طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

طرابلس مدينةٌ عَلَى قَلَقٍ

 كأنَّ أبا الطيّب المتنبي يصف الحال الراهنة في مدينة طرابلس (التي كان قد امتدحها يوماً)، فيقول في إحدى قصائده:

«على قلقٍ كأنَّ الريحَ تَحتي

                                   أُوَجِّهُها جَنوباً أو شَمالاً».

هي حال عاصمة الشمال اليوم، إذ تعيش أياماً صعبة فعلاً على كافة المستويات، وتشعر كل يوم أن اليُتمَ بات قدراً، والانهيارَ بات وشيكاً، والأفقَ بات مسدوداً.

هي قصةٌ عمرها من عمر هذا الوطن الذي يبلغ المئة عام في السنة المقبلة. فمنذ اليوم الأول شعرت المدينة وأهلها باستهداف جدّي يطال دورها واقتصادها وقدراتها ووظيفتها وأحلامها، بل حتى ما حباها الله من موقع جغرافي مميز، وطبيعة غنّاء، وشعب تواق للعلم والمعرفة، ورواد أوائل كانوا أصحاب حسٍّ مجتمعيٍّ عالٍ، فأقدموا دائماً وتقدموا، إلى أن شُنَّت تلك الحرب الظالمة عليهم وعلى مدينتهم التي فُرض عليها العزل والتراجع المهين.

على قلقٍ، هي المدينة، فلم يعد يُحسب لها في السياسة حساب، ولم تعد تنال من الدورة الاقتصادية حصة، فسادت البطالة وانتشرت الفوضى واقترب الكثيرون من حافة الجوع، وهُمِّشت المرافق بل دُمِّرت أحياناً، وصارت الهجرة أبغض الحلال، وبات النزول من المركب أفضل الحلول، وأضحى التهريج والنفاق ومحاولة استغباء الناس هي السائدة في هذا الخضمّ الهائج.

والآن، تذهب المدينة إلى انتخاباتها الفرعية منهكةً، مدماةً، وفي معظم الأحيان غيرَ مكترثة.

يذهب الناس، بل ربما قليلٌ من الناس، في الرابع عشر من نيسان المقبل إلى انتخابات لم يكن لهم، في جانب أساسيّ منها، دورٌ في الترشيح أو التأييد أو التفضيل، ولا كانت مشورةٌ، أو بعضٌ من احترام لرأيٍ يعبِّر عنه هذا المواطن العادي، أو ذاك المتقدِّم سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً.

سوف يذهب الناس، أو قليلٌ منهم ربّما، إلى هذه الانتخابات ودَأبُ قسمٍ كبيرٍ منهم، ربّما، الدفاع عن مُلكٍ لم يَعُد موجوداً، أو التشجيع على مواقف قد بيعت وصارت في خبر كان، أو من باب الحماسة لذكرى ونهج ما زالا يتعرضان للتهميش والتهشيم، وفي أحايين كثيرة من ذوي القُربى.

الناس في المدينة قلقون. فكيفما اتجهوا يرون الأبوابَ مغلقة، وشريانَ الحياة يجفّ، والرؤيةَ، المصحوبة عادة بالأمل، تغيب.

المدينة مأزومة، فكيف تخرج من أزمتها، وكيف تضع نفسها في أعلى الهرم السياسي من جديد، وكيف تستعيد روحها ووظيفتها والاندفاع الذي كان دائماً جزءاً من تركيبتها، وكيف ينهض اقتصادها من جديد، وكيف تستعيد لُحمة نسيجها الاجتماعي الذي كان دائماً أحد أهم أسلحتها، وكيف تلعب الأدوار النهضوية كما كانت على مرّ الزمان، وكيف يعود لها الهدوء والنظام والأمن الاجتماعي والنظافة، وكيف تعود فتستقطب من هم خارجها، ومن شتى الأرجاء، ليتعلموا كيف تكون المدن، ولينهلوا من مَعين فكرها وخيرها وتجارتها وصناعتها وثقافتها وانفتاحها والعطر الذي كان يفوح في كافة أرجائها؟

أسئلة محرجة وجارحة، لكنها الأسئلة التي علينا ان نجد إجاباتٍ عنها، وهذا لن يحصل إذا لم يقف، أولاً، أهل المدينة وسكانها، ليقولوا أمام العالم كلّه: لا.

لا، لن نقبل أن يُستهترَ بنا. لا، لن نقبل أن تُسدّ الأبواب في وجوهنا. لا، لن نقبل أن نُهمّشَ سياسياً أو اقتصادياً أو سياحياً أو اجتماعياً. لا، لن نقبل أن نبقى على قلقٍ دائمٍ، وكأن رياح الأرض كلها تجري تحتنا. لا، لن نقبل استغباءنا أو بَيعنا شعارات باتت كاسدة. لا، لن نقبل بعد اليوم ان نُعامَلَ كأبناء جارية فيما غيرنا أبناء الستّ. لن نقبل أبداً أن نبقى كما الأيتام إلى مائدة اللئام.

ومن أين نبدأ؟

مِن السياسة والسياسيين أولاً، فلا أملَ يُرتجى إن لم يكن القرار نابعاً من المدينة ولها. وعلى سياسييّها أن يكونوا الأُوَل في قَول كلمة «لا».

وبعد السياسيين، هناك دور أساسي للنخب الفكرية والاقتصادية والمهنية، ليقولوا جميعهم كلمة واحدة، هي: لا.

أما «المجتمع المدني» الذي تحوّل معظم أفراده إلى تابعين لهذه القوى السياسية أو تلك، فقد حان الوقت ليرفع أفراده وجماعاته الصوت، متَّحِدين، متضامنين، حاملِين رؤيةً واضحةً ومطالبَ جدية، ومتسلحين بنزاهة وإخلاص وإقدام لم تعد موجودة بكثرة حالياً في أروقة هذا «المجتمع المدني».

ثمّ، على عموم الناس، أيضاً، أن يُعبّروا عن أوجاعهم، والألم الذي تعتصره قلوبهم، والظلم الذي يلحق بهم كيفما ولّوا وجوههم.

وفيما نقول إن المدينة تتعرض لحقدٍ وكيدٍ شديدين، لا ننفي أبداً أننا نحن، أبناءها والقاطنين فيها، سياسيين وإعلاميين ونخباً ومهنيين وعمالاً وأناساً عاديين، مخطئون أيضاً في حقها.

كلّنا مخطئون، لأننا تركنا الأمور تصل الى هذا الدرك، وعلينا، كلّنا، أن نصحح أخطاءنا.

لم يعد هناك الشيء الكثير نخسره، لقد وصلت الأمور إلى القعر، والوعود التي تُعطى إلينا اليوم لا تشبه إلاّ الوعود التي أُعطيت إلينا سابقاً، بل حتى  وعد «إعمار سوريا من طرابلس» لا يبدو إلاّ طيفاً ووهماً ومخدِّراً يُروِّج له كذابون، فهم لن يتركوا لأهل المدينة  والقاطنين فيها غصناً يستظلون به، ولن يمنحوهم حائطاً يستندون إليه، ولن يفتحوا لهم باباً يدخلون منه. هُم قد توزعوا المغانم سلفاً، فهم يرون في العمل العام تجارة رابحة ليس إلاّ، وهم لا يكترثون أصلاً بالاستقرار الأهلي ولا بتأثير هذا الاستقرار على الكيان كله. إنهم مجموعة من الوحوش الكاسرة الجاهزة لالتهام الأخضر واليابس. هؤلاء هم أخصامنا، وأخصام الحياة التي تستأهلها هذه المدينة.

لهؤلاء كلّهم، علينا أن نقول: لا. وأن نجابههم ونواجههم، ونقلقَ راحتَهم في كل ساعة ويوم.

علينا ان ننتزعَ حقوقَنا انتزاعاً، وأن نستعيد عافيتنا، بجهدنا أولاً، وبشجاعتنا ثانياً، وبرفضنا القاطع لقبول أي شيء يمتهن ويرتهن كرامتنا أو لقمة عيشنا أو مستقبل أولادنا، ثالثاً.

هي المدينة، «على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتها»، لكنْ إلى متى؟

سؤالٌ علينا، نحن فقط، أن نجيب عنه، بكل صراحة وحزم وقوة، فلا شيء عندنا بعد اليوم نخسره، وحالنا أيضاً صارت كما حال أبي الطيب المتنبي نفسه، في قوله في قصيدة أخرى:

«فَصِرتُ إذا أصابَتْني سهامٌ

                                       تَكَسَّرَتِ النِّصالُ على النِّصالِ».

Loading...