طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أوجه الشمول في التربية الكلية

(تابع)

هذا المربي هو الذي يعيش في حالة كيانية تتأجج فيها العواطف النبيلة والمشاعر الإنسانية السامية، فينصهر فيها وتتجلى في:

نبرات صوته، وبريق عينيه، وحماسته واندفاعه، وحركاته المجسدة الصدق والمحبة والإخلاص والتضحية… تنتقل مفاعيل هذه الأحاسيس في شحنات كأنها موجات من نور، إلى كيانات الأطفال فيتحسسونها ويشعرون بدفئها وحنانها مهما كانوا صغاراً، وتنشأ حالة روحية جديدة عمادها المحبة التي تكتوي بها نفوس الجميع فتطهرهم، ولبنتها الثقة المتبادلة.

عندئذ، وعندئذ فقط يستطيع المربي أن يصوّب خطأ سلوكياً، ويقومّ اعوجاجاً في التصرف ليس بالقصاص والعقاب بل بالكلمة الطيبة المعاتبة حيناً والموبخة أحياناً… وكله مقبول مع الاعتذار والامتنان من التلميذ…

بعد هذا الاندماج الروحي والنفسي بين قطبي العملية التربوية، يستطيع المربي أن يُرشد ويوجه وأن يحمل تلاميذه على التقيد بالنظام والانضباط ذاتياً، على أن يطبق هو هذه المفاهيم السلوكية أمامهم، فلا يدخل إلى الصف متأخراً، بل يكون أول الداخلين إليه وآخر الخارجين منه، ولا يتأخر عن تسليم مسابقات في موعدها، ولا يعظ تلاميذه، وينصح لهم بالابتعاد عن الممنوعات والمحرمات والمنكرات، وهو يمارسها في الخفاء، فينطبق عليه قول الشاعر:

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليم

وإذا لم يتصف المعلم بهذه المواصفات، فعبثاً يحاول أن يربي، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

الكلام يطول في هذا الموضوع، إلا أننا نكتفي بالقول: أنه في هذه الكفاية، كفاية التواصل بين المعلم وتلاميذه يكمن سر العملية التربوية، كما تتوخاها التربية الشاملة، فهي إذا ذهنية قبل أن تكون آلية، وعليها تُبنى سائر الكفايات نجاحاً أو فشلاً، ثم أن هذا التواصل الذي نهدف إليه، سينتقل مع التلاميذ إلى الحياة الاجتماعية، وبه يتحقق هدف آخر من أهداف التربية وهو «إعداد التلميذ للحياة». نعود إلى المربي لنقول له:

إذا طبقت ما ذكرنا بإخلاص، تتحول مهنة التعليم على يديك إلى «مهنة رسولية» تستحق عليها كل تقدير واحترام، وتُسهم في بناء المجتمع الذي تعيش فيه.

ولكن لا يفهمن أحد من كلامنا اننا ندعو إلى هدم الحدود كلياً بين المعلم والمتعلم، لذلك نلخص كلامنا السابق بقول للخليفة عمر بن الخطاب يصلح شعاراً لكل مسؤول:

«شدة من غير عنف ولطف من غير ضعف» (حين سُئل عن مفهوم السلطة).

2- كفايات تكوينية: (تربوية اجتماعية)

«إعداد الطالب للحياة»، وهو ما تهدف إليه التربية الكلية الشاملة، يقول الأديب الكبير مخائيل نعيمة متحدثاً عن مدرسته: «كان من حسن تدبير القائمين على مدرستنا أنهم خصصوا لنا ساعة في الاسبوع للأشغال اليدوية. لقد كان لنا مشغل مجهز بأحدث أدوات النجارة، والحفر في الخشب وتجليد الكتب «فكم من طالب ما لمست يده المعول أو المنجل… وكم من طالب يجهل عملياً كيف تنبت حبة القمح أو البصلة، وكم من الذين يعيشون أعمارهم وأيديهم وأرجلهم لم تلمس التراب. انها لجريمة أن يحيا الطالب في مدرسته حياة بينها وبين الحياة خارج المدرسة هوة سحيقة (هذا الكلام كُتب في أوائل القرن العشرين، وها نحن نستشهد به في أوائل القرن الحادي والعشرين).

الطالب إنسان، والإنسان مخلوق اجتماعي، ومن البديهي أن نُعده كي يكون فرداً ناشطاً في المجتمع يؤدي واجبه فيه متعاوناً مع غيره، فمن حقه أيضاً أن يرى غيره يبادله هذا التعاون، لذلك فمن أجل الإعداد للتعاون الاجتماعي يتم إجراء:

– أنشطة تُجرى في المدرسة أو الصف وتُعد الطالب للمجتمع: جسدية تعاونية في حصص الرياضة، تمثيليات، فنون، كالرسم خاصة، تدبير المنزل للبنات من خياطة ونسج وتطريز… وهذا ما يمكن ان تحتاج إليه الأم في حياتها المنزلية والاجتماعية.

– بعض المهن اليدوية الخفيفة والتي يحتاج إليها الرجل في منزله: كالنجارة، وإصلاح ما يمكن ان يتعطل في المنزل من آلات كهربائية أو صحية وغيرها…

– تمارين تحقق مبدأ ارتباط الجزء بالكل، من خلال ارتباط الطالب بأسرته وبصفه ومدرسته ورفاقه وبمجتمعه الصغير والكبير إذ لا قيمة تُذكر للجزء من دون الكل.

3- أنشطة تعاونية فريقية

هذه الأنشطة يتمازج فيها هدفان: هدف تكويني إنمائي يتعلق بالتعاون في الصف بين مجموعات أو فرق، وانسحاب هذا التعاون على المجتمع، وهدف ثان معرفي ربما عدنا إليه في الكفايات المعرفية.

تدعو التربية إلى تنشئة الأطفال منذ دخولهم صف الروضة على روح التعاون والتعاضد فيما بينهم، وبالتالي بث روح المحبة، لأنه لا تعاون بين الأفراد بمعزل عن المحبة، وبهذه الروح نُعدّهم لحياة اجتماعية سليمة لا تستقيم الحياة في أي مجتمع من دونها، وبها نقضي على آفة «الأنا» المسيطرة على الطفل عموماً وهو القادم من مكان كان يشكل فيه محور العائلة ومحط أنظار أفرادها.

هذه الأنا هي المولدة للأنانية الآفة القاتلة لكل ما هو مجتمعي وتعاوني والمتفشية في مجتمعاتنا بقوة، والآفة الثالثة المتولدة من الأنانية هي العدوانية، وهي الأكثر عنفاً مع الآخر والأكثر ظلماً له، فلا يجوز ان نفكر بإيجابية التعاون بين الأطفال، قبل إنقاذهم من سلبيات الآفات التي ذكرنا، والمدرسة هي البيئة الأصلح، والأرحب مجالاً للقيام بهذا الدور المزدوج، والمربي الشمولي ذو الذهنية الشمولية هو الأجدر بتنفيذ هذا العمل، ويمكن أن يتم ذلك بأساليب عديدة، حاصرين كلامنا بالهدف الساعي إلى التعاون:

– اعتماد الطرائق والأساليب التعليمية الناشطة والداعية إلى المشاركة الجماعية لأفراد الصف جميعهم، وإشعارهم بأن هذا التعاون الجماعي هو الذي أنجز العمل، واستنتج الكلية.

– الأبحاث التي تستدعيها الدروس على أن يشترك جميع أفراد الصف في التفتيش عنها وتحضيرها، وهذا ينطبق على تلك الأشياء التي نأتي بها إلى الصف لتكون وسائل إيضاح أو لإجراء تجربة أو اختبار أو أكلة…

– الاقتراحات التي يتفق تلاميذ الصف على تبنيها والسعي إلى تنفيذها، وقد يتم هذا الاتفاق بالإجماع من دون أي تدخل من معلم أو إدارة، أو بالتصويت.

– تعويد التلاميذ التنافس الديمقراطي من خلال انتخاب مندوبين عن الصف من دون تدخل أو تأثير.

– إلغاء كل ما يستدعي المنافسة والمزاحمة على الرتب وهو ما يسبب الحسد والحقد والكراهية، إذ يتحول بعض التلاميذ إلى «طواويس» ويتحول آخرون إلى «خفافيش» بدءاً من: وكيل المعلم على الصف، إلى الرتب في نتائج الامتحانات، إلى  الإعفاء من امتحان آخر السنة، إلى أي نوع آخر فيه تفضيل لأحد التلاميذ على غيره، أو أي انحياز قد يلجأ إليه المعلم.

(يتبع)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.