طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

عن الثقافة والمثقفين وشارع الحمراء

الأسبوع الماضي بعد أن أنهيت عملي في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الفرع الأول، كان علي انتظار أحد الأصدقاء ليصل إلى بيروت حيث كان لدينا بعض الأعمال، اتصل صديقي ليخبرني أنه سيتأخر حوالي الساعتين عن الموعد المحدد، فوجدت نفسي مضطرًا لانتظار هذه المدة وحيدًا في بيروت، لكن ذلك أسعدني إذ أتاح لي بعض الوقت أخلو به لنفسي كي أفعل ما أريد.

قررت أن أتناول الغداء في أحد مطاعم شارع الحمرا، بعد ذلك أنطلق في نزهة في الشارع الشهير مثلما كنت أفعل في مراهقتي مطاردًا باعة الكتب الذين يفرشون بضاعتهم على الأرض، انطلقت بعد الغداء سيرًا على الأقدام فلم أظفر بأي بائع للكتب يمد كتبه على الأرصفة، وبعد بحث لفترة غير قليلة وجدت واحدًا في مدخل أحد المجمعات التجارية، كانت بضاعته قليلة، لكنني قررت أن أشتري لولدي الصغير بعض المجلات المصورة التي اعتدت على قراءتها في صغري ولم تعد تباع في طرابلس، لكن ما لفتني أن البائع كان فظًا جدًا، وأنه كاد يوبخني لأنني فقط لم أسمع سعر الكتاب جيدًا، عذرت فظاظته فربما هو في ضنك من العيش بسبب تراجع بيع الكتب في الآونة الأخيرة.

ثم تذكرت بأن أحد أصدقائي من مصر الحبيبة كان أوصاني على كتاب صدر مؤخرًا في بيروت، فعزمت على البحث عنه في مكتبات شارع الحمراء الشهيرة، لكن  ما لفت نظري أن عددها بات قليلاً جدًا في ظل التوسع في محلات الأحذية والألبسة الفاخرة، دخلت عدة مكتبات هناك ولم أعثر على الكتاب، لكن ما أثار انتباهي هم العاملون في هذه المكتبات، فبعد أن كان بائع الكتب يقضي أوقات فراغه في مطالعة بضاعته وترتيبها وتبويبها كي يساعد أي شخص يسأل عن كتاب ما فتجده العارف بالكتب وأنواعها بل يعرف مضامينها، فيكفي أن تسأل عن موضوع حتى يشير عليك بالكتب التي يجب أن تقرأها، لكن العاملين في هذه المكتبات كانوا جميعًا يتسمرون خلف شاشات هواتفهم وإذا سألتهم عن كتاب ما اكتفوا بنقر أزرار الكومبيوتر لديهم لمعرفة إن كان متوفرًا أم لا، وأين يوجد، لكن المثير للسخرية أن هؤلاء الذين يعيشون بين كنوز الكتب يبدو عليهم الجهل بها، فمهما كان اسم الكتاب مشهورًا وكاتبه معروفًا فإنك تلمح في عيونهم الجهل وعدم المعرفة، ولو طلبت منهم مساعدة في موضوع ما لعادوا للنقر على الأزرار ولكن من دون جدوى.

أكملت طريقي باحثًا في المكتبات القليلة المتبقية في شارع الحمراء فوجدت على زاوية الشارع محلاً لا أستطيع تسميته كان يبيع الكتب والأحذية في آن معًا، لكن المفارقة أنه كما في النكتة التي انتشرت على مواقع التواصل كانت الكتب على الأرض والأحذية على الرفوف.

تابعت سيري حتى وصلت إلى مكتبة بيسان الشهيرة، التي يعرفها كل من لا يزال يشتري الكتب، كانت المكتبة في نهاية الشارع، مختبئة بخجل خلف بعض الأشجار، دخلت إليها سألت عن الكتاب نقر الموظف على أزرار الكومبيوتر عثر على الكتاب لكنه كان نافدًا، فسألني إن كنت أرغب في أن يطلب نسخة لي، أخبرته أني من طرابلس وقد لا أنزل إلى بيروت قريبًا، فأخبرني أن بإمكانه أن يرسله إلى مكتبة في طرابلس يتعاون معها، سرني ذلك فنقدته الثمن، وعدت أدراجي إلى حيث كنت قد ركنت سيارتي، وكان ما زال لدي بعض الوقت فقلت لم لا أشرب فنجان قهوة في أحد مقاهي المثقفين المشهورة في الشارع، لكن عجبًا لم أعثر على تلك المقاهي، فتذكرت أن المثقفين كانوا قد اختفوا من المدينة ثم اختفت مقاهيهم، وحدها مطاعم الوجبات السريعة كانت تملأ الشارع، ففكرت كيف تراجعت الثقافة وحل محلها عصر الوجبات السريعة وكيف تراجع الإقبال على الكتب وازداد الإقبال على تناول الدجاج المقلي… فصغرت العقول وازدادت نسب البدانة في البلاد.

أخيرًا عثرت على مقهى أجنبي معروف فقلت لا بد من دخوله، في هذه المقاهي الوضع بالمقلوب، تدفع الثمن قبل الحصول على القهوة ثم تقف في الصف للحصول على الفنجان، ثم تجلس لتشربه على أي كرسي متوفر، كان ثمن القهوة ستة آلاف ليرة ما ذكرني بمدينتي الحبيبة والبسيطة طرابلس حيث بإمكانك أن تحصل على فنجان قهوة بالحجم نفسه مقابل خمسمئة ليرة فقط، من دون ذكر أنه سيكون ألذ طعمًا، حصلت على قهوتي واخترت طاولة صغيرة جلست إليها لكن فاجأني شاب ليقول لي «هذه الطاولة إلنا»، لم يكن هناك ما يشي بأن الطاولة محجوزة، لكني كنت غارقًا في تأملاتي، ولم أشأ الدخول في سجال لا طائل منه، نهضت معتذرًا من الشاب، حملت قهوتي وأكملت طريقي وصولًا إلى السيارة.

اقترب موعد وصول صديقي فانطلقت للقائه وكنت أفكر كم تغير شارع الحمرا في سنين قليلة جدًا، وربما أحالني ذلك إلى تغير المجتمع اللبناني والعربي عامة، إذ تتراجع الثقافة فيها وتحل محلها مطاعم الوجبات السريعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.