«تلك الأيام»… كتاب بمثابة متحف متنقل
د. عاطف عطيه…
لطاما تمنيت أن يكون لي كتاب يبحث في ثنايا الثقافة الشعبية المادية واللامادية التي كانت تغلف حياتنا في ما مضى من الأيام. «تلك الأيام» التي حوّلها خضر ضيا من تمنيات إلى واقع يسعى، ليس فقط إلى تذكيري بذلك النمط من الحياة الذي كنا نعيشه في مسرى حياتنا الرتيبة، وعلاقاتنا المبنيّة على كل ما يدل على البساطة والعفوية، والانشغال الدائم باستمرار الستر وعدم الحاجة إلى الغير في تسلسل مجريات حياتنا العملية.
نمط الحياة هذا، أعاد تركيبه، مثقف مسكون بالتراث الشعبي، ليكون معطيات دسمة وضعها على مائدة معرفية تدلّنا على كيفية ممارسة أعمالنا في ما مضى من الأيام، وطريقة نسج علاقاتنا اليومية، في قالب قصصي رائع، يعطي لما هو موجود بين أيادينا من أدوات استعملها آباؤنا واجدادنا في أزمنة سبقت، إن كان في اللباس أو أدوات المنزل، وأدوات العمل اليدوي والفلاحة والزراعة، وكل ما ينتجه الانسان في حياته العملية للمساعدة في تدبير أعمال يومه، أو في ما يجلبه من آلات بسيطة أنتجها حرفيون تكيّفاً من نمط الحياة التقليدية السائدة، أو استجابة لنمط معاش لا يمكن أن يستمر بدون وجودها بين يديه في ممارسة حياته ونشاطاته العملية لتأمين كفاف يومه من الطعام، وللحماية مما يمكن أن تغدر به الأيام إيماناً منه أن الغد بظهر الغيب، ولا بد من تأمين الحماية من غائلة الأيام، إن كان على سبيل ما يضع بين يديه من وسائل الحماية لتأمين المعاش اليومي، أو ما يختزنه في ذهنه من معطيات غيبيّة وأنماط إيمانية تسلّم كل شيء إلى رب السماء، علام الغيب، والقادر على كل شيء، وبيده مقاليد الحياة والموت، مع ما يرافق ذلك من الرقى والتعاويذ لإحاطة النفس والجسد بالوسائل اللازمة للتصفيح.
ما قام به خضر ضيا لا يقتصر على جمع المعطيات المادية، واللامادية، التي شكلت، ولا تزال تشكل في الكثير منها اللامادي، عصب الحياة في أزمنة سبقت. ذلك أن تطور الحياة الحديثة، ونمطها المستحدث بأدواته وآلاته وطرق معيشته، قد أخفت الكثير مما كان يستعمل في المنزل، أو الحقل، أو في تدبير شؤون الانتاج الزراعي، أو إنتاج الطعام في المطبخ، أو في التغير السريع في موضة الثياب وأزيائها المتبدلة والمتغيرة باستمرار، لا لأن نمط الحياة الذهنية والفكرية تغيرت فأنتجت ما يتناسب مع تغيرها، بل لأن هذه التغيرات جاءت على غير ما أنتجته عقولنا، وما طلبته حاجاتنا النابعة من ذلك التفاعل الدائم بين قدراتنا المادية وتفاعل العقل والروح معها، لينتقل التغيير من حالة تقليدية تتناسب مع ما هو موجود، لتنتقل مع ما استجد إلى نمط متناسب معه، ومخالف لما كان. جاءت هذه التغيرات المادية، إن كان في هندسة المنزل، أو في مفروشاته وأثاثه استجابة لحاجات استهلاكية تفاخرية تميز أصحاب هذه الحاجات عن غيرهم من العامة، ومن ثم انتقلت إلى هؤلاء بحكم التقليد والمحاكاة، باعتبار أن الضعيف مولع بالاقتداء بالقوي، والفقير بالغني، والمغلوب بالغالب، إذا صار بمقدرته فعل ذلك. فكان أن تغير نمط التعاطي مع مقتنيات المنزل، وموجبات اللباس والزينة، وادوات النقل والزراعة والانتاج في شكل عام، دون أي تناغم أو انسجام وتنسيق مع بنية ذهنية لا تزال في مضمونها التقليدي المخالف لما هو موجود في الشكل. فتزامنت بذلك مقوّمات السحر وصيبة العين وظواهر الحسد والكبسة وكيفية معالجتها، مع أحدث ما أنتجته المصانع الغربية من أدوات وآلات تأتي إلى بلادنا وتتزيّن بالعين الزرقاء والكف الفضي وحذوة الحصان وحذاء الولد الصغير لإبعاد كل ما يمكن أن يضرّ أو يصيب مقتني هذه الأدوات والآلات. ولا أزال أذكر أول سيارة اقتنيتها كيف جهدتُ لأزيل الخميرة التي ألصقت على مقدمتها.
أقول هذا الكلام، لأعبّر عن أهمية ما جمعه خضر ضيا في كتابه الأول عن المعتقدات والطقوس التي تلازمت مع حياتنا التقليدية، بالاضافة إلى جملة الأدوات المادية التي كانت تستعمل في ما مضى من تلك الأيام، لا لشيء، إلا لإظهارها أمام ناشئتنا الحديثة التي لم تلحظ هذه الأدوات في مسيرة حياتها. ولتعلم أن الملعقة الذهبية، أو ما شابهها من أدوات حديثة، لم تكن على ما هي عليه في غابر الأيام، بل جاءت نتيجة تطوّر حياتي وتغيّر يومي في نمط حياة كان له في كل عصر أدواته؛ وهي الأدوات التي عليها، بالحتم والجبر وحكم الحاجة، أن تستجيب لمتطلبات الناس. ولأن لكل عصر متطلباته، فإن هذه الأدوات لا بد أن تتغير وتتطور لتقوم بالمهام نفسها، باعتبار أن حاجات الناس دائمة وأدوات إشباع الحاجة متغيرة، بتغير الظروف والأحوال، ومتناسبة مع القدر من التطور الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان، حسب المنطق الخلدوني الذي اعتبر أن الانسان بطبيعته توّاق إلى الانتقال من الضروري إلى الكمالي، حتى يصير الكمالي ضرورياً لديه، مع خلق كماليات جديدة إلى أن تصير ضرورية.. وهكذا. وكلما أغرق الانسان نفسه في الحضارة، كلما كان تواقاً إلى ما هو جديد، حسب قوله أيضاً.
أهمية كتاب «تلك الأيام»، في الدرجة الأولى، أنه يخبرنا كيف كانت تسير حياتنا التقليدية، برتابتها البطيئة، وبأدواتها، في أسلوب روائي محبّب، يجلب القارئ ويشدّه، ويسمّره أمام دفتي الكتاب المفتوحتين على قصص، وأخبار مرويّة بسلاسة ظاهرة، وأسلوب أدبي شيّق، يعطي لكل مناسبة عادية، تكاد تمر في مجرى الحياة اليومية بدون لفت نظر أو انتباه، أهميتها الخاصة ليبين ما تتيحه هذه اللحظات من معرفة في كيفية مرور الأيام في القرية اللبنانية التي ما كان يعني لها الوقت والزمن أكثر مما هو ضروري لمعرفة أوقات البذار والنضج وقطف المواسم، وكيفية التحضير لما تواجه به الأيام في الأوقات العصيبة، ولحظات الشدة التي لا يمكن معرفتها إلا في وقتها، وبإرادة الله التي لا تُرد ولا تُناقش.
ما يلفت النظر في هذه المرويات انها جاءت متماثلة تماماً مع ما كنا نعيشه في حياتنا اليومية في شمال لبنان. فجاء نمط الحياة التقليدية واحداً من أقصى جنوب لبنان إلى أقصى شماله، ليس فقط في دورة الحياة اليومية، وفي الادوات المستعملة في كل شأن من شؤون الحياة، بل أيضاً في تسمية الأدوات المستعملة وفي كيفية استعمالها، وفي أهميتها في حياة القروي اللبناني. فجاء هذا التصنيف ليقول بالبساطة المعهودة، وبالبراءة من أي توجه إيديولوجي أن اللبنانيين يعيشون حياتهم في وحدة من التقاليد والعادات والمعتقدات، ولا يعوزهم ليكونوا مجتمعاً واحداً متماسكاً إلا ما يقنن هذه التوجه ويجعله في صميم حياتنا التي يمكن ان ينبثق عنها نظام اجتماعي سياسي واحد متطهر من مثالب الطائفية والتعصب على أي وجه كان.
أما أهمية الكتاب في الدرجة الثانية، فهي في كون المؤلف صنع منه متحفاً متنقلاً، كم نحن بحاجة إليه، وحوّله إلى معجم من المفردات والتعابير المتعلقة بكل ما كان يشكّل محتوى الكلام في حياتنا اليومية، في فترة سبقت يفصلنا عنها ما لا يزيد عن خمسة عقود. وهو عمل جدير بأن يدخل في تصانيف الثقافة الشعبية اللبنانية بشقّيها المادي واللامادي، لما تحتويه من هذه المفردات التي طواها الزمن، أو كاد لولا تسجيلها، ولما رافق ذلك من أمثال شعبية ترافقت مع الأحداث التي سجّلها باحثنا في كثير من البراعة، وكثير من العشق الملتصق بكل ما مرّ في حياتنا اليومية. وهو ما دفعه إلى التصنيف والتسجيل. فقام مع القلائل ممن سبقوه بمهام كان على وزارة الثقافة أن تقوم بها، ليس فقط على صعيد الجمع والتصنيف، بل أيضاً على صعيد إنشاء المراكز والمراصد الثقافية التي عليها أن تكون نواة لإنشاء المتاحف الحافظة للتراث الشعبي لتصنيف وعرض كل ما يمتّ إلى ثقافتنا الشعبية بصلة، أسوة بالبلدان المتقدمة والعالمة بأهمية تراثها الشعبي.
