهم المعيشية البديهية وحريتهم الاقتصادية وقدرتهم على الانفتاح على العالم لتطوير أوضاعهم الخاصة، مقابل هيمنة الدولة والممسكين بها، بمفاهيمهم السياسية والأمنية والاقتصادية.
لكن، ما علينا ملاحظته هنا، انه في حالة الاتحاد السوفياتي السابق ومعسكره الاشتراكي، صحيح ان الشعب كان فقيراً ومعتراً، لكن في المقابل كانت توجد دولة راعية (لجهة الصحة والتعليم والنقل والشؤون الاجتماعية والمستلزمات الاساسية للمعيشة ولو بالحد الادنى). كذلك الأمر في ايران، فصحيح ان شعبها فقير وشبه جائع، لكن توجد هناك دولة راعية. فما المصير الذي ينتظره لبنان، اذا ما جاع شعبه، في ظل غياب تام للدولة الراعية؟ قد لا نجد عندئذ أمامنا سوى نموذج الصومال جواباً.
بالطبع، ستكون النتيجة العملية لاستنساخ النموذج الايراني تعميم الفقر والحاجة عند عامة الناس، وحصر الثروة والقوة بيد مجموعة صغيرة تتحكم بمصير الوطن، وفق قناعاتها الإيديولوجية، في معركة تراها عالمية وترى انها منذورة لخوضها، ولو كلًف ذلك مآسيَ كارثية على مستوى المواطنين بأكثريتهم الساحقة.
وهنا لا بد من التأكيد مجدداً أن الموضوع في الأساس ايديولوجي، ومن يعمل على تطبيق هذه النظرية في لبنان ينطلق فعلاً من مرتكزات عقائدية يؤمن بها بعمق وصدق، فيما لسان حاله أن لا غضاضة في أن يعيش الشعب في لبنان نفس ظروف الشعب في إيران، طالما ان المعركة، بنظره، معركة أممية، وطالما انه لا يعترف أصلاً بوجود الحدود «المصطنعة» بين الدول التي عليها خوض هذه المعركة (محور الممانعة).
لذلك، نرى هذه النظرية وقد تم تطبيقها فعلاً في العراق، وتجري محاولات لتطبيقها في سوريا (الجغرافيا السياسية لسوريا، وتداخل القوى الدولية فيها وخاصة روسيا، لا يساعدان في هذا المجال بشكل مطلق حتى الآن)، أما لبنان فبات حالياً معرضاً جدياً لخطر الانزلاق بالكامل نحو مصير أسود هو التجويع، وقد بدأت ملامحه ترتسم، وكل المؤشرات تدل على ذلك بوضوح.
لكن، لنعترف ان ما نعيشه اليوم من تحضير للتجويع ليس سببه فقط إيمان البعض بصوابية سلوك خيار النموذج الايراني، بل في الأساس يعود السبب الى الفساد الرهيب الذي مارسته الطبقة السياسية اللبنانية فأمعنت في سرقة المال العام إلى ان وصلت إلى سرقة المال الخاص الذي أُودع في المصارف، فاستدانته الدولة عبر مصرف لبنان، ثم صُرف من قبل الطبقة السياسية على مشاريع مليئة بالهدر والرشاوى والسمسرات وإنعدام الجدوى. وليست قصة الكهرباء التي كلفت أكثر من 40 مليار دولار إلاّ نموذجاً فاقعاً لهذا النهج الإجرامي الذي تسبب عملياً في انهيار النظام الاقتصادي اللبناني وضرب أسلوب حياة المواطنين بشكل دراماتيكي.
وفيما الانهيار يحدث بشكل متسارع، والذهاب إلى «ثورة جياع» صار اشبه بنتيجة طبيعية لهذا المسار، تبدو السلطة السياسية في لبنان عاجزة عن ابتكار أي مبادرات تاريخية تفرمل التداعي، وتؤسس لشكل من أشكال النهوض من جديد، بعد الوقوع الصادم.
وهذه السلطة، التي تبدو أقل من عادية في زمن أكثر من استثنائي، تفتقد أساساً إلى أي معطيات سياسية إقليمية أو دولية تساعدها وتساعد لبنان في البدء في حل بعض المشكلات، وتفتقد أيضاً إلى الشجاعة والرؤية والخطة والإرادة، لفرض إصلاحات سريعة وحاسمة تضع القطار على بداية سكة لحلٍ ما.
حتى الآن اكتفت هذه السلطة بالندب والشكوى من «التركة الثقيلة»، وبالدخول في مزايدات وسجالات حول من سمّتهم «المحرضين الخبثاء»، بدلاً من النظر إلى الأمام وبث شيء من الطمأنينة لدى الناس، بأن من هم في الحكم يملكون تصورا،ً ولو بسيطاً، للخروج من المأزق.
التصرفات التي جرت في لبنان في المرحلة الأخيرة تدل على تخبط مذهل، ومن الأمثلة على ذلك القرار الذي اتخذه المدعي العام المالي في ما يتعلق بالمصارف دون أي حساب للأثر الذي يمكن ان يولده تطبيق أمر من هذا النوع، وكأن المطلوب هو القضاء نهائياً على الطبيعة الاقتصادية للبنان. ويأتي في هذا السياق التعاطي مع قضية «اليوروبوندز» بشكل غير مدروس وفي اللحظة الأخيرة وبلا أي تفاوض مع الدائنين لايجاد مخارج غير مؤذية ولو من خلال عدم الدفع. ثم جاء تعميم نظرة ايديولوجية إلى «صندوق النقد الدولي»، بأنه يحمل أجندات ووصفات جاهزة تستهدف لبنان سياسياً وأمنياً، وكأن من عمّم هذه الفكرة ينوي، وبالقوة، الإبقاء على المعابر الحدودية غير الشرعية كما هي اليوم، وحماية التهرب الجمركي عبر المرافىء البحرية والجوية، وتأبيد التهريب بكل أنواعه، أي بمعنى آخر الاحتفاظ باقتصاد موازٍ لدويلة تقضم الدولة بشراسة وبمسوغات ايديولوجية راسخة.
اضافة إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى التعنت الفظيع من قبل السياسيين في ما يتعلق بالقضاء، وما الهجمة الشرسة على التشكيلات القضائية التي اقترحها مجلس القضاء الأعلى بعيداً عن التسييس، إلاّ نموذجاً وقحاً لطريقة عمل هذه الجهات السياسية وتمسكها بمكاسبها وسعيها لابقاء الأمور على ما كانت عليه، بالهيمنة والزبائنية والضغط على مؤسسات الدولة ومن ضمنها القضاء.
أخيراً، علينا الا ننسى الكلمة التي وجهها رئيس الحكومة حسان دياب بمناسبة إعلان عدم سداد سندات «اليوروبوند»، فهذه الكلمة كانت أكبر مثال على مستوى الضياع الذي تعيشه السلطة، فهو اكتفى بقول ما يعرفه كل اللبنانيين حول الوضع المعيشي، وبتحميل المسؤوليات إلى من سبقوه، وهو لم يتطوع لإعلان أي مبادرة أو خطة أو رؤية للخروج من الأزمة، بل فقط اكتفى بكلمات انشائية، وبمطولات لا تُغني ولا تسمن، فيما المجتمع اللبناني يغلي، والجوع يهجم، والمأساة تقض مضاجع الناس، الذين يراقبون استعدادات «العهد القوي» للاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس جمهورية باتت الآن تنازع، في ظل عهد لم يشهد لبنان «أقوى» منه طوال قرن مضى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.