طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

من فيليب تقلا الى رياض سلامة

في العام 2014 صدر عن مؤسسة دراسات ومؤشرات كتاب «مصرف لبنان- خمسون عاما من فيليب تقلا الى رياض سلامة»، تحدث عن مصارف لبنان من العصر العثماني الى العهود الاستقلالية وإنشاء البنوك المركزية ومنها مصرف لبنان وحكام مصرف لبنان من العام 1964 الى العام 1993 تاريخ تولي الحاكم الحالي رياض سلامة المنصب.

وفي هذا الاطار يقول صاحب المؤسسة ابراهيم عواضة في مقدمته «لماذا كتاب مصرف لبنان؟»:

شكل مصرف لبنان منذ انطلاقته في العام 1963 وحتى بدايات الحرب اللبنانية في العام 1976 مؤسسة نقدية وطنية جامعة مارست الدور الذي رسم لها بمسؤولية، ساعدها في ذلك استتباب الاوضاع السياسية والامنية وفترة الانتعاش الاقتصادي التي عرفها لبنان في الستينات ومنتصف السبعينات، ومع اندلاع الحرب اللبنانية وانفجار الوضع الامني وانقسام البلاد تدهور الوضع الاقتصادي والمالي بشكل دراماتيكي وواجه مصرف لبنان الكثير من الصعوبات والمشاكل على مستوى السلطة والمسؤولية وعلى مستوى الممارسات الى ان تزعزع وضع القطاع المصرفي وتدهورالوضع النقدي بشكل مثير وغير مسبوق.

ومع انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف مطلع التسعينات بدأت مرحلة جديدة ومثيرة في تاريخ مؤسسة مصرف لبنان، مرحلة فرضت على المصرف مسؤولية معالجة كل السلبيات التي لحقت بالقطاع المصرفي والمالي، والنقد الوطني من جراء الحرب لذا كان على المصرف مهمة صعبة ومعقدة تستدعي سياسات وهندسات مالية ونقدية استثنائية خارجة عن تلك السياسات التي عرفها في زمن الازدهار كما في زمن الحرب.

وكان من حظ لبنان وحظ مصرف لبنان، ان تسند حاكمية المصرف في مسيرته الجديدة وتحديدا في العام 1993 الى شخصية استثنائية لظروف استثنائية هو الاستاذ رياض سلامه القادم من عالم المال والاعمال الواسع في الولايات المتحدة الاميركية وفي اوروبا.

ومع ولاية الاستاذ سلامه المستمرة حتى تاريخه اربع ولايات متتالية بدأ عصر جديد في مسيرة وتاريخ مؤسسة مصرف لبنان، مرحلة تستحق ان يؤرخ لها لما حملته من مفاهيم ومن هندسات ومن تجارب مالية ومصرفية ونقدية متميزة وناجحة ساهمت في اعادة بناء القطاع المصرفي اللبناني وفي استقرار النقد اضافة الى دعم الاقتصاد والمالية في احلك الظروف.

ومن هنا يأتي هذا الكتاب «مصرف لبنان من فيليب تقلا الى رياض سلامة»، ليؤرخ لمسيرة طويلة حافلة بالاخفاقات وبالنجاحات في آن معاً لمؤسسة وطنية كبرى (مؤسسة مصرف لبنان) ساهمت في السنوات العشرين الماضية وفي ظروف سياسية وامنية واقتصادية صعبة في حماية النقد الوطني والقطاع المالي والمصرفي ووفرت الدعم للاقتصاد وللمالية العامة، ان الكتاب هو عربون وفاء وتقدير لمؤسسة مصرف لبنان وحكام المصرف الذين تسلموا مركز القرار بشكل عام، وعربون تقدير للحاكم الحالي الاستاذ رياض سلامه باني المؤسسة الجديدة وباني فلسفة وجودها وصاحب الهندسات المالية المبتكرة التي حمت لبنان خلال عقدين من الزمن ومن السقوط المالي والنقدي والاقتصادي ومن سقوط الدولة من خلال محافظة مصرف لبنان على وحدة النقد والاقتصاد والبلاد.

تم تأسيس مصرف لبنان بقانون النقد والتسليف الصادر في اول آب 1963 بموجب المرسوم رقم 13513، لكنه بدأ العمل بشكل فعال في اول نيسان 1964.

تناوب على حاكمية المصرف منذ انطلاقته حتى مطلع آب 1993 كل من فيليب تقلا، الياس سركيس، ميشال الخوري وادمون نعيم. بالنسبة لتقلا حصلت خلال توليه الحاكمية ازمة بنك انترا التي شكلت نقطة سوداء في تاريخ العمل المصرفي اللبناني، اما بالنسبة للياس سركيس فقد تولى الحاكمية في العام 1968 حيث اطلق عليه عارفوه «الصامت الاكبر الثاني» بعد الرئيس فؤاد شهاب، وقد شهد عهده موجة مساهمات في مصارف اجنبية في بعض المصارف اللبنانية، كما شهد استقرار عدد المصارف العاملة في البلاد بعد تنقية العمل المصرفي بموجب احكام القانون الرقم 28ـ 67. وتثبيت تقييد المؤسسات المصرفية بالنظم المهنية في ظل رقابة لجنة الرقابة على المصارف، ما ساهم في بروز بيروت تدريجياً كمركز مالي ومصرفي اقليمي واعد.

في عهد سركيس تم انشاء لجنة الرقابة على المصارف، الهيئة العليا المصرفية، المؤسسة الوطنية لضمان الودائع، تنقية القطاع المصرفي وآلية وضع اليد، فتح باب الاندماج بين المصارف وتصفيتها ذاتياً.

بالنسبة لميشال الخوري فقد بدأ عهده في العام 1978 حتى العام 1985 واعيد اختياره في العام 1991 حتى آب 1993. ولعل اقسى ما واجهه مصرف لبنان في ظل ميشال الخوري هو بدء مرحلة التدهور على كل المستويات السياسية والامنية والاقتصادية بدءاً من الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 وانتهاء باغتيال رئيس الحكومة آنذاك رشيد كرامي.

ادى هذا التردي الى تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية من 49،5 ليرة للدولار الاميركي الى 455 ليرة في نهاية 1987 مترافقا مع تراجع كبير في ودائع المصارف وارتفاع نسبة الدولرة.

والمتتبع للاحداث يدرك ان الولاية الثانية لحاكمية ميشال الخوري كانت اصعب من الاولى: بداية ازمة التعثر المصرفي عند توقف بنك المشرق عن الدفع عام 1989 ثم راحت مصارف اخرى، وثانياً المضاربات ضد الليرة حيث وصل سعر الدولار الى 890 ليرة وتدنى الاحتياط الى 588 مليون دولار.

بالنسبة لادمون نعيم فقد عين حاكماً عام 1985 وكانت من اصعب الولايات واقساها ووصل الاحتياطي الى 233 مليون دولار.

في آب 1993 دخل رياض سلامة مصرف لبنان حيث شكل منعطفاً تاريخياً يبنى عليه للحاضر والمستقبل. وارتفعت الاحتياطات من 4،1 مليار دولار عام 1992 الى اكثر من 36 مليار دولار اليوم وارتفاع الودائع المصرفية من 6،6 مليارات دولار الى نحو 127 مليار دولار وارتفاع الموجودات الخارجية للمصارف من 4،1 مليار دولار الى 8،36 مليار دولار وتجاوزت الميزانية المجمعة للمصارف 152 مليار دولار. وقدم سلامة خلال فترة ولايته المستمرة سياسات وهندسات مالية جديدة كان لها الاثر الايجابي في حماية النقد الوطني واستقرار الاسعار وفي بناء صرح مصرفي قوي وشفاف، كما كان لهذه السياسات دورها البارز في دعم الاقتصاد الوطني ورفده بكل الوسائل والسياسات التي ساهمت في تحفيز نسب النمو وتنشيط الاقتصاد، ومنع سقوط قطاعات اساسية في زمن الازمات، فاستحق بذلك وعن جدارة كل هذا التكريم الذي اعطي له لبنانياً وعربياً ودولياً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.