طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«غَزْوَة ذات الرِّقاع» بين «رقاع» الأمس و«رقاع» اليوم

بقلم القاضي الدكتور أحمد محمد شديفات

«ذات الرقاع» اسم علم معروف على صفحات تاريخ الإسلام فهي «غزوة ذات الرقاع» وأصح الأقوال ما رواه الإمامان «البخاري» و«مسلم» أنَّ قِلّة الجِمال كانت تضطرُّ بعضَهم إلى المشي فيعصِبون على أرجلِهم رِقاعاً تخفِّف عنهم ألمَ المشي على الأرض الصعبة التضاريس…

وكان عدد جيشها وعتادهم معدوداً نذروا أنفسهم لحمل الرسالة وأداء الأمانة ولم يعبأوا بشظف العيش وقلة المؤنة وقد أعياهم العوز والكسوة والقسوة، ولم تمنعهم الأشياء والمتع من تحقيق هدفهم وإنما كانت دافعاً لهم في التضحية والاستشهاد لأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

الحياة كانت في نظرهم متعة رخيصة

كل ذلك في تفان ومحبة وإيثار، فهم سبّاقون لتقديم المعروف وبذلوا أنفسهم في سبيل الله، حفاة يطأون بأقدامهم لهيب رمضاء صخور جبال الصحراء وسخونتها، وتلفح وجوههم نسمات هوائها الساخن الحار الآتي من وراء السراب.

يرتعون بملابس رثة بالية يلفون أقدامهم بلفائف قماش ممزقة مهترئة، ورقع غير مهتمين بمتاع الدنيا وإن كثر.

{الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}،

(آية 173، سورة آل عمران).

فالحياة كانت متعة رخيصة في نظرهم…

ماذا عنا اليوم؟

أيها القوم،

فما أنتم فاعلون في أيامنا هذه:

تأكلون وتلبسون وتشربون وتنامون وتتنعمون في متع شتى…

قَالَ بعض الصحابة: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الإِرْفَاهِ..

ثم يسأل الصحابي أخاه قَالَ: فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاء؟

قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا»،

ذكره «أبي داود» في صحيحه…

فيا عباد الله: اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم.

وماذا يقول علم التشريح؟

– جرب ولو لمرة واحدة المشي حافي القدمين حيناً بعد حين وأطع أبا القاسم عليه الصلاة والسلام في سنته… فهذا إعجاز في ذاته وهدي نبوي مفيد…

– وإليك الدليل مع التعليل من علم التشريح:

– «فالقدم والكاحل عند الإنسان يمثلان بنية ميكانيكية قوية ومعقدة، حيث تحتوي القدم على:

– ست وعشرين عظمة،

– وثلاثة وثلاثين مفصلاً،

– وأكثر من مائة عضلة ووتر ورباط…

– وارتباطها مع الألياف العصبية المركزية،

فهذا كله تشريح وتوضيح وتنبيه ورياضة ونصيحة منه صلى الله عليه وسلم مجانية:

{قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ؟ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} آية 47، سورة سبأ.

وغزوة «ذات الرقاع» دليل آخر من الأهمية وكيف احْتَفَّتْ أقدامهم في تأدية واجب الكفاح والجهاد لله وفي سيبله…

رقاع اليوم للجمال والتجمل

– وما كنت أدري يوماً ما أن تتغير الظروف إلى هذا الحد ويأتي على الناس زمان تعود الرقاع على هذه الأمة بغير ما كانت عليه من دلالات، وأن تُستبدل وتُستعمل الرقاع لغير ما استُعملت له في الماضي…

– فأصبحت الآن رقع جمال وتجمل وتنعم ودعة ولينِ الْعَيْشِ ونعومة ملابس ولباس زينة في سراويل شبابنا وشاباتنا وفتياننا وفتياتنا فتنظر شقوق سراويلهم المهترئة بألوانها الباهتة فتحسب صاحبها فقيراً أو مُعْوَزَّاً…

– ويأتي على خاطرك أن الرقعة قد أتسعت على الراقع فيأتيك الجواب من واقع الحال؟

إن هذه الرقعة مقصودة وغير معهودة،

– إنما هي زينة وزخرف وتباه وتفاخر وغرور في غير مكانه.

إنه العجب العجاب، فالجنون فنون…

مما دعاني أتذكر قول الاعرابي:

«أتذكر إذ لحافك جلد شاة

وإذ نعلاك من جلد البعير»

قلت أذكر ذلك ولا أنساه يا أخَا العرب، إذن عن أي الجلود والأصواف والأوبار تسأل وتتحدث وتستفهم وتستلهم ذلك؟ قلت وقلبي يعتصر ألماً  وأسى على واقع الأمة؟؟؟؟ وهذه الغمة…

رُقع سراويل غابر الزمان

أتذكر في غابر الزمان سراويل الأجداد والجدات الواسعات المريحات وهي تزركشها وتزينها الرقع المختلفات بعدد نجوم السموات بألوان زاهية فاهية، فتلك رقع الأجداد تختلف عن واقع رقع الأحفاد فلكل رقعة دلالاتها ومعناها، فرقع الأجداد دلالة جد واجتهاد وتعب وشقاء وأهتراء وحاجة وعمل ورمز فخار.

أما الحفدة فقد أتخذوا الرقع زينة ورفاهية ودلالاً وتقليداً وظهوراً وتزييفاً.

وهي دليل موضات وتقليد أعمى غير بصير، والله المستعان على ما تلبسون من ملابس تصف وتشف مع موضة ذات رقاع.

والله الهادي إلى سواء السبيل ولو بعد حين.

إن في ذلك عبرة لمن له قلب أو القى السمع وهو شهيد.

(خاص التمدن)

القاضي د. أحمد محمد شديفات

عمان – الأردن

معلومات

«غزوة ذات الرقاع» وقعت في السنة السابعة من الهجرة، وهذه الغزوة كانت موجَّهة ضد «قبائل غطفان»، التي حاصرت «المدينة المنورة» في «غزوة الأحزاب»، وأرادوا أن يساعدوا اليهود في «خيبر».

وكانوا يُعِدُّون العُدَّة لغزو «المدينة المنورة»، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم سرية وهو يفتح «خيبر»، فأرادوا إعادة غزو «المدينة المنورة» من جديد؛ فخرج الرسول وصحابته الكرام إلى «ديار غطفان» في جيش صغير نسبياً (تقريباً كان أربعمائة من الصحابة)، ولم يكن معهم من البعير إلا القليل، لدرجة أن ستة من الصحابة كانوا يتناوبون ركوب البعير الواحد،

وسار الرسول مسافة كبيرة بجيشه في عمق الصحراء،

وتوغل حتى بلغ «ديار غطفان»،

وهي إلى الشمال الشرقي من «المدينة المنورة» على مسافة عدة ليالٍ، والصحابة يسيرون على أقدامهم، وقد أثر ذلك فيهم أجمعين، والبخاري -رحمه الله – يروي عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:

«خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي غَزْوَةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ؛ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنَ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا».

قال ابن حجر في الفتح: «نعتقبه أيْ نركبه عُقْبةً عُقْبة، وهو أن يركب هذا قليلاً ثم ينزل فيركب الآخر بالنوبة حتى يأتي على سائرهم».

والحقيقة أننا نحتاج أن نقف وقفة مع هذا الموقف، فهذا الحديث وأمثاله يوضِّح لنا مدى التضحية والبذل والعطاء الذي تميز به هذا الجيل الصادق من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.