طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

انتخابات طرابلس بغياب المشروع السياسي والخطاب التنموي

لا شك أنّ الانتخابات، كما كل انتخابات، هي استحقاق دستوري يجب أن تُحترم مهله، وأن يجري في مواعيده، حتى تستقيم اللعبة الديمقراطية وتُحترم المداورة.
ولا شك أنّ استحقاق منتصف أيار المقبل يأتي في ظل أشد أزمة سياسية -اقتصادية-أخلاقية يعيشها لبنان منذ نشأته:
فهي أولًا، أزمة سياسية كبرى، إذ يُحكِم «حزب الله» سيطرته على القرار السياسي في لبنان بأكثرية أو أقلية نيابية، فيمسك بالتالي بالقرار لكن ليس بالسلطة، في واحدة من أمهر الألعاب السياسية. وبموجبها، يترك للرؤساء المسؤولية ويتحكّم بكل مفاصل أداء الحكومات المتعاقبة، وتمثّلت التجربة الأخيرة، عبر تعطيل جلسات مجلس الوزراء لثلاثة أشهر بسبب اعتراضه على تحقيقات تفجير المرفأ.
أمّا ثانيًا، فهي أزمة مالية-اقتصادية-نقدية صنّفها صندوق النقد والبنك الدولي بأنّها بين أسوأ ثلاث أزمات عالمية منذ القرن التاسع عشر، وأنّهم لم يشهدوا مثيلاً لها منذ إنشاء الصندوق.
ثالثاً وأخيراً، انها أزمة أخلاقية دفعت النخبة السياسية الحاكمة إلى تعطيل إقرار قوانين التدقيق الجنائي والكابيتول كونترول ورفع السرية المصرفية، بعد مرور أكثر من عاميْن على 17 تشرين الأول، كما دفعت بها إلى وقف معامل الكهرباء عن العمل، وتعطيل الإصلاحات وتبذير ما تبقى من احتياطات مصرف لبنان من العملات الصعبة بدلاً من حسن إدارتها.
وفي ظل هذه التعقيدات، تخوض إحدى عشرة لائحة الانتخابات النيابية في دائرة الشمال الثانية، أي طرابلس والمنية والضنية. ويطرح بعضها شعارات سياسية كبرى فحسب، وبعضها الآخر يطرح شعارات التغيير، أمّا البعض الثالث فيخوض الانتخابات للحفاظ على مقعد نيابي له أو لولده من بعده.
تطرح بعض اللوائح، بل معظمها أفكارًا ممتازة، لكن التجارب السابقة أثبتت أنّ المشكلة ليست على مستوى طرح الأفكار، بقدر ما هي في تنفيذها. ويقترب موعد استحقاق أيار في غياب كامل للأحزاب السياسية الجدية أو الحداثية أو المنظمة عن الفيحاء ومحيطها، ومع بروز شخصيات مبعثرة لها قيمتها وحضورها، ومتمولين كبار وتقليد امتهان العمل السياسي.
لم ينجح قادة المدينة، منذ عقد ونيف، في خدمة طرابلس بشكل فاعل، ولا في تحسين حضورها السياسي رغم تبوُّء كثيرين مقاعد متقدمة، ولا في تحسين واقعها الاقتصادي قيد أنملة، ولم ينجحوا في تفعيل أو ضبط عمل بلديات الفيحاء، بل على العكس، حوّل ساسة طرابلس بلديتها إلى جثة، وتوزعوا قميصها الممزق.
من جهته، لم يستطع المجتمع المدني، والثورة وأهلها، في إقناع أهل المدينة (ولا أدري إذا كانوا هم أنفسهم مقتنعين) أنّهم يشكّلون بديلًا جديًا سياسيًا وطنيًا أو بلديًا محليًا من النخبة الطرابلسية في المجلس النيابي أو البلدي.
وعلى الرغم من كل ما سبق، نجد أنفسنا أمام استحقاق ندرك أنّه لتمرير الوقت، ولذلك، يجب أن نمرره بأقل الأضرار الممكنة، فالضرر الكبير قد وقع على الجميع، الذين أُفقِروا واحتاجوا وخسروا أموالهم في المصارف، من جنى عمر وتعويضات ومدّخرات، ناهيك عن أنّ التشوّهات في الحياة السياسية اللبنانية يصعب ترميمها في استحقاق نيابي واحد، سواء في طرابلس أم في أي مكان في لبنان.
وبالتالي، لا يعدو استحقاق أيار النيابي كونه محطة في مسار طويل، ويصبح لزامًا على الناس أن يصوّتوا لمن يرونه الأفضل للبلاد والعباد، أو أن يمتنعوا عن التصويت إذا لم يجدوا من يمثّل وطنهم النهائي لبنان، ومدينتهم العزيزة طرابلس، خير تمثيل، أي شخصية تحدّ من الخسائر الواقعة، بعيدًا من «الأنا» المنتفخة والشعارات التي تفرغ من مضمونها في صبيحة اليوم التالي للانتخاب.
وأختم بقول رسول الله الذي نستشهد بأقواله صبحًا وعشية: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدِه، فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّتِه».
عسى أن نحسن الاختيار في زمن عزّت فيه الخيارات، وعسى أن يأتي من يحمل همّنا، ويشعر بألمنا، ويعيش حياة الناس. والخيرة في ما يختاره الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.