طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

الدكتورة ناديا ظافر شعبان: كولومبوس لم يكتشف أميركا

الدكتورة نادية ظافر شعبان مع سفيرة اسبانيا ميلاغروس هرناندو يوم تقليدها الوسام الملكي

أجرت «التمدن» حواراً مع الدكتورة نادية ظافر شعبان حول كتابها الجديد «الرحالة الأندلسيون.. كولومبوس واكتشاف أميركا اللاتينية»

يشمل إنتاج الدكتورة ناديا ظافر شعبان الأدبي، الترجمة عن الإسبانية – شعراً، رواية وبحثاً – الرواية، القصة القصيرة، البحث، المقالات والمحاضرات في بيروت، كما في عواصم أخرى عربية وغربية:

حاضرت عن الأدب العربي والإسلام والحضارة الأندلسية في كل من مدريد، اليكانيه، ماراكش، القاهرة، بيروت، دمشق، عمان وكاراكاس في فينزويلا.

كما شاركت في «مهرجان الشعر العالمي» في فنزويلا 2009، بترشيح من السفيرة سعاد كرم. كما نشرت قصائدها التي ألقيت في المهرجان في الديوان الخاص بالمناسبة، ظهر فيه إسمها إلى جانب كبار شعراء من: أمبركا اللاتينية، إيطاليا، اليونان، وظهر في موقع «غوغل» الذي خُصص للتعريف بالمناسبة، تحت عنوان «شعراء عالميون».

نالت الدكتورة الوسام العالمي لبابلو نيرودا، الذي منحه الرئيس التشيلي ريكاردو لاغوس، لأهم الباحثين في شعر «نيرودا» في أنحاء العالم. ومنحها الملك الإسباني دون خوان كارلوس، وسام الإستحقاق الإسباني لإعتبارها من أهم الباحثين في الحضارة الإسبانية والأندلسية، في الشرق الأوسط وإضافة إلى شهادة تقدير ملكية 2013.

وتلقت دعوة للمشاركة في «مهرجان الشعر» الذي سيقام في السلفادور في الثاني من آب، في مدينة «لاليبرتاد». وجه إليها الدعوة، الشاعر السلفادوري العالمي، «اوتونييل غيفارا» المترجم إلى ثماني لغات، والذي نشر لها بعض قصائدها المنظومة بالإسبانية في الملحق الأدبي لجريدة «دياريو كولاتينو».

أصدرت الدكتورة حتى اليوم 12 كتاباً، أشهرها «رسائل قادش»، «مختارات من لوركا» (ترجمة)، ورواية «رحلت الطفلة».

«الرحالة الأندلسيون/كولومبوس وإكتشاف أميركا اللاتينية» هو إصدارها الأخير، الذي حاورناها حوله، والذي يُعتبر الأول من نوعه في المكتبة العربية.

ماذا تقولين عن هذا الكتاب – البحث؟

إن فكرة البحث «كولومبوس لم يكتشف أميركا»، جريئة جداً، وصادمة، على اعتبار ان تلامذة العالم كله درست ان كولومبوس هو مكتشف العالم الجديد، أي المغالطة التاريخية التي كرست حقيقة وحيدة طوال أكثر من خمسة قرون، والتي سبقنا إلى تفنيدها في أميركا اللاتينية وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، باحثون جريئون، يحترمون الحقيقة العلمية، لشعورهم بقوة المسؤولية الأخلاقية والأدبية إزاء القارىء، الذي ينبغي ألا يشوهوا أمامه الحقائق التاريخية، لدواع سياسية دينية. ولم يجدوا حرجاً بالاعتراف بأسبقية المسلمين الأندلسيين بإكتشاف القارة الأميركية، والوصول إليها قبل كولومبوس، الذي أطلع حين كان في البرتغال على إرثهم الجغرافي الهام (1481)، وأعتمد على خرائطهم، ليحقق إعادة اكتشاف أميركا اللاتينية، نجد في مذكراته ومذكرات إبنه، أكثر من دليل على تواجد المسلمين في القارة، قبل وصوله إليها.

إن أول من أرخ للتواجد المسلم في القارة قبل كولومبوس، هو المكسيكي «مانويل أورروزكو إي برا» 1816-1881 في كتابه الذي يقع في أربعة أجزاء، وعنوانه «التاريخ القديم لغزو مكسيكو» ويشير فيه إلى شعوب زنجية قادمة من أفريقيا، استعمرت أميركا الوسطى والبرازيل، وانتشرت بالتالي في جنوب وشمال القارة.

وهذه الحقيقة التاريخية، تتكامل مع ما أورده المؤرخ الدمشقي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فضل العمري (1300-1384)، من أن سلطان مالي «أبو البكاري الأول» (1285-1312) جهز حملتين استكشافيتين، عبرت أولاهما البحر القريب أي الأطلنطي، وغرقت فيه، ولم ينج من الأربعمائة سفينة غير واحدة، والحملة الثانية التي قادها شخصياً، لم تعد إلى الوطن.

وبدءاً من القرن العشرين، يثير موضوع اهتمام باحثين غربيين مثل الفرنسي جيل كوفيه، الألماني الكسندر فون ووتينو، الأميركيين ليو فاينر، عبدالله حكيم كويك، والكولومبي ماوريثيو أوبريفون.

وتعززت هذه الحقيقة التاريخية، عندما نشرت «لويزا الفاريز دي توليدو»، دوقة ميديناسيدو، متحدرة من سلالة مسلمة أندلسية، التي تملك أهم أرشيف في العالم، عن علاقة الأندلس بأميركا اللاتينية عام 2000، وتؤكد فيه علمياً ان التجار المسلمين الأندلسيين، كانوا يرتادون منذ نهاية القرن التاسع، الشواطىء المعروفة اليوم بالبرازيل، فنزويلا، والأنتيل الصغرى: أثار الكتاب جدلاً كبيراً، ونفدت طبعته الأولى.

لست أول من يذكر أن كولومبوس لم يكتشف أميركا، إذ سبقه إليها المسلمون.

وقد اكتشفت ذلك وأنا أبحث عن «تأثير الثقافة الأندلسية الإسلامية في أميركا اللاتينية»، التي كان الموريسيكون، أول المهاجرين إليها، حيث اكتشفت التواجد المسلم فيها، قبل إعادة البحار الجنوي اكتشافها لدى قراءاتي لبحث وقعه الدكتور يوسف مروة، يذكر فيه نقلاً عن مارويسيو أوبريغون، ان كولومبوس نزل في نهاية رحلته الأولى 1492، في جزيرة غواناهاني – سميت سان سالفادور فيما بعد – والتسمية موجودة في لغة الزنوج المانديغا الأفريقيين وتشتق بوضوح من اللغة العربية «Guana» هي تحريف لكلمة «Khwana» – أي «اخوان هاني».

إذآك، تغير تصميم البحث كلياً ، ليشمل التواجد المسلم في القارة، قبل وبعد إعادة اكتشافها.

إن البحث تناول أحداث مرحلة أو زمن مضى وبعيد بما فيه الكفاية، عن حاضرنا الأليم، الذي يعاني منه وطننا العربي الكبير من التمزق، ويواجه أزمات مصيرية حادة، في ظل الكثير من المشاعر السلبية التي تحول دون ولادة نهضة حقيقية، تساعدنا لنتجاوز بؤس الواقع.

لكن الشعوب التي تسعى للنهضة في الزمن الردىء، تحتاج إلى معرفة خلفية وأبعاد تاريخها، لتستمد منها قوة ووضوح فكر، لتبني مستقبلها، ومن هنا، يشحذ موضوع البحث فضولاً ثقافياً لدى القارىء العربي، الذي له علاقة حد أدنى بالكتاب عامة:

وهذا البحث هو الوجه الآخر، لكتاب «أوروبا الإسلامية» الذي ترجمتُه أنا، ونشرته مؤسسة الفكر العربي، وقد ألفه المستعرب الرائد بيدرو مارتينيز مونتافيز والدكتورة كارمن رويز برافو: لإلقاء الضوء على تاثير الحضارة الإسلامية الأندلسية في دنيا الله الواسعة. إن أحداً قبلهما لم يشر إلى التأثير الكبير في أوروبا

ما هو المنهج الذي اتبعته في هذا البحث؟

اتبعت بداية المنهج الذي تعلمته من صديقي وأستاذي مونتافيز، والذي أشرف على أطروحة الدكتوراه. ورسمت بداية الإطار التاريخي الصحيح لفعل إعادة الإكتشاف، وأشرت إلى الخريطتين التركيتين المرسوميتين لجزء كبير من القارة، ودرست واقع الموريسكيين في القرن السادس عشر بعلمية وموضوعية، كما بحثت في أصول «الإخوة بينزون»، مالكي السفن الثلاث. وبحثت في الفصل الخامس، في تأثير الثقافة الإسلامية الموريسكية في أميركا اللاتينية.

تأثير الثقافة الموريسيكة في القارة

ويظهر تأثير الثقافة الإسلامية الأندلسية، التي كانت إرث المورسكيين، في نماذج الهندسة المعمارية لمبان في بوينوس آيريس، وليما البيروفية، وفي «لاهافانا» وغواتيمالا، وكيتو الإكوادورية.

ويبقى حدثاً بعيد المدلول: وجود عدد كبير من الكلمات العربية، المرتبطة أو المعبرة عن الموسيقى، مثل قيثارة Guitarra صاجة Sonaja… الخ إلى أميركا اللاتينية وصل تأثير زرياب المغني.

وفي البيرو، تناول الأميركيون الجنوبيون حلويات عربية أندلسية، مازالت تحمل اسمها حتى اليوم مثل Mazamora، والتسمية متألفة من كلمتين Maza أي عجينة وMora أي مورية أو مسلمة.

والجدير بالذكر، ان البيرو والمكسيك، هما البلدان الأكثر تأثراً بالثقافة الأندلسية الإسلامية، لأن غازي البيرو «فرنسيسكو بيزارو» كان من أصل موري، وقد تقصى المؤرخ «أنطونيو ديل بوستو» عن أصله، وتوصل إلى أنه عربي من قريش.

ويبقى أنطونيو دي مندورزا (1491-1552) الذي شغل أعلى المناصب الإدراية في المكسيك، من أبرز الشخصيات الإسبانية الغرناطية، رغم انه وُلد في «الكالا لا رييال» (أي القلعة الملكية)، فأبوه إنييغو، أول قائد عام يقوم بمهمات نائب الملك في غرناطة المهزومة، وكان يحسن التعامل مع الموريسكيين، متسامحاً، مقدراً للثقافة، وميالاً إلى الحوار، نحن نتعرف إلى أثر تربيته الغرناطية، في كل الأعمال التي قام بها في تلك البلاد، مراسيم تتعلق بهندسة المدن، بالسياسة والإقتصاد، وبالعلاقات بين شعوب مختلفة ديناً وثقافة.

هل تكتبين جديداً الآن؟

انتهيت من ترجمة كتاب موضوعه «التكنولوجيا الشعبية في فنزويلا»، والتأثير الهندي – الأفرو – أندلسي، ووقعته الباحثة المميزة لولولا هزنانديز، وأراجع حالياً الطبعة الثانية من «مختارات من لوركا»، وسأتابع البحث في موضوع «لوركا وغرناطة المسلمة التي راحت» ولدي سبعة مؤلفات لم تُنشر بعد.

Loading...