طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

عادات طرابلسية في «ذكرى المولد»

توزع الحلوى في ذكرى المولد

 

«ذكرى المولد النبوي الشريف» لها في طرابلس وقع خاص، إذ تُعتبر في التقاليد الشعبية عيداً دينياً يوازي عيدي «الفطر» و«الأضحى»، ولذلك يسميها الناس «عيد المولد»، ويعزز هذا الاتجاه اعتبار يوم «المولد» عطلة رسمية في دوائر الدولة.

وقد رافقت هذه الذكرى في الماضي أجواء احتفالية خاصة، وممارسات شعبية، صار أغلبها جزءاً من الماضي، فيما لا تزال الذكرى تحتفظ ببعض «الرهجة» حتى أيامنا هذه.

ذكرى وليس عيداً

يوم «المولد النبوي» «ليس عيداً بالمفهوم الشرعي، الذي لا ينطبق إلا على «الفطر» و«الأضحى»، بل هو مناسبة يتذكر فيها المسلمون نبيهم، ويندفعون بعمل فطري نحو إقامة الزينة، وتوزيع الطعام، والاجتماع على تلاوة سيرته (صلى الله عليه وسلم)».

حقائق ممزوجة بالأساطير

وقد درجت العادة، خاصة فيما مضى، ان تُعقد مجالس تُتلى فيها أجزاء من كتب كانت تسمى «الموالد» وأشهرها كتاب يسمى «مولد العروس»، وتتخلل تلك الجلسات طقوس معينة.

حفلات الذكر

وعلى ذكر العادات التي درج عليها الناس، فقد كانت لـ «ذكرى المولد» في طرابلس ممارسات وأجواء خاصة، لا تزال مختزنة في الذاكرة الشعبية لدى أبناء المدينة المتقدمين في السن نسبياً.  وأول هذه الممارسات ما كان يُعرف بحفلات «الذكر»، التي تُعقد في «زوايا» مشايخ الطرق الصوفية في المدينة وأبرزهم الشيخ سلمان البارودي الذي كان منزله في «سوق العطارين»، يضم قاعات كبيرة تُعقد فيها حفلات تُستخدم فيها المزاهر، وسط حضور «الفتلة المولوية» التي تذكر الله، وتصلي على النبي، بطريقة تثير الحماسة في الحاضرين، فيندفعون بدورهم ويرددون «الله.. الله..»، ولا يلبث ان ينسجم الحاضرون جميعهم مع حركات «المولوية» فيتراقصون مثلهم وسط شعور عارم بالفرح، كل هذا وسط فصل تام بين النساء والرجال.

زينة خاصة

وعلى الصعيد الشعبي، كانت أسواق طرابلس تُزين بزينة خاصة ويُفرش في أزقتها السجاد إحتفالاً.

الليموناضة في «بركة الملاحة»

ومما يذكره الناس حول أجواء الأسواق «ان بركة الملاحة في طرابلس كانت تُملأ بـ «الليموناضة» ليشرب منها المارة، ويعمد بعض أصحاب المحلات إلى توزيع المأكولات والمشروبات مجاناً «عن روح النبي» كما يقولون، خاصة «الحبوب» وهي تحلية طرابلسية معروفة، إضافة إلى الرز بالحليب، والقهوة.. ».

ولم تكن قراءة قصة «المولد النبوي» حكراً على الزوايا المعروفة، بل كانت تُقرأ أيضاً في البيوت ليلة «المولد»، حيث يوزّع التمر والفواكه على الحاضرين، ولقراءة السيرة في البيوت طقوس مصاحبة، إذ يقف جميع الحاضرين عند مقاطع معينة، ويشربون من ماء كانوا قد وضعوه وسط الجلسة، وقرأوا عليه من «بَرَكَة المولد» كما يسمونها، ويعودون لمتابعة القراءة.

تبادل الأطعمة

وفي الجانب الإنساني من الذكرى، يروي بعض «قدماء» طرابلس، «ان الناس كانت تتبادل توزيع الأطعمة فيما بينها، خاصة أكلة تعرف بـ «القمحية» والأرز بالحليب، إضافة إلى ما يكون أهل البيت قد طبخوه لأنفسهم، فيوزعون قسماً منه على جيرانهم».

«الأثر الشريف»

إضافة إلى هذه الممارسات الاحتفالية، كانت تُقام جولات للأثر الشريف المحفوظ في «المسجد المنصوري الكبير»، في شوارع المدينة في ذكرى المولد. و«الأثر الشريف» عبارة عن عدد من شعرات الرسول (عليه الصلاة والسلام) يُحتفظ بها داخل غرفة خاصة. ويذكر بعض أهل المدينة أيضاً ان «النوبات» وهي فِرق مؤلفة بشكل أساسي من طبول، وصناجات، وحملة رايات كانت تجوب شوارع المدينة أيضاً عازفة إيقاعات مختلفة تعبّر عن هوية كل فِرقة، لتنهي جولتها في المساجد، وسط التصفيق والصلاة على النبي من قبل الحاضرين.

«المولد» في أيامنا

أما في الزمان الحالي، فقد احتفظت بعض مظاهر الاحتفال بذكرى المولد بحضورها، وان بشكل معدّل، فيما اختفت بعض هذه الممارسات تماماً من حياة الطرابلسيين.

حفلات إنشادية

فقد حلّت الحفلات الانشادية التي يستعان فيها بفِرق للمديح، محل حفلات الذكر التي سبق الحديث عنها، إذ أصبحت الجمعيات والهيئات الدينية تُقيم سهرات خطابية يتحدث فيها الخطباء عن مزايا الرسول الكريم، وسيرته والعِبر التي ينبغي ان تُستخلص منها في واقعنا، ويتخلل ذلك أناشيد تُعَدّ خصيصاً للمناسبة، معظمها من الموروث الشعبي على غرار «صلوا عليه وسلموا تسليماً» إضافة إلى كلمات يكتبها شعراء محدثون.

«حواجز محبة»

كما لا يزال بعض الباعة، لا سيما في الحارات الصغيرة، يخصصون جزءاً من بضاعتهم لتوزيعه بالمجان خلال هذا اليوم، دون نسيان توزيع بعض الجمعيات لقطع من الحلوى في المساجد والبيوت، وإقامة «حواجز المحبة» على الطرقات لهذه الغاية. ولكن تبقى السمة الأبرز ليوم المولد حالياً، هي أولئك الشباب الذين يوزعون عصير الفواكه على المارة، وقد أعدوه مسبقاً ضمن أوعية من النحاس أو الألمنيوم ليحافظ على برودته لأطول فترة ممكنة.

يافطات وزينة وتبادل تهاني

كما ظهرت في السنوات الماضية في طرابلس مظاهر الزينة واليافطات التي تشيد بالذكرى وتتناول صفات الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، وصار الناس يتبادلون التهاني عبر مواقع التواصل الاجتماعي ويهنئون بعضهم بالمناسبة. وهكذا، فقد احتفظت «ذكرى المولد» ببعض وهجها في طرابلس رغم تقادم الزمن، فيما قضى تسارع إيقاع الحياة، وتغير اهتمامات الناس على الكثير من العادات التي استحقت معها لقب «عيد المولد»، والتي لا تزال حاضرة في كثير من الدول العربية المجاورة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.