صاحب المبدأ لا يكون إمَّعة يلهث وراء كل ناعق
من الطبيعي أن تكون لكل إنسان ميزته الخاصة الشخصية وإثبات وجوده بعقله، برأيه وتفكيره، لا يسمح لأحد ان يفكر عنه أو يتكلم باسمه مهما علا شأنه وعظم شنآنه وبلغ مركزاً مرموقاً اجتماعياً أو سياسياً، ولا تكتمل رجولته إلاّ بتلك المميزات المسلمات التي لها أبعادها على كل الصعد.
صفات، من يتصف بها لا تعصف به ريح ولا يُحطمه موج، هو كالطود العظيم أمام الزوابع والعواصف، ثابتٌ أمام الفتن والمتغيرات يرتقي في درجات السمو من ثبات إلى ثبات مهما ادلهمت الخطوب، لا يستهويه شيطان من الإنس أو الجن ولا يلهث وراء كل ناعق، سالكاً طريق الحق والهدى وان قلَّ سالكوه.
نأتِ الرجولة عن الإمعة لذلك حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تكونوا إمَّعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس ان تُحسنوا وان أساؤوا فلا تظلموا».
فالإمعة مذبذب في مواقفه لا يثبت على مبدأ فتراه اليوم مع فلان وغداً مع آخر، يصدق فيه قول الله جل جلاله:
– {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}.
يُظهر خلاف ما يُبطن، {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ}.
وتلك صفات المنافقين الذين عناهم الله العظيم بقوله: {هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}.
قال «ابن قُتيبة» رحمه الله: «والناس أسراب طيرٍ يتبع بعضها بعضا، ولو ظهر لهم من يدَّعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله خاتم الأنبياء، أو من يدِّعي الربوبية لوجد على ذلك اتباعاً وأشياعاً».!!!
ان «التقليد الأعمى» ووصف «الإمعة» وجهان لعملة واحدة.
وإذا دبت هذه الأوصاف في مجتمع قوَّضت بناءه وأضعفت وجوده وأبقته ذليلاً منبوذاً بين سائر المجتمعات.
في لبنان كثير من أولئك الذين يستحون من انتمائهم إلى لبنان ويفضلون «الإمّعية» فينساقون وراء المجهول في ساحات التقليد الأعمى وقد استهواهم بريق الشعارات وتزويق الدعايات (الإدعاءات) ومعسول الكلم فضلوا وأضلوا وفسدوا وأفسدوا:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ}.
ورب قائل يقول: هل أحوال المجتمع اللبناني تستدعي الحديث عن الإمعة؟؟
الجواب: نعم،
إن أصحاب هذه الصفة المرذولة اتخذوا الباطل مذهباً والإمعيَّة منهجاً، ولهم في الشر قدم، فالحذر منهم واجب وهم كُثر، وقد يكون منهم من هو في مراكز حساسة؟
وقد أشار الحديث الشريف لذلك فقال عليه السلام:
«إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، ساعة هلاكها وخرابها، وهذا ما يحصل في هكذا حال.
فيختلط الحابل بالنابل، وتعم الفوضى في البلاد ويصبح الخائن مؤتمن، والأمين خائن، والكاذب صادق، والصادق كاذب وتنطق الرويبضة (الرجل التافه يتحدث بأمر العامة وشؤونها).
إن من أعظم ما يقاوم المرء به صفة الإمعة، ان يكون ذا ثقة بنفسه وذا عزيمة لا يشتتها تردد ولا إستحياء فمن كان من أصحاب الرأي والمبدأ فليكن ذا عزيمة فإن فساد الأمر التردد.
ولا يخلو لبنان من أصحاب العزائم ومواقف العز الذين يُنتظر منهم العمل لعودة لبنان إلى دولة القانون والمؤسسات وسيكون هذا بإذن الله عاجلاً أو آجلاً ويومئذ يفرح اللبنانيون، وسيُهزم وقتئذ المبطلون الذين يكيدون للبنان ويتآمرون على كيانه وإن ذلك لكائن إن عاجلاً وآجلاً.