طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

يوم بكى جورج نصر حزناً على طرابلس

المتابع لحياة المخرج السينمائي اللبناني وابن طرابلس الراحل جورج نصر، منذ مولده وحتى وفاته، قد يفوته أمر ملفت ومدهش في آن، فعميد السينما اللبنانية عاش 94 سنة، وإذا عدنا إلى العام الذي ولد فيه (1925) يستوقفنا تاريخ «تزامن» مع ولادة مخرجنا المبدع، وتمثلت في أول إطلالة للسينما المحلية في طرابلس عبر استقدام عدد من أصحاب المقاهي، داخل المدينة القديمة وفي ساحة التل أو «المدينة» الحديثة آنذاك، شرائط سينمائية وأفلاماً أجنبية تتحدث عن حضارات تلك البلدان وواقعها المعيشي وظروفها الحياتية.

«حطلو فحمة»!!

وكانت هذه «الشرائط» تُثير «الدهشة» لدى المشاهدين من رواد هذه المقاهي أو الفنادق، حيث كانت هذه الشرائط «الصامتة» تُدار بآلة عرض يدوية بواسطة الفحم الحجري، وغالباً ما كانت الإضاءة تخف أو يتوقف العرض لبعض الوقت، ما يجعل أصوات الحضور من هنا وهناك داخل «صالة العرض» ترتفع مطالبة بـ «حط فحم» أو «حطلو فحمة» وهو تعبير شاع استعماله حتى بعد استخدام الكهرباء المرة الأولى في طرابلس العام 1932، حيث اعتاد جمهور السينما الطرابلسية كلما ضعف التيار أو انقطع على ترداد هذه العبارات حتى تعود الكهرباء إلى وضعها الطبيعي ويعلو التصفيق والصفير.

بداية… الزمن الجميل

هذه العلاقة بين ولادة مخرجنا جورج نصر وبين الإطلالة أو «الولادة البدائية» للسينما في طرابلس، سرعان ما تطورت، فكلما كانت الأخيرة تتطور وتنتشر وتتقدم ناحية العدد وازدياد دور السينما في المدينة، كان عمر الطالب جورج نصر يتقدم هو الآخر في مرحلة الشباب، فما ان أطل على عمر 25 سنة، كانت دور السينما في طرابلس قد ازداد عددها ووصلت هي الأخرى مع مطلع الخمسينيات إلى 25 صالة سينمائية متطورة وحديثة، وتزامن ذلك أيضاً مع بداية الزمن الجميل في طرابلس وبدأ أيضاً زمن المخرج جورج نصر بالظهور في مرحلة تعليمه الجامعي، وتوجهه نحو «الانجذاب» إلى السينما وامتلاكه أول كاميرا للتصوير السينمائي والانطلاق من الهواية إلى عالم الاحتراف، وتحقيق حلمه بـ «النجومية» بعد ان أجاب على سؤال طالما حيره وطرحه على نفسه وتمثل بعنوان فيلمه الأول «إلى أين؟» في العام 1955 وحصد الجائزة الأولى للسينما اللبنانية والعربية في الخارج، حيث أُدرج ضمن ثلاثة أفلام كانت لها الأولوية في «مهرجان كان» السينمائي آنذاك.

المبنى السكني للعائلة والمجمع السينمائي الأهم

هذان الخطان المتطابقان بين نصر وبين السينما الطرابلسية لم يتوقفا عند هذا الحد، بل تواصلا في «الرابط» من خلال اختيار العائلة منزلاً لسكنها في مبنى شيده عند جادة طرابلس الرئيسية (البولفار) أحد «ملوك» السينما الطرابلسية سامي الكركجي الشهير بقصر قامته وطربوشه العثماني والذي أقام سينما «النحاس» أو سينما «ركس» في محلة السراي القديمة إضافة إلى استثماره في عدد من دور السينما في المدينة.

ويذكر ان المبنى الذي أقامت فيه عائلة جورج نصر وأخوته وأخواته، قد ضم أهم دور السينما في طرابلس وهي سينما «بالاس» إضافة إلى سينما «الأوديون» في الطبقة السفلى من المبنى والذي عُرف بعرض فيلم «حياة وآلام السيد المسيح» ناطقاً باللغة العربية، سنوياً بمناسبة عيد الفصح، ودار السينما تلك تشتهر بإمكانية ان تكون مسرحاً نظراً لطريقة انشائها، كما أقيمت في الطبقة الرابعة والأخيرة من المبنى دار ثالثة للسينما عُرفت باسم «رومانس» يتم الوصول إليها بواسطة «المصعد»، وبالطبع لا وجود لمثيل لهذه السينما لا في طرابلس ولا في غيرها من المدن اللبنانية!

محطة انطلاق عشاق السينما

في الطبقة الأولى من هذا المبنى عاشت عائلة نصر، في نقطة تتوسط «بولفار طرابلس» الممتد من جنوب المدينة في منطقة البحصاص، إلى شمالها عند تقاطع البداوي – باب التبانة على مسافة 3 كلم، على مقربة من معظم دور السينما في طرابلس، حيث كان يتجمع على رصيف المبنى يومياً معظم رواد السينما يتواعدون وينتظرون و«يقطعون» التذاكر ويتوزعون من ثم على دور السينما كل وفق رغبته، من الجنسين، شباناً وفتيات، وغالبيتهم من الطلبة، باستثناء رواد السينما العربية الذين كانوا يتوزعون على سينما «ريفولي» أو «الكابيتول» أو «الروكسي»، وكان هذا الازدحام يتزامن يومياً وعلى ثلاث دفعات عند الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة مساء وهي مواعيد العروض السينمائية إضافة إلى الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر أيام الآحاد.

أحاديث ساخنة في المقاهي

كان جورج نصر يُعبر عن فرحه بهذه الحشود من رواد السينما، ويردد «البلد بألف خير.. السينما بألف خير»، ولطالما كان يشعر بهذا الاحساس في الأمسيات التي كان يقضيها في مقهى «النغرسكو» المقابل لمنزل العائلة ولم يعرف عنه التردد إلى مقهى «الأندلس» الذي يقوم في الطبقة الأرضية وتحت منزل نصر تماماً، أو ان يزور مقهى «الكابتشينو» أو مقهى «البنكي» المجاورين.

وطالما نُقل عنه ان تلك المقاهي «مسيسة» وكل مقهى منها «ينتمي» إلى حزب معين، والحوارات والأحاديث فيها تقتصر على الأمور السياسية وتزداد السخونة في هذه الحوارات مع التعمق في بحث القضايا المحلية والعربية.

قهوة وسيجارة في «النغرسكو»

وكان نصر «يتلذذ»، في أمسيات أيام السبت عندما يحضر من العاصمة إلى طرابلس، في ارتشاف فنجان قهوته في النغرسكو ويتابع بشراهة الانتقال من سيجارة إلى أخرى من دون توقف أو استراحة.

وبين الستينات والسبعينات تردد لى مقهى «النغرسكو» العديد من الشخصيات والقيادات السياسية والهيئات النقابية والتجار والمثقفين والكتاب والأدباء، من بينهم النائب سليمان فرنجية (الرئيس لاحقاً)، مالك العلي، النقيب المحامي رينيه غنطوس، المحامي شوقي الراسي، المحامي محمود منلا (النقيب لاحقاً) وغيرهم من الرواد والمجموعات الذين يتوزعون داخل الصالة وعلى رصيف المقهى، كل إلى طاولته، واشتهرت الجهة الشمالية الغربية من المقهى التي تصطف فيها الكراسي على شكل حرف (L)، حيث كان يحب جورج نصر الجلوس على أحد كراسي هذه الجهة، وما ان يتخذ موقعه حتى يتحلق حوله العديد من الرواد والأصدقاء الذين «ينسحبون» من مقاعدهم لمجاورة القادم حديثاً من بيروت وليدور الكلام والحديث حول قضايا بعيدة عن السياسة وإن لامستها أحياناً ولكن دون الغوص في التفاصيل.

تعارف وصداقة وحديث عن القاهرة

وصادف في تلك الفترة اني كنت من رواد مقهى «الكابوتشينو» ومع انتقالي إلى عالم الصحافة مع بداية حرب السنتين واتخاذي مكتباً في «بناية سلطان» فوق مقهى «البنكي» أصبحت من رواده قبل ان أغادره عندما تحول إلى «مطعم» وانتقل إلى مقهى «النغرسكو» مع هدوء الحالة الأمنية في لبنان، ولتبدأ مرحلة التعارف ومن ثم الصداقة مع المخرج جورج نصر ومع شقيقه فؤاد الذي كان يدير المقهى آنذاك.

وأذكر إلى الآن أمسية السبت تلك التي جمعتني مع نصر بحضور عدد من الأصدقاء الذين كانوا يستذكرون أسماء «السينمايات» في طرابلس في وقت كانت فيه الكاساتات والفيديوات والدش قد غزوا المنازل وتراجع فيه رواد دور السينما، يومذاك وعندما سكت الجميع بعد ان انتهوا من تعداد أسماء تلك الدور، توجهت إلى الحضور قائلاً: لقد نسيتم اسم «سينما القاهرة!».

بدل الحضور برغيف

وإذ بغالبية الحضور بل جميعهم يسألني عن مكان هذه السينما التي لم يسبق ان سمعوا بها!

وما إذا كانت حقيقية أو مجرد مزحة؟

وشرحت لهم عن مكان هذه السينما في الحارة البرانية داخل المدينة القديمة عند الضفة اليمنى لنهر «أبو علي»، وأصيبوا بالدهشة، عندما أبلغتهم ان بدل الدخول إلى تلك السينما كان رغيف خبز أو «فرنك» أي خمسة قروش للصالة، وملعقة أو شوكة أو ما شابه للبلكون.

يومها أذكر ان جورج نصر قد ضحك وضحك مطولاً وكذلك فعل الآخرون، وازدادوا دهشة عندما علموا ان صاحب تلك السينما قد عمد إلى هذه الطريقة وهذا الأسلوب ليساعد العائلات الفقيرة من أبناء المحلة، وكان يوزع عليهم ما يتم تحصيله يومياً من خبز وطعام وأدوات مطبخ!!

نهاية للزمن الجميل!

ويومذاك لمحت بريقاً في عيني جورج نصر وربما كانت دموعاً خفية، وهو يتوجه إلى الحضور قائلاً: عالم السينما انتهى في لبنان! هذا الزمن الجميل الذي اعتدنا عليه سابقاً سيتحول وسيبدأ بالاندثار، تذكروا كل شيء سيزول… سنوات قليلة والسينما في لبنان ستصبح في خبر كان!!

يومها انقسم الحضور بين مؤيد لهذه الحال التي وصلت إليه السينما اللبنانية أو تكاد، والبعض الآخر، وربما على خلفية عدم قبوله ما هو آت، كان يعبر عن رغبة بامكانية تجاوز هذه المتغيرات التي بدأت فعلاً بالتسارع وباتخاذ أشكال مختلفة من التراجع والانهيارات التي طاولت وتطاول كافة النواحي الحياتية والاجتماعية والاقتصادية التي طبعت معالم «الزمن الجميل» الذي خيم على المدينة إبان حقبة امتدت زهاء ثلاثين سنة أو اكثر.

السينما تصارع

والملفت انه كلما كان المبدع جورج نصر يتقدم في السن وفي تفرغه لتدريس مادة الإخراج السينمائي في الولايات المتحدة الأميركية، كانت السينما الطرابلسية في صراع مع الزمن، ومع الواقع المتدهور الذي وصلت إليه، وقد ساهمت الأوضاع الأمنية التي شهدتها المدينة على مراحل متلاحقة في تعقيد الأمور وفي دفع دور السينما إلى وقفها تباعاً.

الوضع في طرابلس ودموع وحسرة

وفي لقاء في تلك الفترة جمعني مع فؤاد نصر الشقيق الأكبر لجورج، في أحد فنادق اهدن، حيث كان يُشرف على إدارته، وعندما سألته عن شقيقه جورج الموجود في أميركا وما إذا كان سيعود قريباً إلى مدينته طرابلس التي أحبها وعشقها، استغرق فؤاد، رحمه الله، في التفكير، وأشعل هو الآخر سيجارة جديدة، وتوجه إليّ قائلاً: بالأمس تحادثت مع جورج كان بيننا حديث طويل حول أوضاعه ولماذا لا يعود إلى طرابلس؟

وتابع: لقد شعرت ببحة في كلامه، وكأنه يبكي، وقال لي: يا فؤاد اننا كنا نتابع أحداث ما تعرضت له طرابلس (في منتصف الثمانينات)، وسائل الإعلام والتلفزيويات هنا في أميركا تنقل كل شيء عما يحصل في طرابلس، وأنت تعلم انني كنت في بيروت أثناء الاجتياح الاسرائيلي، ولكن صدقني إن ما عشته في تلك الأيام لا يُقاس أمام ما رأيناه في وسائل الإعلام عن ما يحصل في طرابلس. وختم فؤاد حديثه: صدقني لقد بكينا معاً ولا أعلم كم بقينا على هذه الحال، حتى سمعت رنين التليفون نبهني إلى انقطاع الاتصال.

العودة والرحيل ومشروع سكني تجاري

بعد سنوات عاد جورج نصر إلى طرابلس ليخلد إلى الراحة بعد ان توقف عن إعطاء الدروس الجامعية في أميركا وحيث شارك في العديد من السيناريوهات السينمائية، ليجد ان العديد من دور السينما بل جميعها، ما عدا واحدة منها، ما تزال تعمل بصالاتها الثلاث، أما انها قد أزيلت نهائياً من الوجود، أو تغيرت وجهة استخدامها، أو تنتظر لكي تلفظ أنفاسها.

والغريب انه قبل أيام أو أسابيع قليلة من رحيله، عظيماً ورائداً ومبدعاً، صادف الإعلان عن مشروع لإقامة مجمع سكني وتجاري بدلاً عن المكان الذي يشغله «مقهى الأندلس» ومنزل آل نصر ودور السينما الثلاث: «الرومانس» و«الأوديون» و«البالاس»؟!

Loading...