طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

… وطاف نهر «أبو علي» مجدداً… فيضان 2018 يعيد الذكريات المشؤومة لعام 1995 وما بعدها من إزالة متعمدة لأكثر من 20 معلماً وموقعاً أثرياً بحجة «مشروع النهر»

المشهد صباح الاحد 18 شباط 2018

لم يكن طوفان نهر «أبو علي» الأخير في طرابلس الأول من نوعه، فقد ورد في كتاب – بحث «مجتمع النهر في طرابلس» للزميل الراحل طلال منجد أن النهر طاف مرات عديدة ما بين العامين 1344 و1955، وأدت تلك الفياضانات إلى خراب وقتل وتشريد.

فيضان 15/12/1955

وما تزال الذاكرة الطرابلسية تحفظ ما حل في 15/12/1955 من طوفان ذهب ضحيته:

ضحايا وأضرار وخسائر

– عشرات القتلى من الرجال والنساء والأطفال،

– ودخلت المياه «التكية المولوية»،

– وحرم «الجامع البرطاسي»،

– والمحلات القريبة منها،

– و«البيمارستان» القائم أمامه، و«المدرسة التبركية» و«قناطر غانم» (باكية)،

– وفي محلة «باب الحديد» هدمت قسماً من «جسر السويقة» و«جسر اللحامين»،

– كما غمرت المياه «جامع التوبة» «ومسجد الدباغين».

– والمدارس القريبة من المسلخ،

– وجميع البيوت والمحلات الواقعة على جانبي النهر،

وتدفقت مياه الفيضان في طرقات المدينة القديمة وأسواقها حتى وصلت إلى ساحة النجمة وشارع الكنائس والزاهرية،

وجرفت معها كثيراً من جثث الضحايا وأثاث البيوت والحاجيات في المحلات.

… وفيضان 2018

– صحيح ان الفيضان الذي وقع هذه السنة (18 شباط 2018) لم يكن بحجم الفياضانات السابقة ولم يؤدِ إلى خسائر بشرية واقتصرت أضراره على الماديات والحمد لله.

– إلاّ انه أحيا لدى الطرابلسيين ذكريات فيضان 1955 وما نتج عنه من كوارث استغلت من قبل السلطة في ذلك الحين لتحويل مجرى النهر داخل المدينة (3 كلم) إلى مجرور باطوني ضخم أدى إلى إزالة أكثر من عشرين مبنى ومِعْلَماً تاريخياً وأثرياً.

مساجد ومدارس وآثار دمروها بحجة «تقويم مجرى النهر»

ومن هذه المعالم والمباني الهامة تاريخاً وآثاراً:

– «مسجد الدباغين»،

– و«المدرسة الزريقية» (وهي من أقدم مدارس طرابلس المملوكية).

– و«زاوية الأمير سيف الدين ترتاي السيفي».

– و«مسجد الوتار» بالدباغة.

– و«مدرسة سبط العطار»،

– و«مدرسة النسر بن عنجور»، و«البيمارستان العربي»،

– و«حمام الحاجب»،

– و«حمام العطار» بالملاحة،

– و«حمام النزهة» أسفل «جسر اللحامين»،

– و«خان المنزل» المعروف بـ «قصر البرنس» إقتلعت المديرية العامة للآثار واجهته الشرقية بعد ترقيم حجارتها ووضعها في القلعة، على أن تُعيد بناءها من جديد بعد إنتهاء «مشروع النهر»».

الشيء الذي لم يتم طبعاً حتى الان.

 

اللوزي متحدثاً الى الزميل النمل عن طوفان 1955

شاهد على «طوفان» 2018 … والبلدية تغلق جسر الشلفة

– حسام تقلا من سكان «تلة الرويسة» روى ما  جرى عندما طاف النهر في 18 شباط 2018 قائلاً: «في ساعات الصباح الأولى من يوم الأحد، وبعد أن استيقظنا صباحاً وجدنا أن الفيضان أدى إلى وقوع أضرار، ومنها تشقق الجسر الرابط منطقة أبي سمراء بمنطقة مجدليا، علماً ان هذا الجسر كان متصدعاً، لذلك سرعان ما تأثر من قوة إندفاع المياه التي طافت. وهناك أضرار أخرى منها ما أصاب بساتين الحمضيات الموجودة على ضفتي النهر، وهناك سيارة غرقت في المياه، لعدة ساعات وإحتجز صاحبها الذي كان يقودها. ولم يكن من السهل انقاذه ولكن العناية الإلهية ساعدته، وبعد اتصالات من المواطنين حضر إلى المكان الدفاع المدني، الذي أنقذه بصعوبة. وبعد طوفان النهر لم يعد أحد يستطيع العبور إلى المنطقة هناك».

 

منزل اللوزي الذي تضرر في طوفان 1955

البلدية

رئيس بلدية طرابلس المهندس أحمد قمرالدين يرافقه رئيس «لجنة الهندسة» في المجلس البلدي جميل جبلاوي، رئيس «لجنة البيئة والحدائق» نور الأيوبي، عضو المجلس أحمد المرج، رئيسة «مصلحة الهندسة» عزة فتفت تفقدوا الأعمال الجارية على «جسر الشلفة» الذي يربط أبي سمراء في طرابلس بقضاء زغرتا، والمهدد بالانهيار  بسبب السيول التي غمرته وأحدثت فيه تشققات أثناء العاصفة التي ضربت الشمال وكل لبنان.

قمرالدين أكد «ان فرق الهندسة في  البلدية طالبت باقفال الجسر بعد الكشف على منشآته حفاظاً على سلامة المواطنين، ولكن هذا الجسر هو شريان حيوي للمدينة، وإقفاله انعكس سلباً على الطرقات والشوارع الرئيسية والفرعية في طرابلس وجوارها، وسبب زحمة سير خانقة لم نشهدها أبداً، خاصة في منطقة أبي سمراء، لذا أعطينا الأوامر للمتعهد للبدء بترميم الجسر بشكل سريع حتى نتمكن من فتحه أمام السيارات، وسنعمد مرغمين إلى منع الشاحنات من المرور عليه حفاظاً على سلامة السائقين، ونعد المواطنين ان الجسر سيفتح أمامهم خلال الساعات».

أضاف: «هناك احتمال بسقوط الجسر لأن بعض أعمدته متصدعة ولا يمكن ان يحمل أوزاناً كبيرة، والتصدعات بادية بشكل واضح على أعمدته، وعلى الوزارات المعنية و«مجلس الإنماء والإعمار» القيام بواجبها، وايجاد البديل سريعاً قبل فوات الآوان».

أحمد سعيد اللوزي شاهداً على طوفان 1955

بعد فيضان نهر «أبو علي» يوم الأحد 18 شباط في طرابلس، سألت «التمدن» أحد الذين عايشوا طوفان 1955: أحمد سعيد اللوزي (مواليد 1932 – الرمانة سكان السويقة).

جار النهر منذ ولادته حتى اليوم حيث يقطن المنزل الذي ورثه عن جده هناك، وهو شاهد عيان على فيضان النهر عام 1955 حيث روى لنا الحادثة.

حاولت والدتي منعي من الخروج

وقال: «كانت جدتي ووالدتي مساء يوم الخميس 15 كانون أول من عام 1955 تُحَضِّران «ورق العنب»، وقد شاهدتني والدتي أرتدي ملابسي مستعداً للخروج من المنزل، فحاولت منعي قائلة لا تذهب إلى الخارج لأن الجو عاصف وماطر، ولكنني ذهبت.

الأمطار كالشلالات

– وبعد أن قطعت من ضفة منزلنا إلى الضفة الأخرى بجانب «جامع البرطاسي»، وجدت أن مياه النهر بدأت ترتفع وتفيض تدريجياً.

– بعد قليل، وكنت واقفاً في محلة «باب الحديد»، بدأت الأمطار تتساقط بغزارة كالشلالات حتى علت المياه، وأصبحت معه لا أستطيع العودة إلى المنزل، فالطوفان فصل بين الضفتين وسقط الجسر المؤدي إلى منزلنا، وظن الجميع أنني غرقت في النهر».

بعد الطوفان

أضاف: «بقدرة قادر إستطاع أهلي إخلاء المنزل وخرجوا أحياء من «عقبة الشرمند» إلى «عقبة الحمراوي»».

وعن المنطقة بعد الطوفان قال:

«بعد الطوفان أصبحت المنطقة كالصحراء، ليس بالرمال، ولكن بالأتربة والردميات من منطقة الجسر إلى التبانة والزاهرية، حتى وصلت المياه إلى منطقة التل وسوق البازركان».

شمعون وكرامي والرافعي: الأضرار جسيمة

تابع الشاهد العيان أحمد سعيد اللوزي:

«وقد حضر الرئيسان كميل شمعون (رئيس الجمهورية) ورشيد كرامي (رئيس الوزراء) وحكيم طرابلس د. عبدالمجيد الرافعي الذي قدم ما يستطيعه، في حينه، من إنقاذ وإسعاف ومساعدات».

إنتهى اللقاء مع الشاهد الحي أحمد سعيد اللوزي.

*****

– والجدير ذكره أن الأضرار الجسيمة دعت – حسب الرؤساء – إلى تقرير «إعادة إعمار المنطقة مما أدى إلى ما ادى إليه من خسائر لآثار ومعالم تاريخية.

وفي كل الأحوال فإن فيضان النهر هذا العام 2018 كان خفيفاً جداً، ولا يُذكر، قياساً بما حصل عام 1955، وما قبله.

– ولكن الحذر واجب، وعلى أي مسؤول أن يقوم بواجبه لحماية الناس والممتلكات – قبل وقوع أية مصيبة – من أي خطر محتمل والإستعداد لأي حدث قدر الإمكان».

Loading...