طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أصدر قراراً بسلب «الهنود الحمر» حقوقهم في الأرض والآثار يوماً بعد يوم تتضح الصورة الحقيقية لترامب

بقلم اللواء أمين عاطف صليبا…

بداية لا بد من التأكيد على انه ليس لدي أي موقف شخصي من الرئيس الأميركي «ترامب». جل ما في القضية ان التطرق للرئيس الأميركي في هذه الزاوية، إنما يعود إلى المواقف التي يتخذها هذا الرئيس، والتي بشكل أو بآخر تتصل بالمصلحة العامة لكافة الدول، من حيث تعلقها بالسلم العالمي، أو بالسلامة البيئية. وما قد كتبناه، أصبح من الماضي، إن ما يتعلق بانسحاب أميركا من «إتفاقية باريس» حول المناخ، أو بقراره الأخير الذي اعترف بموجبه بأن «القدس» عاصمة إسرائيل، ونقل سفارة بلاده إلى القدس الشرقية، ضارباً بعرض الحائط، شعور مئات ملايين البشر من مسيحيين ومسلمين، الذين ينظرون إلى القدس نظرة دينية إيمانية، لا يمكنهم التخلي عنها.

والبارحة عندما قامت مندوبة الولايات المتحدة الأميركية بإستعمال حق النقض (الفيتو) لإجهاض قرار «مجلس الأمن» باعتبار قرار الرئيس «ترامب» حول مدينة القدس بحكم المُلغى.

لم يكن القرار باستعمال «حق النقض» غير متوقع إن من أصدقاء أميركا أو من خصومها على حد سواء، والذي كان يُمنّي النفس بغير ذلك، نقول له كفاكَ عيشاً في الأوهام!!

ولكي تنجلي الصورة أمام القارىء، نؤكد بأن «ترامب» هو هو، رجل أعمال، لا تعرقله أي اعتبارات مهما كان شأنها، ولا شيء يُثنيه عن خططه التي طالما حضّر لها.

ولكي يتوضح رأينا هذا، سنضع بتصرف القارىء، واقعة أقدم عليها «ترامب» في الداخل الأميركي في 4  كانون الأول 2017، وهي قضية داخلية بحتة، تتعلق بتخفيض مساحات شاسعة من الأراضي الفيديرالية (التي تملكها الحكومة وليس الولاية) في ولاية «يوتا»، هذه الولاية التي ما زالت تحتفظ بتاريخ الشعب الهندي الذي كان يعيش في تلك الأرض منذ ما قبل اكتشافها من قبل «كريستوفر كولومبس» وبآثار لهذا الشعب، الذي هو على حافة الانقراض والذوبان في المجتمع الأميركي.

تلك الأراضي المحمية، والتي تبلغ مساحتها حوالى 13000 كلم مربع – أي أكبر من مساحة لبنان بحوالى الثلث – كانت قد حظيت بحماية لها بقرارين منفصلين من الرئيسين «كلينتون» و«أوباما» وذلك سنداً لقانون الحفاظ على الآثار وصون المحميات الطبيعية على الأراضي الأميركية، الصادر عام 1906 الذي يُجيز للرئيس الأميركي، ومن خلال قرار عائد له، تحديد مساحة تلك المحميات.

اليوم وبجرة قلم من قبل «ترامب» الغى من مساحة المحميتن ما يقارب العشرة آلآف كلم مربع، ليتيح بذلك للسلطات المحلية – والتي هي من جماعة حزبه – التصرف بتلك الأراضي لجهة الموافقة على استحداث مناجم، وشق طرقات وسوى ذلك.

بالرغم من إحتواء تلك الأراضي على مواقع طبيعية، وآثار للشعب الهندي جديرة بأن تبقى مشمولة بالحماية الفيدرالية.

الصحافة

وبغض النظر عن التباين في وجهات النظر من قبل الصحافة الأميركية، حيال هذا القرار:

«لوس انجلوس تايمز»

 صحيفة «لوس انجلوس تايمز» عنونت افتتاحيتها صباح 4/12 بالتالي «لنحافظ على الكنوز الوطنية» رافضة هذا القرار.

«وال ستريت»

نجد بالمقابل جريدة «وال ستريت» النيويوركية في اليوم التالي تؤيد القرار عينه، من خلال افتتاحيتها بعنوان «وجوب إعادة الأرض إلى أصحابها».

نود ان نحيط القارىء العزيز، علماً بأن مثل هذا القرار الذي طال مساحة تساوي مساحة لبنان بكامله، سيؤدي إلى تدمير كل ما في داخل تلك المحميتين من مواقع طبيعية وآثار هندية وذلك خدمة لجشع رأس المال الأميركي، الذي يُعتبر الرئيس «ترامب» من كبار رجالاته.

والمجتمع المدني تحرك

والقضية حرّكت المجتمع المدني ليس في ولاية «يوتا» بل في كل الولايات الأميركية لا سيما جماعات الخضر والحفاظ على البيئة.

وستقام دعاوى أمام المحاكم الأميركية لإبطال هذا القرار، الذي جاء خلافاً للأصول القانونية – وفق رجال القانون في أميركا – كون قانون 1906 أجاز للرئيس الأميركي اتخاذ أي قرار يراه مناسباً لتحقيق أهداف هذا القانون لجهة الحفاظ على الثروة الطبيعية والتراث الوطني، من خلال استحداث محميات طبيعية، وحصر حق التعديل  – بما جاء في هذا القانون – بالكونغرس فقط، مما يعني ان قرار «ترامب» وفق هذا الرأي الفقهي، قابل للإسقاط.

المحميتان المهددتان بالزوال

وبالتالي منع المساس بتلك المحميتين:

– « Bears Ears».

– و«Indians Creek».

الواقعتين في جنوب ولاية «يوتا».

كونه لا يحق له وفق القانون 1906 نقض ما قرره سلفاه منذ عام 1995 و2006.

حق للهنود الحمر

لأنه من حق شعب الهنود الحمر، الذي هو الأساس في أميركا الشمالية (الولايات المتحدة الأميركية وكندا) أن يُحافظ على تراثه وآثاره وعلى المحميات الطبيعية التي كان يعيش فيها منذ أكثر من ألف عام.

نعم هذه هي حقيقة الرئيس «ترامب» الذي لا يردعه أي إعتبار من تحقيق أهدافه وغاياته المالية.

فإذا كان تصرف هكذا في الداخل الأميركي، فهل يعود من عتب عليه عندما يتصرف مع الخارج بنفس الأسلوب ومن دون أي اعتبار للحقوق وللقانون وللقيم في نظام قانوني وسياسي، يُعطي الرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة، وأن يُقرّر وحده ما يريد من تلقاء نفسه غير آبه بمن حوله.

وهل من يسأل عن تراث الهنود الحمر وضرورة المحميات الطبيعية، إزاء جشع المتمولين التواقين إلى الاستثمار في تلك المنطقة الغنية بالثروات، هذا في الداخل، أما في الخارج فحدّث ولا حرج، وخير دليل التداعيات الدولية المتعلقة بقراره حول القدس!!!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.