طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

لغتنا الجميلة… التربية، وعلم النفس التربوي، وطرائق التدريس(1)

فرج

«لغتنا الجميلة» عبارة عن سلسلة من المقالات التي يكتبها المربي جورج فرج اسبوعياً في «التمدن»، والتي تهدف إلى تحفيز الناشئة على الاهتمام بلغتهم الأم، اللغة العربية، كما تُعتبر مادة قيمة توضع بين يدي المدرسين وأيضاً المهتمين باللغة العربية الفصحى.

أولاً: التربية LA pedagogie

1- التربية في اللغة:

في عملية اشتقاق لجذرها، وهو الثلاثي المجرد «رَبا»، يتبين الآتي:

– رَبا الشيء يربو رَبْوا وربّوا.

– ورباء: زاد ونما.

– أربيته: نمّيته.

– أقول: ربوت أو رَبيت في بني فلان: نشأت فيهم، وترعرعت، ونَمَوْت، وكبِرت.

يقول الشاعر:

فمن يك سائلاً عني فإني

بمكة منزلي وبها ربيت

– ربّيت فلاناً ورَبيْتُه وتربّيته أي غذوته لينمو ويكبر.

الرّبو والربوة (بالفتح والضم والكسر للراء).

– والرابية: كل ما ارتفع من الأرض. – والروابي: ما أشرف من الأرض وارتفع.

قيل: «الفردوس ربوة الجنة» أي أرفعها.

– الرب وهو العالي والمرتفع والمنزَّه.

– والرَّبو هو النفس العالي، النهيج وتواتر النفس.

– الرِّبوة أي الزيادة.

– الرِّبا هو المال الزائد المأخوذ كفائدة على أصل مال الدائن، وهو مال حرام، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في الآية:

«يمحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات»

.وفي آية ثانية:

«ومَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّه»

.ويقال: أربى فلان على الخمسين أي زاد.

فالتربية لغوياً تعني: الزيادة والنماء والإنماء، والتربية المدرسية تعني إنماء الناشىء… والمربّي (اسم فاعل من ربّى) هو الذي يؤدي هذا الدور، وفي اللغة العبرية شقيقة العربية «ربّي» تعني المعلم أو المربّي أيضاً.

بما أن التربية تعني النماء والإنماء، فمن الطبيعي أن يكون إنماء شاملاً، فما التربية الشاملة؟

2- التربية الشمولية، أو النماء الشامل Global education

في العام 1966 صدر في بيروت كتاب تحت عنوان «مواد وطرائق التعليم في التربية المتجددة، للدكتور «حنا غالب»، وقد أورد فيه مجموعة من التعريفات التي تحدد الهدف من التربية، ومن ضمنها ورد التعريف الآتي، وعدّه هدفاً أقصى للتربية:

«اكتمال النماء الشامل للشخصية البشرية»، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نقوم بمحاولات من أجل تطبيق هذا الهدف في مجالات عملنا التربوي. تعالوا نحلل كلمات هذا التعريف، ونفكّ رموزه، شارحين دلالات كل رمز. نطرح الأسئلة الآتية:

مَن المقصود بالشخصية البشرية؟

مم تتكون هذه الشخصية؟

ما المقصود بشمولية النماء، أو النماء الشامل؟

ما المقصود باكتمال النماء؟

من يقوم بهذه العملية التربوية الكبيرة؟

إليكم الأجوبة:

أ- الشخصية البشرية هي الإنسان عموماً، ولكن بما أننا في عملية تربية وإنماء، فالمقصود بها هو: الطفل والناشىء في روضته، والتلميذ في مدرسته، والطالب في جامعته.

ب- تتكون الشخصية البشرية من ثلاثة عناصر أساسية هي: الجسد، الجهاز العصبي والدماغ (أو المخ)، والعقل أو الفكر. وتتبعها أبعاد أخرى ترتبط بها وتدور في فلكها وخصوصاً العقل الذي يجد بعضهم انه هو الروح والنفس.

لقد أثبت علماء طب الدماغ أنه يخرج منه ما يقارب من مليار عصب تتوزع في مجموعات وتكتلات على الحواس الخمس في جسم الإنسان، وأهم حاسة بينها هي العين التي تستطيع أن تُدرك وحدها 75٪ من المدركات الحسية، لذلك نحن نصرّ على تعليم الأطفال حتى السنة الثالثة من التعليم الابتدائي معتمدين على الادراك الحسي الذي تتشكل منه صورة ذهنية في الدماغ تبقى لمدة طويلة.

وهذه الأبعاد هي: البعد النفسي، والروحي، والعاطفي الانفعالي، والسلوكي، والخلاقي، والاجتماعي، إلخ…. وإذا كنا قد حلّلنا الشخصية البشرية وسمّينا أجزاءها، فما ذلك إلاّ للتعريف، إلا اننا نعود وننظر إلى هذه العناصر على أنها وحدة مترابطة ترابطاً وثيقاً ومتكاملة، فكما الحياة وحدة لا تجزأ، كذلك شخصية الإنسان، أرجلاً كان أم طفلاً، فالجسم فيه والعقل والجهاز العصبي مع الدماغ، ثلاث نواح لحياة واحدة ولوجود واحد.

أما عن الترابط بين هذه العناصر، وتأثير كل منها على الآخر، فإليك بعض الأمثلة: من المسلّم به أن هناك أعمالاً جسدية/ وأعمالاً أخرى معنوية نسميها عقلية، وان هناك رابطاً متيناً بين هذه وتلك، فلا يصدر عمل عقلي إلاّ وتصحبه نتيجة تنعكس على الجسد سلباً أم إيجاباً، كما أنه لا يصدر عن شخص عمل جسدي إلا ويكون له أثر عقلي. مثلاً: التفكير مدة طويلة يُتعب العقل، ويعقبه صداع قد يؤدي إلى المرض الجسدي، وأن خبراً مفرحاً قد يشفي عليلاً، في حين أن آخر سيئاً قد يسبب له المرض، وإن الأمراض العقلية تسبب النحول والمرض الجسدي، وعدم قيام الأجهزة بوظائفها، وبالعكس فإن التعب الجسمي الناشيء من إجهاد العضلات يضعف استعداد الإنسان لمعالجة المسائل العقلية، وأن تنشق الهواء الفاسد يؤدي إلى الكسل الذهني، كما يؤيدي إلى فقر الدم، لذلك يفترض بالمعلمين أن يفتحوا نوافذ غرفة الصف بين الحين والآخر وخصوصاً في فصل الشتاء»، وهنا نستطيع أن نقول: أنا أفكر جيداً، فأنا بصحة جيدة.

ومن جهة ثانية، فإن التطور العقلي يتبع دائماً التطور العصبي ولا سيما تطور المخ. فالمخ هو مركز الأعمال العقلية، فقد ثبت بالتجارب أن اي خلل يحدث للمخ يصحبه خلل في القوى العقلية باختلاف الجزء المصاب في المخ، مثال ذلك فإن ضربة شديدة على مؤخر الرأس قد تؤدي إلى العمى في الجسم، وإلى الشلل في القوى العقلية، وإن إصابة المخ بورم ما في منطقة معينة، سيُصيب عضواً في الجسد له ارتباط بالمنطقة المصابة في المخ.

فهذه الحقائق وأمثالها تُثبت ان المخ هو العضو المسيطر على جميع أجزاء الجسم، وانه هو الذي يؤثر فيها كلها بوساطة الأعصاب التي تتخللها جميعها، وتوصل أوامره إليها. ونظراً لأهمية الجهاز العصبي يقول أحد المربين «إننا لو لم نربّ الجهاز العصبي، ما تيسر لنا القيام بمعظم الأعمال العقلية التي نقوم بها».

وإن أي عمل تؤديه حواس الطفل سواء أكان شكلاً باللمس أو رائحة بالشم، أو تذوقاً باللسان والفم، أو لوناً بالنظر أو صوتاً بالسمع…. يصبح أكثر رسوخاً في الدماغ، واكثر ديمومة، حين يصل بطريق الجهاز العصبي، ويُسترجع من الدماغ عن طريق أعصاب الحسّ بإغماض العينين، والاكتفاء بالحاسة التي نقلته.

بعد ان أثبتنا الروابط الوثيقة التي تشد العناصر التي تتكون منها شخصية الناشىء نُجيب عن السؤال الآتي: ما النماء الشامل؟

ج- النماء الشامل هو الذي يشمل كافة العناصر التي تتكون منها شخصية الناشىء، والنظر إليها على أنها وحدة لا تتجزأ، فكل ما يضرّ أحدها يضرّ العناصر الأخرى، وينعكس سلباً على الطفل، وكل ما ينفع أحدها ينفع الأخرى وينعكس إيجاباً على صاحبها، لذلك لا يجوز الفصل بين التربية الجسدية، والتربية العقلية، والتربية النفسية، بل يجب التساوي بينها في الرعاية والاهتمام، وخير التمارين وأفضلها هي تلك التي تجمع الثلاثة معاً وهي المعروفة بالتمارين الحركية – الفكرية.

د- والاكتمال في النماء الذي جاء في الهدف التربوي يقضي بألا يقتصر النماء الشامل للناشئين، على سنة معينة من سني دراستهم، ولا على مرحلة خاصة، بل يجب أن تأخذ مقامها في المنهج التربوي، بدءاً من أصغر عمر يبدأ فيه الطفل بالتعلم وصولاً إلى الجامعة، ومن دون أي انقطاع.

ولقد كان التثبت من الروابط السابقة بين عناصر الشخصية البشرية أن أوجب المربون ما يأتي:

– تنمية الحواس وتقويتها كي يؤدي ذلك إلى تقوية العقل وإنمائه.

– تحسين بيئة النشء المادية، إذا أريد إنماء عقولهم، لذلك لا بد من ان يتناولوا المقدار الكافي من الطعام المغذي، وأن يشربوا الماء النقي، ويرتدوا الملابس الصحية، ويتنشقوا الهواء النقي، ويمارسوا ألعاباً رياضية منظمة وهادفة، لتقوِّي أجسامهم، فتقوى عقولهم، وهنا يصدق القول المأثور: «العقل السليم في الجسم السليم».

هذا المقال يُمهد للمقالات اللاحقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.