طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«الحراك الشعبي بين الأمس واليوم» (الحلقة الثانية)… المحامي حسين ضناوي: المجتمعات والنقابات تغيّرت والحل بولادة أحزاب ديمقراطية جديدة

تظاهرة في العام 1972

في العدد السابق نشرنا «الحلقة الأولى» من ملف: «الحراك الشعبي وحراك المجتمع المدني بين الأمس واليوم»، والتي تضمنت حواراً مع الوزير ونقيب المحامين السابق رشيد درباس، وفي هذا العدد ننشر «الحلقة الثانية» وتتضمن حواراً مع الرئيس الأسبق لـ «الرابطة الثقافية» وعضو «التجمع الوطني للعمل الاجتماعي» في طرابلس (1975-1994) المحامي حسين ضناوي، الذي قال جواباً على السؤال الأول:

∎ هل بالإمكان  ان تحدثنا عن وهج النضال المطلبي – السياسي الذي كان سائداً في مرحلة ما قبل «الحرب الأهلية 75-76»؟

الحرب «ضربت» الحراك السياسي – النقابي

– «في تلك الفترة، كانت المنطقة تمر بمخاض كبير، وكانت عناصر هذا المخاض هي:

– الصراع مع إسرائيل أولاً،

– وجود المقاومة الفلسطينية ثانياً،

– نمو الأحزاب السياسية ثالثاً،

المحامي حسين ضناوي

ونمو الأحزاب يخلق تعبئة عامة، العنصر الأساسي فيها «الأمل» بالتغيير وصناعة المستقبل لدى الشعوب،

ولذلك كان الشارع العربي، ومنه الشارع اللبناني، يتحسس وينخرط في كل القضايا القومية والسياسية والوطنية والاجتماعية.

وكانت التعبئة مؤثرة وفاعلة بدليل ان «الحرب اللبنانية» كان من اهم أهدافها ضرب هذا الحراك السياسي الكبير».

«لم يكن ممكناً ان تتحرك الجماهير إلاّ بوجود تنظيم سياسي فاعل يعكس نمو المجتمع المدني المنظم من خلال النقابات والمؤسسات.

فلو لم تكن في لبنان حركة سياسية فاعلة وتقدمية ومتحركة فإن النقابات المهنية والعمالية لم تكن باستطاعتها الوصول إلى ان تكون نقابات العمال مؤثرة، فالنقابات الحرة و«اتحاد نقابات العمال» هي الوجه المدني للأحزاب السياسية، لا بل هناك تكامل بين الجانبين.

وفي لبنان كانت «الحركة الوطنية» متقدمة، وكان هناك تنظيم لأدائها، وكانت النقابات المحرك الأساس، مع أهمية دور «المقاومة الفلسطينية» إلى جانب «الحركة الوطنية» في تعبئة الجماهير».

∎ هل تعتقد ان القضايا التي كانت تُحرك الشارع في الماضي تختلف عنها في الزمن الحاضر، وكيف؟

العالم تغير بين الأمس واليوم

– «هناك فرق كبير جداً بين مجتمعات اليوم ومجتمع ما قبل الثمانينيات والسبعينيات، ليس في لبنان وحده، فالعالم تغير إلى حد كبير، وذلك لأسباب موضوعية، إذ تغيرت المجتمعات الإنسانية نتيجة التغيّر الحضاري، ويمكن القول أننا نمر في مرحلة إنتقالية بين عالمين: عالم  قديم وعالم حديث، بل وما بعد الحديث، المجتمع الرقمي» .

«القديم»

فالمجتمعات القديمة، كانت متماسكة لديها رؤى سياسية واجتماعية محددة.

وكان الانتاج يعتمد على الطبقة العاملة،

وكانت المواقف السياسية محددة بسبب محدودية حجم الإعلام الذي كان يوجه المواطنين محدود بالكم والنوع فأغلبية المواطنين يتلقون رسائله، وهو كان مصدر المعلومات وتشكيل الفكر والمعرفة».

… و«الحديث»

«أما في العصر الحالي فإن أدوات الماضي لم تعد فاعلة وصار العالم عبارة عن «قرية صغيرة»، بفعل تطور أدوات الاتصال تطوراً هائلاً وتنوعت القوى المسيطرة عليه، مما فتت الرؤى وبات لكل قوة إعلامها وأدوات اتصالها».

«في الماضي كانت قلة تُبدي رأيها عبر الإعلام، اليوم صار كل من يحمل هاتفاً خليوياً يُبدي رأيه، يحلل في كل شيء،

مما أدى إلى طغيان الفردية وصعوبة توحيد الرأي العام حول القضايا الوطنية والاجتماعية…».

المحامي حسين ضناوي تابع:

«اليوم لم تعد أدوات تحريك الشارع (الأحزاب والنقابات) موجودة،

كما ان تراكم الأحداث أثّر على طبيعة رودو الأفعال السياسية والاجتماعية،

وصار الناس يألفون الحوادث ويتعايشون معها فلم تعد تُحَرِّكهم، والإنسان لا يثور إذا جاع أو كان في ضائقة، فالجوع والبطالة والفقر خلفية بالغة الأهمية إلاّ ان الحراك الثوري لا يكون إلاّ إذا أحس المجتمع ان ثمة أمل بالتغيير، بل يثور عندما يدرك بأن «ثورته» تعطي نتيجة، عندما يلوح الأمل ينطلق الإنسان،

أما إذا فقد الأمل فإنه لن يفعل شيئاً، مهما كان الكابوس الجاثم على صدره، خاصة إذا كانت شبكة العلاقات المجتمعية مفتتة، والقدرة على تجميع الناس صعبة جداً، وهذا الأمر ينسحب على العالم أجمع».

∎ هل تعتقد ان الحرب الأهلية أرخت بتداعياتها على حركة الشارع وأفقدتها دورها الذي كان رائداً في لبنان والمنطقة؟

الوجود السوري فتت القوى السياسية النقابية

– «بالتأكيد… فقد كان المجتمع المدني متماسكاً في طرابلس، وفي لبنان، وصوته السياسي عالياً ودوره أساسياً.

وعلى سبيل المثال:

كان دور «التجمع الوطني للعمل الاجتماعي» (1994-1975) مميزاً، فهو كان ينظم الحياة في مختلف المجالات الحياتية والاجتماعية بغياب الدولة، وكان فاعلاً ونجح في ذلك لأن القوى السياسية والنقابية كانت فاعلة  ولها دورها.

ولكن هذه القوى لم تعد قائمة حالياً، لا بل أدى وجود المقاومة الفلسطينية ومن ثم الوجود السوري في لبنان إلى تفتيت منظم لتلك القوى السياسية والنقابية.

فمصادرة الحريات وسيطرة الديكتاتوريات التي شملت الوطن العربي واستخدمت أدوات تدمير أية قدرة شعبية على النضال المستقل ودمرت إرادة الجماهير، هذا هو نهج الدكتاتوريات في الوطن العربي.

∎ هل يعني ذلك أن «إتفاق الطائف»، الذي أنهى الحرب الأهلية، كان محطة فاصلة بين زمنين؟

– «هذا الاتفاق ليست له علاقة بالأمر، بل تلاشي وتدمير الأحزاب هو السبب، فكل الأحزاب اللبنانية إنقسمت على نفسها. والأحزاب التي صارت في السلطة بعد الاتفاق لم تكن هي المحركة للشارع المطلبي. ودخلت لعبة السلطة وفسادها.

∎ ماذا عن دور «قوات الردع العربية» السياسي في تراجع الحركة المطلبية وتراجع دور الأحزاب والنقابات في لبنان؟

كان لها الكلمة الفصل

– «القوات الحاكمة والقابعة على السلطة كان لدورها السياسي الكلمة الفصل في العمل السياسي والنقابي، فقد مورس الإرهاب المخابراتي على المجتمع، والناس صارت تبرر «إستكانتها» بأنها غير قادرة على فعل شيء».

∎ إلى أي حد أثر الانقسام الطائفي – المذهبي على التحركات المطلبية – الوطنية؟

تراجع كبير

– «طبعاً، حدث تراجع كامل لأن قيادات جديدة وُلِدت، وهذه لم تعد أدواتها الإنسان العامل أو الموظف، بل المال، الذي أسهم في تعميق هيمنة قيادات الطوائف والمذاهب وضربت الوحدة الوطنية لمصلحة زعماء الطوائف والمذاهب،

إذ هيمن على الحياة السياسية قيادات مذهبية شعبوية مع ضعف سيطرة الدولة واقعياً على الأمن والإدارة».

∎ كيف تنظر إلى مصادرة أو هيمنة القوى السياسية على النقابات حالياً؟

جماعة أحزاب الطوائف والمذاهب يهيمون على النقابات

– «النقابات لم يعد لها من دور، فقد هيمن على أكثرها أحزاب طائفية بل وأحزاب تابعة لمذاهب وميليشيات ولسياسيين يهيمنون عليها.

فكل من لديه (تسلط وسيرطة) يلعب سياسة، يجمع عدداً من المنتسبين للنقابات، ويسيطر عليهم بخدماته، بالإضافة إلى خدمات السلطة والإدارة التي تزيد من المنتفعين وأصحاب المصالح على حساب العدالة والاستقامة.

لذلك هناك صعوبة في وصول المستقلين إلى إدارات النقابات، وغالباً ما يتفق هؤلاء جميعاً في مواجهة المستقلين للحؤول دون وصولهم.

كما ان من يصلون إلى المناصب النقابية ولاؤهم للسياسيين وليس للجسم النقابي ومصالحه.

في الماضي كانت الأحزاب ترشح أشخاصاً للانتخابات النقابية وهدفها من ذلك التغيير، أما اليوم فإن الهدف هو الهيمنة على النقابات، لذلك يرشحون التابعين».

وبذلك  يسيطرون على المجتمع المدني ويمنعون نموه وتأثيره الإيجابي.

فأين الحل؟

∎ وهل تعتقد ان بالإمكان إستنساخ أو ظهور أحزاب جديدة تقود الشارع؟

– الحل بظهور أحزاب ديمقراطية جديدة، الاستنساخ ليس وارداً. والحل يكمن بظهور أحزاب تقدمية ديمقراطية حقيقية تختلف عما كان قائماً في السابق.

هناك حاجة لتجمع القوى الديمقراطية الواعية لخلق حزب ديمقراطي عابر  للطوائف والمجتمعات. قابلة للنمو والتوسع وتوحيد إرادة الجماهير ضمن رؤية متقدمة تحقق النمو والتغيير والعدالة الاجتماعية.

أما الانتخابات الجارية حالياً فهي ليست ديمقراطية، والفائزون لا يشكلون بدائل، والسياسيون لا يتغيرون لأن المجتمع لا يفرز بدائل تختلف عما هو حاصل اليوم.

والطبقة المتوسطة تموت رويداً رويداً، إذ يزداد الفقر ويزداد الغنى بالمقابل، والمساحة التي تقع فيها الطبقة المتوسطة تضيق كثيراً، وحتى الطبقة الفقيرة وصلت إلى الفقر المدقع وهي ليست منظمة.

وليس أمامها إلاّ حل واحد وهو هجرة الشباب والكفاءات والسفر وليس التعبير في الداخل المريض.

وإزدياد الجرائم على أنواعها والبطالة.

∎ شهد لبنان في السنوات القليلة الماضية تحركات مطلبية لم تحقق شيئاً، لماذا فشلت أو أفشلت، وما هو تأثير قمع السلطة لها أو في أحسن الأحوال ملاحقة بعض ناشطيها؟

من يريد النضال عليه تحمل الملاحقة  والسجن

– «ملاحقة السلطة للناشطين لا تؤثر على الحركة إذا كانت الحركة جادة وواعية وصادقة. عادة المناضلون يتعرضون للتوقيف والمحاكمات، والمناضل يسعى لتغيير المجتمع نحو الأفضل وهو يحمل رسالة، هذا هو المناضل المسيَّس.

أما ما يُسمى بـ «المجتمع المدني» فهو حركة ليست مسيَّسة، لا بل تفتخر بأنها لا تريد ان «تشتغل سياسة»، علماً ان المجتمع لا يمكن ان يتغير دون نضال سياسي،

إلى جانب ذلك فإن قوى المجتمع المدني مشتتة، مفتتة بشكل مرعب ولا تمتلك رؤية أو مشروعاً.

فأنت كمواطن عندما تناضل حول جزئية في المجتمع لا تفعل شيئاً، لكن عندما تكون لديك رؤية تناضل من أجلها تستطيع النجاح في التغيير وإحداث تراكم نضالي يكسب ثقة المواطنين وبذلك يبدأ التغيير نحو الأفضل.

«على سبيل المثال: شهد بعض الدول العربية حراكاً جماهيرياً كبيراً يسمونه «الربيع العربي»، ونزلت جماهير هائلة إلى الشارع، لكن من نجح في «قطف الثمار» وهم «الإخوان المسلمين» لأنهم الطرف الوحيد المنظم، علماً ان «الإخوان» لم تكن، في بداية هذا الحراك الشعبي، مع الشعارات التي رفعتها الجماهير، وهم عاجزون عن التغيير الحقيقي بل بالنتيجة هم من عوامل الوضع الاجتماعي والسياسي الحالي.

∎ هل تعتقد ان الأزمات المعيشية الخانقة قد تؤدي إلى «ربيع لبناني» وإن بشكل مختلف كما حدث في بعض البلدان العربية؟

«الربيع اللبناني» كان في 14 آذار 2005

– «الربيع اللبناني سبق الربيع العربي إذ حصل في 14 آذار 2005 عندما نزل الشعب اللبناني إلى الشارع مطالباً سوريا بالانسحاب وبالعدالة والتغيير،

ولكن وبسبب غياب الرؤية والبديل الحقيقي توقف هذا «الربيع» وتعرض للقتل،

فالقوى التي تحركت غالبيتها ليست مُنَظَمَةٌ،

والقوى المنظمة هي «طائفية»،

ولو كانت القوى التي صنعت 14 آذار مُنَظَّمَة لكانت غيرت الوضع اللبناني بأكمله».

القضايا المطلبية تخلق «وهماً» لا «ربيعاً»

تابع:

«القضايا المطلبية لا تخلق «ربيعاً بل وهماً»، لذلك نرى كيف تتسبب الأزمات المعيشية والفشل والهزيمة للشباب بتعاطي المخدرات وسواها من الآفات، وهي نتيجة الشعور بالهزيمة وفقدان الأمل والعجز، ولا يستطيع محاربتها إلاّ النضال الحقيقي المستند إلى رؤية وبرنامج تغييري يضمن العدالة والتنمية والحرية».

∎ ما هو تعليقك على مقولة صائب سلام التي تبناها بيار الجميل: «الثورة من فوق حتى لا تأتي من تحت»؟

الثورة من فوق ليست ثورة

– «الثورة «من فوق» ليست ثورة بل صراع بين القوى الفاعلة على مصالح خاصة، فالقيادات من فوق هي الحكام وليست معنية بتطور المجتمع، ولو كانت مؤمنة بشعبها لطورته وبدون ثورة».

∎ هل تعتقد ان بالإمكان إستعادة دور طرابلس التي كانت رائدة وسبّاقة في التحركات المطلبية والوطنية والقومية والأممية أيضاً؟

طرابلس يتيمة بلا قيادات

– «بما هو قائم حالياً لا أعتقد بامكانية إستعادة دور طرابلس، فالمدينة تعيش يتيمة،

فيها قيادات ولكنهم ليسوا قادة شعبيون وأول شيء في القائد أن يكون بين الناس. أما الوضع الحالي في لبنان، وليس طرابلس فقط، هو تعويد الناس على التفتيش عن الخدمات عند السياسين.

لا شك أن هناك في طرابلس شباب واعون ومؤمنون بالشعب، وإذا وُجِدت الصيغة – خطة – برنامج – يناضلون، ولكن لسوء الحظ لا يوجد شيء من هذا، ومن يجدون في أنفسهم انهم قادرون على الفعل يُحاربون فكرياً وسياسياً من كل الجهات والأطراف».

∎ ما هو رأيك بالواقع الوطني والقومي المستقبلي؟

المخاض صعب وأفضل النضال هو النضال السلمي الديمقراطي

– «كل المعطيات تدل على ان المخاض صعب جداً،

– المجتمع يتفتت،

– لم يكن العالم العربي يعيش حالة مماثلة لما هو قائم حالياً.

– أعتقد ان أكبر خطيئة هي حمل السلاح بوجه السلطة الحاكمة.

– وهذه الأخيرة قوية بتماسكها وبتفتيت المجتمع،

– وعندما تحمل السلاح فإنك تُتيح للسلطة تدميرك.

– أفضل نوع من النضال هو النضال السلمي السياسي الديمقراطي وإعادة الاعتبار للنضال القومي… إن الوطن بأسره يعاني من تدخل الخارج المجاور والبعيد وعلى حساب الشعب العربي وقضاياه.

– العسكرة في المجتمعات العربية أفقدت الجيوش هويتها،

– فالجيوش تنال حصتها من الاقتصاد والمال وصار لديها رأس مال تعيش منه،

والجيوش هي جيوش السلطة لا الشعب،

– والقيادات العسكرية لديها اقتصادها الداخلي يؤثر بالمجتمعات كما يؤثر الرأسماليون.

مصر مثالاً

على سبيل المثال: معظم المشاريع في مصر يُنفذها الجيش الذي يمتلك التجهيزات والأموال والامكانيات،

لذلك يعود الجيش قوة فاعلة سياسياً بل أصبح جزءاً من السلطة وحامياً لها ودوره هو الدور الذي تحدده له السلطة وخدمة أهدافها. قمعاً أو تسلطاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.