هل ابتعد لبنان عن شبح الافلاس اليوناني؟

يوم الاثنين الماضي، في 12 آذار، أقر مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2018 وملحقاتها. وبعد الجلسة التي استمرت ثلاث ساعات، عقد رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير المال علي حسن خليل مؤتمراً صحافياً مشتركاً، استهله الحريري بالقول: «هذه الموازنة فيها إصلاح وحوافز لكل القطاعات وكل الوزارات التزمت بالتعميم الذي وزعناه قبل شهر أو شهرين بتخفيض موازناتها، وتمكنا من أن نوفر عما كانت بعض الوزارات قد وضعته، كما تمكنا من الوصول إلى الأرقام نفسها التي كانت في موازنة عام 2017، والعجز الموجود فيها مقبول».
وفي حوار مع الصحافيين سئل الحريري: «إلى أي مدى هناك توافق واتفاق على محاربة الفساد، خصوصا أن هناك من يحذر من أن يصبح لبنان يونان ثانية؟»، فأجاب: «نحن اليوم بهذه الموازنة ابتعدنا عن أزمة اليونان وحافظنا على لبنان. وبهذه الموازنة ومع الاصلاحات التي سنقوم بها بالمستقبل نكون نبتعد أكثر فأكثر، ولكن لو كنا استمررنا بالصرف لكنا سبقنا اليونان، فما أنجزناه اليوم أننا ابتعدنا عن اليونان، ويجب ان يكون هناك المزيد من الإصلاحات، وأنا لست خائفا».
من جهته، قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إن هناك نقاط قوة لدى الاقتصاد الوطني، منتقداً «تشبيه الاقتصاد اللبناني بالاقتصاد اليوناني، فاليونان لم يكن لديها قطاع مصرفي قوي وقطاع خاص حيوي واحتياطات كبيرة بالعملات الاجنبية»، محذرا من أنه من شأن «ضخ هذه الاخبار التي تثير الرعب في نفوس الناس أن تؤثر سلباً على المناخ العام، لا سيما الاسواق والاستثمارات والفوائد».
وعلى رغم الصعوبات التي يمر بها لبنان اقتصادياً ومالياً، الا ان سلامة طمأن ان الامور «لا تزال تحت السيطرة، كما اننا امام مؤتمرات دولية نأمل في نجاحها لانها ستساعد لبنان في العودة الى طريق النهوض».
واعتبر انه «في حال تم اكتشاف النفط والغاز في العام المقبل فان ذلك سيغير الواقع جذرياً، وحتى قبل حصول التدفقات النقدية»..
وإذ دعا الى دور اكبر للقطاع الخاص وتصغير حجم القطاع العام بغية زيادة النمو وتوفير فرص عمل، لفت الى ان «الجو العام حالياً لا يشجع على الاستهلاك والاستثمار، وعلينا جميعاً المساهمة لاعادة الاجواء الى وضعها الطبيعي».
بعد اقرار موازنة 2018 في مجلس الوزراء قال وزير المال علي حسن خليل: «لم تقر أي ضريبة جديدة من ضمن هذه الموازنة. وليس هناك أي رسم جديد إضافي يشكل عبئا على أي من الطبقات. على العكس، نحن أقررنا سلسلة من المواد التي تلامس بشكل مباشر مصالح الناس والطبقات الوسطى وما دون، وهنا أخذنا الوضع الاجتماعي والاقتصادي، حيث رفعنا تنزيل سكن المالك من 6 إلى 20 مليون ليرة لبنانية، ضاعفنا القيم التي تخضع للضريبة التصاعدية، خفضنا الرسم العقاري بنسبة معينة عن المبالغ التي لا تزيد عن 250 ألف دولار لكي تستفيد الطبقات المحدودة الدخل. أخذنا في الاعتبار عائلات الشهداء والأجهزة الأمنية وتضحياتهم في ما يتعلق بكل ما يتصل بالخدمات الخاصة بهم».
وتابع: «أقررنا بندا مهما حول تحفيز استخدام لبنانيين في المؤسسات من خلال إعفائهم من رسوم الضمان وتحمل الدولة لهذه الرسوم لمدة سنتين. اقترحنا حل مشكلة الكثير من المكلفين العالقة بالدوائر الضريبية من جهة أو أمام لجان الاعتراضات وتصحيح المعلومات وتحديثها بالطريقة التي تسمح لوزارة المال مستقبلا بأن تجري رقابتها بشكل أفضل. كما أن الحكومة ألزمت نفسها في مادة بقانون الموازنة بالعمل على ترشيق القطاع العام وإقفال وتسوية أوضاع المؤسسات العامة التي لم يعد لها دور. لدينا 84 مؤسسة عامة، قد آن الأوان لإعادة النظر بها. هناك بعض هذه المؤسسات التي نستطيع الاستغناء عنها، وهناك مؤسسات نستطيع دمجها بمؤسسات أخرى أو إدارات عامة أخرى، وهنا مع الحفاظ دائما على مصالح وحقوق الموظفين، ولا أحد يلتبس عليه هذا الموضوع.
كما أقررنا مادة في الموازنة أثارت نقاشا دائما في المجلس، وهي كلفة الإيجارات التي تدفعها الدولة على الأبنية التي تستخدمها، فهذا الأمر كان يكلفنا الكثير، ولكن بحساب بسيط أجريناه، تبين أننا نستطيع بقيمة إيجار خمس سنوات أن نبني أبنية تستوعب كل الوزارات والإدارات التي تحتاج إليها الدولة، تحديدا في بيروت وفي بيروت الكبرى. كما أقررنا مشروع قانون لبناء إدارات رسمية وضمناه فقرة تسمح باعتماد الإيجار التملكي أو الاستفادة من القطاع الخاص بهذا الموضوع، إن كان عبر مصارف أو شركات عقارية تستطيع أن تبني هي، ونحن ندفع لها ما يشبه الإيجار التملكي بصيغة نتفق عليها في وقت لاحق».
وأردف: «الأساس هنا أننا متجهون نحو إصلاحات حقيقية. نعرف أننا لا نستطيع أن نقوم بكل شيء في الوقت نفسه، لكن الأهم هو أن نضع أنفسنا على الطريق الصحيح. وهذا ما جعلنا، عند نقاش أرقام الموازنة في جلسات اللجنة، أن نقارب الموضوع بكثير من المسؤولية. حكي عن سقف لنا كحكومة وكدولة يجب أن نعتمده، وهو أن لا يتجاوز العجز المقدر أو المحقق ما كان عليه في العام الماضي. وهذا كان تحديا كبيرا جدا أمامنا وهو يستوجب، إما تخفيض نفقات وإما زيادة واردات أو تكبير حجم الاقتصاد. نحن عملنا على النقاط الثلاث، عملنا على خفض النفقات وزيادة الواردات وإجراءات ممكن أن تدفع الاقتصاد إلى الأمام، ولو بشكل نسبي، خصوصا أننا على أبواب مؤتمرات يمكن ويجب أن تساعد في تحريك عجلة اقتصادنا من خلال ضخ أموال في مشاريع التنمية والبنى التحتية. وكلنا نعرف أنه كلما نصرف أكثر بكلفة مقبولة وفوائد قليلة، كلما تحركت عجلة الاقتصاد وأدى ذلك بطريقة أو بأخرى إلى زيادة نسبة النمو. هذا تحد أمامنا قد لا نتحدث عنه الآن لكن إذا أقررنا هذه الموازنة وسارت الأمور كما هو متوقع مع مجموعة الإصلاحات التي ركزنا عليها كثيرا ونسقنا فيها مع مؤسسات دولية، أعتقد أنه يمكن أن تكون لدينا فرصة في نهاية عام 2018 لتحقيق نسبة نمو تتجاوز حتى ما توقعناه أي تتجاوز ال2٪ وتصل إلى 5،2 و3٪، وإن شاء الله تصبح أكثر مع نهاية العام».
وقال: «ما نستطيع قوله عن الأرقام، أن مجموع الموازنة العامة لهذه السنة هو 23 ألفا و854 مليارا و271 مليونا و623 ألف ليرة، نزيد عليها، وحتى لا يحصل أي التباس، أرقام السلفة التي تعطى لؤسسة كهرباء لبنان لتغطية عجزها والتي هي 2100 مليار، وهي داخلة بمادة قانونية ولم تهرب، كما استخدم بعض الأعلام هذا التعبير، بل أدرجت بالموازنة. وبذلك، يصبح العجز 7267 ألف مليار و402 مليون و623 ألف ليرة. والمهم بالنسبة إلينا، أن هذا الرقم أقل من عجز السنة الماضية بحوالى 220 مليار ليرة لبنانية، بما فيه عجز الكهرباء. أي أننا قمنا بخطوة جدا أساسية في هذا الموضوع».
أضاف: «قد يشير البعض إلى أننا أعدنا هندسة أرقام الموازنة، وهذا يمكن أن يكون جزءا من التخفيضات، وهو كذلك، لكن الجزء الأهم أننا على أبواب إجراء عملية هندسة من خلال إصداراتنا بالعملات الأجنبية تسمح لنا بإصدار سندات بعملات لبنانية، بالتنسيق مع البنك المركزي بفوائد محدودة جدا، أحدثت وفرا لدينا في كلفة خدمة الدين العام، الذي يبقى التحدي الأكبر، وكما تحدثنا قبلا، أننا ندفع من موازنتنا 2،83٪ خدمة دين عام، أي أننا بحاجة لإعادة النظر في إدارة هذا الدين، وإحدى هذه الخطوات التي أقدمنا عليها بهذه الموازنة والتي ستؤدي إلى تخفيض كلفة الدين على مدى الإصدار الذي سنقوم به الشهر المقبل، تصل إلى حوالى 2200 مليار في نهاية هذا الإصدار. تبدأ 222 مليار ليرة لكنها ترتفع تصاعدا مع السنوات المقبلة، هذا إن لم نقم بخطوات أخرى على هذا الصعيد».
وتابع: «أتمنى بالإجراءات الموجودة في هذه الموازنة أن نحقق فائضا أوليا، فهذا أمر مهم للغاية. ففي السنوات الماضية، حققنا فائضا أوليا، أي إذا أزلنا كلفة خدمة الدين، فإن ذلك يعني أن وارداتنا تفيض عن نفقاتنا، ويكون ذلك بشكل أو بآخر مؤشرا إيجابيا جدا. الأهم اليوم أننا نتحدث عن نسبة عجز بالنسبة إلى ديننا العام لا تتجاوز 53.8٪، وهو رقم مهم جدا، إذا طبقنا الموازنة. ونحن إن شاء الله ذاهبون إلى مجلس النواب لإقرارها وتطبيقها كما يجب. ويكون العجز انخفض قليلا لأن الناتج القومي قد ارتفع قليلا بين الـ17 والـ18، وخفِّض عجز الموازنة، وهذا سيسمح بالتأكيد بتخفيض نسبة العجز إلى الناتج. هذا الرقم مهم جدا، ليس فقط بالنسبة إلينا، بل أيضا بالنسبة إلى امؤسسات الدولية والجهات المانحة ومؤسسات التصنيف. كل ما نقوله هو إشارة إلى أن بلدنا، إذا نعم بالاستقرار السياسي، وإذا كان هناك تعاون داخل مجلس الوزراء وبين السلطات، نستطيع أن نصل إلى إجراءات نوعية تعيد الثقة بالبلد محليا وعلى مستوى العالم».
أزمة اليونان
يُعرف مفهوم الأزمة الاقتصادية، بأنه التأثير الذي يؤدي إلى إصابة اقتصاد دولة ما، بنوع من الكسل، أو عدم القدرة على النهوض، أو مواكبة السياسات النقدية العالمية، مما يؤدي إلى تعطل الحياة الاقتصادية، وفي حال عدم وجود علاج ناجح لهذه الأزمة، سينتج عنها إعلان إفلاس الحكومة، وعدم قدرتها على دفع كافة المصاريف المترتبة عليها، أو طباعة، وإصدار عملات جديدة.
والأزمة الاقتصادية في اليونان هي التأثيرات السلبية التي انعكست على الحكومة اليونانية، بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، وما سبقتها من أزمات أخرى، وذلك لعدم قدرتها على سداد الديون المترتبة عليها، نتيجة لتراكم القروض التي حصلت عليها من الدول الأوروبية، وهكذا استمرت اليونان بإعلان إفلاسها، لعجزها عن دفع القيمة المالية لديونها، التي تزداد قيمتها مع مرور الوقت.
توجد مجموعة من الأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية في اليونان، وهي:
– حماس اليونان للانضمام إلى دول اليورو، بسبب الامتيازات المالية، والاقتصادية، التي حصلت عليها هذه الدول، مما دفع المسؤولون فيها للتوقيع على العديد من الاتفاقيات، التي تلحق الضرر بالدولة، والشعب.
– استبدلت اليونان عملتها القديمة (الدراخما)، باليورو بعد انضمامها إلى دول اليورو، مما أدى إلى حاجتها لضخ كميات كبيرة من العملة الجديدة، مع التكلفة المترتبة على إزالة العملة القديمة من التداول.
– انتشار الفساد في الحكومات اليونانية، بسبب ظهور ظاهرة الرشوة، التي اعتمدت عليها المعاملات حتى تسير بسهولة.
– التأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية، والتي أثرت على أغلب دول العالم، وأدت إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع، والخدمات.
– ارتفاع السعر العالمي للبترول، والذي أثر على العديد من المصانع، ووسائل النقل، وغيرها من القطاعات التي تعتمد على مشتقات البترول.
ظهرت العديد من النتائج عن الأزمة الاقتصادية في اليونان، ومنها:
– التأثير على القطاع الخاص، فصارت أغلب الشركات تبدي تخوفاً من العمل في السوق اليونانية.
– ارتفاع الأسعار بشكل كبير.
– عدم القدرة على صرف الرواتب للموظفين، والعاملين في القطاعات التي تتبع للحكومة اليونانية.
– عدم موافقة معظم حكومات دول اليورو على حزمة المساعدات التي طلبتها اليونان.
– خروج اليونان من تحالف دول اليورو، مما أدى إلى ضرب اقتصادها بشكل كبير.
اقترحت دول الاتحاد الأوروبي على الحكومة اليونانية، للمساهمة في الوصول لحل لأزمتها الاقتصادية، مجموعة من الحلول، ومنها:
-إ قالة أكثر من مئة ألف موظف في القطاع العام من عملهم.
– تخفيض الرواتب الأساسية، والتقاعدية.
– زيادة الضرائب على المواطنين.
– الاعتماد على الاندماج بين المؤسسات الحكومية.