طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

لمناسبة الميلاد المجيد… مصر ترحب بالمسيح الطفل لاجئاً فلسطينياً إليها، برفقة أمه

كنيسة المهد

د. الياس خليل زين…

لإنقاذ الطفل المسيح من القتل المحتّم، في مسقط رأسه، مدينة «بيت لحم»، فقد تم اختيار مصر، أرض الكنانة، ليحل المسيح لاجئاً فلسطينياً، برفقة أمه، «مريم العذراء»، و«يوسف النجار».

ولقد جاء ذلك، بعد أن ظهر ملاك الرب، إلى يوسف، في (الحُلم) وقال له: «قُم، يا يوسف، خُذ الطفل وأمه، وأهرب إلى مصر، وأقم فيها، حتى أقول لك، متى تعود، لأن «هيرودس» (الملك الحاكم الروماني) سيبحث عن الطفل ليقتله».

هذا ما جاء في «إنجيل القديس متّى»، الإصحاح الثاني.

إن الغاية من هذا البحث، هي ان نروي قصة لجوء العائلة المقدسة، أي الطفل المسيح، وأمه مريم، ويوسف النجار (خطيب مريم) ومربي المسيح، لإنقاذ الطفل من القتل بأمر من الملك «هيرودس». وكان لهذه التجربة الناجحة تأثيراً إيجابياً، لأنها انقذت الطفل من الموت، وإلا، لو نجح «هيرودس» بذلك، كما فعل بأطفال «بيت لحم»، لما كان عندنا اليوم المسيحية.

إضطراب الملك «هيرودس»

وبعد أن سمع الملك «هيرودس» مولد المسيح، إضطرب هو، وكل «أورشليم». فجمع الكهنة ومعلمي الشعب، وسألهم:

– «أين يولد المسيح؟».

– فأجابوا: «في بيت لحم، وأن هذا ما كتب النبي».

وجاء المجوس من الشرق، وقالوا:

– «أين هو المولود، ملك اليهود؟

رأينا نجمه في الشرق، فجئنا لنسجد له».

الملك يدعو «المجوس» سراً

فدعا «هيرودس» (الملك) المجوس سراً، وتحقّق منهم، من ظهر النجم. ثم أرسلهم إلى «بيت لحم»، وقال:

إذهبوا وإبحثوا جيداً عن الطفل. فإذا وجدتموه، فاخبروني حتى أذهب أنا أيضاً، وأسجد له».

غير ان الله، في الحُلم، أنذر «المجوس» أن لا يرجعوا إلى «هيرودس»، فأخذوا طريقاً آخر، إلى بلادهم، الشرق.

الهرب إلى مصر، حتى موت «هيرودوس»

ولما إنصرف «المجوس»، عائدين إلى بلادهم، إذ ملاك الرب قد تراءى ليوسف، في الحُلم، وقال له: «قُم، فخذ معك الصبي، وأمه، واهرب إلى مصر، وأقم هناك، حتى أقول لك، فإن «هيرودس» مزمع ان يطلب الصبي ليقتله».

فقام يوسف وأخذ الطفل، وأمه، ليلاً، ورحل، عبر الصحراء، إلى مصر، فأقام فيها إلى أن مات «هيرودس».

إستشهاد أطفال «بيت لحم» دون السنتين

وحينئذٍ، لما رأى «هيرودس» ان «المجوس» قد إستخفّوا به، إستشاط غضباً، وأمر بقتل، في «بيت لحم»، وكل تخومها، جميع الصبيان، من إبن سنتين فما دون، على حسب الزمان، الذي تحققه من «المجوس».

العودة من مصر والإقامة في «الناصرة»

وعلى أثر موت «هيرودس»، عادت العائلة المقدسة إلى وطنها الأم، وإستقرت في مدينة «الناصرة»، في منطقة «الجليل». وجاء ذلك ليتم ما قيل بالأنبياء: «إنه يُدعى ناصرياً».

تجربة العائلة المقدسة في مصر قبل ألفي وأثرها على رئيسة وزراء بريطانيا اليوم

يبدو ان تجربة العائلة المقدسة، في اللجوء إلى مصر لإنقاذ الطفل المسيح من قتله، من قبل الملك «هيرودس»، كما فعل في أطفال «بيت لحم» والجوار، قد أثّرت في سياسة رئيسة وزراء بريطانيا الحالية «تريزا ماي» الجريئة، تجاه الراغبين من اللاجئين في اللجوء إلى بريطانيا.

ونقلت وسائل الإعلام البريطانية وغيرها تصريحها القاضي بقبول طلب اللاجئين من بلدان تشهد إضطرابات دامية.

غير ان شخصيات بارزة، في «حزب المحافظين»، الحزب الذي تنتمي إليه الرئيسة «ماي»، إعترضوا على موقفها الايجابي من اللاجئين. وكان ردها، بما معناه بالآتي: قالت إنها تقبل بلجوء اللاجئين إلى بريطانيا، إنطلاقاً من إيمانها المسيحيي. هذا الإيمان الذي يرعى الفقراء واللاجئين ويساعدهم.

وضربت مثلاً على ذلك بالقول: «تصوروا لو لم يلجأ المسيح إلى مصر، لكان قُتل أسوة بأطفال «بيت لحم»». والآن، كما قالت، لو قُتل، مثلاً، لما كان هناك مسيحية، الآن، في العالم.

والمطران خضر تأثر بتجربة المسيح في مصر

وفي لبنان، تأثر المطران جورج خضر، مطران الجبل للروم الأرثوذكس، بلجوء الطفل المسيح إلى مصر.

وفي هذا السياق، ذكر في مقالة له بعنوان «شهادة» خص بها «الندوة العالمية للمسيحيين من أجل فلسطين»، التي عُقدت في بيروت في 10 أيار 1970، ذكر إنه، في مؤتمر عُقد مؤخراً بين ممثلي ديانات مختلفة، سمعنا مثقفاً مسلماً وَرِعاً يقول:

«إنني هنا أعلن أن العالم يحتاج اليوم إلى العرب، ليجد فيهم هذا المخلّص (المسيح) الذي يشاطره عذابه».

ويضيف: «أما بالنسبة إلي – والقول للمطران – فقد إخترت «العروبة» منذ الوقت الذي أصبح فيه المسيح، الناصري، لاجئاً فلسطينياً (في مصر)، كما سبقت الإشارة. وعنوان هذه الدراسة مأخوذة من كتاب المطران خضر «القدس»، الذي صدر عن «تعاونية النور الأرثوذكسية»، بيروت في نيسان عام 2003 (ص123).

الشاعر درويش: المطران يهتم بالجرح قبل العقيدة

ونختم هذه المقالة بما كتبه الشاعر الفلسطيني الراحل، محمود درويش، الذي كتب «مقدمة» كتاب «القدس».

ويقول بالحرف:

«هذا المطران، المسكون بهاجس العدالة والحرية والمحبة، والتماهي مع كرامة المعذبين، هو أحد الكبار في الثقافة العربية الذين عرَّفتهم فلسطين على أنفسهم.. فلم يعد يُحدد نفسه بالنسبة للعقيدة، بل بالنسبة للجرح – كما يقول (المطران) أيضاً – منذ اللحظة التي أصبح فيها الناصري لاجئاً فلسطينياً»(ص9)، في مصر.

ملحق: حواشٍ

– «هيرودس»: ملك اليهودية، أمر بذبح أطفال «بيت لحم» وقتل الكثيرين من أهلها. ولكن عدد قافلة الشهداء من الأطفال غير معروف، بالضبط.

– يوسف: (القديس) خطيب العذراء ومربي المسيح، كان نجاراً.

– مريم: القديسة العذراء، عاشت في الناصرة. ظهر الملاك جبرائيل وبشرّها بالحمل البتولي، بالمسيح.

– متّى: من رسل المسيح الأثني عشر، كتب إنجيله باللغة الأرامية حوالي العام 50 للميلاد.

– «المجوس»: كان المجوس حكماء من أهل العلم المشتغلين بأمور الفلك، وعلى الأرجح إنهم قدموا من بلاد «العرب».

– في «الحُلم»: أي «في أثناء النوم».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.