طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

افتتاح قاعة سابا قيصر زريق الثقافية في مركز الدروس الجامعية في لبنان الشمالي – جامعة القديس يوسف

قص شريط الافتتاح

بدعوة مشتركة من البروفسور سليم دكّاش رئيس جامعة القديس يوسف والدكتور سابا قيصر زريق رئيس الهيئة الادارية  لمؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، تمّ افتتاح قاعة سابا قيصر زريق الثقافية في حرم مركز الدروس الجامعية في لبنان الشمالي – جامعة القديس يوسف.

حضر الحفل: محافظ الشمال القاضي رمزي نهرا، مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعّار، المطرانان جورج أبو جودة وادوار ضاهر والاب سمير ياكومي ممثلا المطران افرام كرياكوس، السيدة ندى ميقاتي قمر الدين ، ممثلة الرئيس نجيب ميقاتي، سامي رضا ممثلا وزير العمل محمد كبارة، النائب نضال طعمة، النائبان السابقين السيد ناجي البستاني والدكتور قيصر معوض، رئيس مجلس امناء جامعة العزم الدكتور عبد الاله ميقاتي، رئيسة المنطقة التربوية في الشمال السيدة نهلا الحاماتي، نقيب الاطباء في الشمال الدكتور عمر عيّاش، رئيس بلدة راسمسقا السيد سيمون نخول، رئيس اتحاد بلديات الكورة السيد كريم بو كريم، رئيسة اللجنة الوطنية للاونيسكو السيدة زهيدة درويش جبور، المدير العام السابق لوزارة الثقافة السيد فيصل طالب، رئيس المجلس الثقافي للبنان الشمالي السيد صفوح المنجد، رئيس جامعة سيدة اللويزة برسا الاب سمير غصوب، وعمداء كليات وفعاليات تربوية واجتماعية ونقباء سابقين ورجال دين وعدد كبير من رجال الفكر والطلاب.

استهل الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ونشيد الفيحاء (من مؤلفات شاعر الفيحاء سابا زريق).

ثم تناوب على الكلام:

1- السيدة فاديا علم الجميّل، مديرة مركز الدروس الجامعية في لبنان الشمالي – جامعة القديس يوسف.

2- الدكتور سابا قيصر زريق، رئيس الهيئة الادارية لمؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية.

3- كلمة الطلاب، ألقاها الطالب فادي ميقاتي.

4- البروفسور الأب سليم دكّاش، رئيس جامعة القديس يوسف.

بعد ذلك تمّ قص الشريط وزيارة القاعة. تلى ذلك حفل كوكتيل.

كلمة علم الجميّل

السيدة فاديا علم الجميّل،  مديرة مركز الدروس الجامعية في لبنان الشمالي – جامعة القديس يوسف، ألقت كلمة جاء فيها:

إن من يجمعنا اليوم هما البروفسور سليم دكاش اليسوعي، رئيس جامعة القديس يوسف، والدكتور سابا قيصر زريق، رئيس الهيئة الإدارية لمؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية. اضيف: إن ما يجمعنا هو إنفتاح الآباء اليسوعيين بشخص رئيس الجامعة اليسوعية الأب سليم دكاش، وعشق الدكتور سابا زريق للغة العربية.

سنة 1977، كانت الحرب اللبنانية في بداياتها مع قطع الطرقات والأوصال، وصعوبة التنقلات بين المناطق. فقرر رئيس الجامعة اليسوعية في حينها المغفور له الأب جان دوكريه ألا يحرم طلاب الشمال من جودة التعليم العالي الفرنكفوني، وافتتح فرع الشمال في كانون الثاني من سنة 1977، أي منذ 40 سنة. وكانت الجامعة اليسوعية اول جامعة خاصة في الشمال.

اليوم، وبعد 40 سنة، جاء الدكتور سابا قيصر زريق، حفيد شاعر الفيحاء وحامل اسمه، يذكرنا ان اوائل المستشرقين هم الآباء اليسوعيون، فقدم وجهز مكتبة متنوعة باللغة العربية.

«قاعة سابا قيصر زريق الثقافية» ليست قاعة ككل القاعات. إنها قاعة «تضج بالحياة»، تتنفس كلمات بلغتنا الام، تنبض شعراً، و تتغذى فلسفة وأدب بلغتنا الجميلة.

فمن هو الدكتور سابا قيصر زريق صاحب الاسم الذي سوف نرى طيفه كل يوم، كلما مررنا امام قاعته، والذي سيخلد اسمه في جامعة القديس يوسف؟

ولد في فيحائه سنة 1952، متأهل من السيدة أمية أبي صعب ولهما ثلاث بنات وسبعة أحفاد، أصرت البكر منهم على حضوراحتفالنا هذا ، فأهلا بآيا.

تلقى علومه حتى الثانوية منها في مدرسة الفرير في طرابلس ثم نال اجازتي الحقوق اللبنانية والفرنسية من كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين، نال من بعد ذلك دبلوم معهد القانون الدولي والتجاري الأجنبي في جامعة جورجتاون في واشنطن وماجيستير في القانون المقارن من كلية الحقوق في الجامعة نفسها. وتابع دورة مكثفة في الادارة المالية في معهد INSEAD   في فرنسا. ومؤخراً، في سنة 2011 نال شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة بانتيون – أساس (باريس 2) وجامعة القديس يوسف.

للدكتور زريق نتاج فكري غزير ومتنوع اذ له مؤلفات ومقالات ودراسات ومنشورات عديدة كما اشترك في ندوات ومحاضرات في لبنان والخارج. كتب في القانون وخاصة في قانون الشركات التجارية والشركات العائلية والحوكمة والمسؤولية المدنية والمسؤولية التعاقدية ونشرت مؤلفاته في كتب ومجلات حقوقية متخصصة في لبنان والخارج.

وله عشرات المقالات التي نشرت في الصحف اللبنانية، كان لجريدة النهار النصيب الاوفر منها. عالجت مقالاته مواضيع سياسية واجتماعية متنوعة. اذ تناول الديمقراطية والطائفية والآداء الحكومي والموضوعية في التعامل السياسي واتفاق الطائف والحوار والوحدة الوطنية والغاء الطائفية السياسية، الـــخ….

وهو مؤلف كتاب «شاعر الفيحاء سابا زريق  ( 1886 – 1974) في صفحات» وأعدّ «الآثار الكاملة لشاعر الفيحاء سابا زريق» .

أما نشاطاته المهنية فمتنوعة ايضاً . فهو، الى رئاسته للهيئة الادارية لمؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، وعضويته في مؤسسات غير حكومية اخرى، يتبوأ مناصب عديدة كرئيس وعضو مجلس ادارة لعدد من الشركات اللبنانية والاجنبية وككبير المستشارين القانونيين لمجموعات شركات لبنانية وأجنبية كذلك. وهو صاحب ومدير مؤسسته الاستشارية الخاصة التي أسسها منذ ثلاثة عقود في سويسرا وفي لبنان الى ان حطّ رحاله نهائياً في وطنه منذ عقد من الزمن.

أبونا «متل ما بحب سميك»، تزورون الشمال مرتين في السنة. مرتان كافيتان لكي يصبح لحضرتك مكان ومكانة في قلب كل من تعرف اليكم.

حضرتك، الأب اليسوعي اللبناني الماروني الذي كان موضوع أطروحته الأولى «كلام الإسلام في القرن العاشر» . شكرا من القلب على دعمكم المستمر.

ايها الحفل الكريم،

شكراً لحضوركم فرداً فرداً،

أبونا، دكتور زريق، مع انكما صاحبا المشروع، اسمحا لي أن أشكركما باسم مركز الدراسات الجامعية في لبنان الشمالي – لانه المستفيد الأول منه.

دكتور سابا قيصر زريق، المنبر لكم، تفضلوا.

كلمة زريق

في كلمته، قال الدكتور سابا قيصر زريق، رئيس الهيئة الادارية  لمؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية:

ادلى شاعرُ الفيحاء، مُلهمي ومن وُهبتُ اسمَه، منذ عقودٍ عديدةٍ، في سياقِ حديثٍ عن اللغةِ عموماً والعربيةِ خصوصاً، بالآتي:

«لكلِّ قومٍ في هذا الوجودِ لغة، يعرِفونَ قدرَها ويقدِسونَها، وكيف لا يعرِفونَ هذا القدْر وهي صلةُ التفاهُمِ والتعارُفِ وواسطةُ تبادلِ الاميالِ والعواطفِ، تُطْلِعُهُمْ في طياتِ السطورِ على ما انطوى من ليالي الاجدادِ وتُنْشَرُ لها صفحاتُ الادبِ التليدِ يحملُ في اعصابِ مضامينِهِ الطباعَ والعاداتِ والمزايا والافكارَ والسياساتِ والحوادثَ التي عالجَها الاسلافُ وتكشّفَتْ عنها قرائحُهم، فتشارفُ ارواحُهم ارواحَ اولئك الذين انبتوا الارضَ التي يُنبتونها، واستنشقوا الهواءَ الذي يستنشقونَه».

واكتفي بهذه السطورِ القليلة من وصفٍ مُسْهَبٍ ولا اروع للغة، لانتقلَ الى الشكوى التي أطلقَها قريضاً شاعرُنا آنذاك من اهمالِ اهلِ اللغةِ العربيةِ لها وتمَسُّكِهِم بأهدابِ لغاتٍ اخرى طَغتْ عليها، الى درجةٍ كادَ ان يكونَ النُطقُ بها عيباً:

أرى لغةَ الأجدادِ في عُقْرِ دارِها

تُسامُ الأذى من كلِّ أَحمقَ أهوَجِ

يطلّقُهـا أبناؤهــا وبنـاتُها

لِخَطْبِ ولاءِ   الاعجميِّ  المدبَّجِ

فصِرنا اذا يومًا نطَقنا بمجلسٍ

يضُمُّ  سِوانا  من  دُعاةِ  التفرنُجِ

هَمَسْنا حياءً بابنةِ الضادِ بينهم

اذا نحن لم نخرَسْ حياءً ونخرجِ

أَنخجلُ بالفصحى وحـرِّ بيانِها

امامَ  لسـانِ  العُجمـةِ   المتلجلِجِ؟

أَنقضي عليها وهي آخِرُ درَّةٍ

بأجيادِنا  من  عِقْدِنا  المتدحرجِ؟

جنيـنا على أُمِّ اللغاتِ جنايةً

ستترُكُ روضَ العزِّ  غيرَ مسيَّجِ

وتجعلُنا مثلَ اليهودِ حزائقاً

مضيَّعةَ الأوطانِ تبكي  وترتجي

شكوىً ضاعتْ اناتُها في وادٍ سحيقٍ، وذلك منذُ اكثرِ من ثلاثةِ ارباع قرنٍ، اي في زمنٍ لم تكنْ فيه الغزوةُ التكنولوجيهُ الغربية، بسلاحِها اللغويِ الاجنبي، قد شلّت بعدْ ما تبقى لدى شبابِنا من رَغبةٍ في اتقانِ لغتِهم الام. وعلى الرغمِ من ذلك، ما زلنا نتباهى بكونِنا متعددي الثقافاتِ واللغاتِ وباتَ جُلُّنا يُتقِنُ ما يُتقِنُهُ من لغاتٍ غربيةٍ على حسابِ لغتِهِ الام.

اوليسَتِ اللغةُ دعامةَ المعرفةِ؟ أهنالكَ من سلاحٍ امضى من سلاحِ المعرفةِ؟ فهيهاتِ لو تُسَخَّرُ الاموالُ في سبيلِ تثقيفِ وتعليمِ البشر وتأهليِهِمْ للعبِ الدورِ المُرْتَجى من المواطنينَ الحريصينَ على ديمومةِ وطنِهِمْ. ويا ليتَ العلمَ والثقافةَ يعُمّانِ النفوسَ فهما الكفيلانِ بطردِ السوءِ من اذهانِ الضعفاءِ.

لذلكَ، وبازاءِ تردي احوالِ لغتِنا المستمِر، مدفوعاً بيقينٍ ثابتٍ أنها هويتُنا ورايتُنا، مما يفرضُ علينا واجبَ صَوْنِها، فكلَّما رَكنّا الى كتابٍ محرَّرٍ بها، اعلَيْنا شأنَها وعزَزْنا انتماءَنا الى هذه الرُقعةِ من العالمِ حيثُ هي تختالُ سائدةً ، بادْرتُ الى انشاءِ مؤسسةٍ ثقافيةٍ ألخّصُ اهدافَها بخمسة:

– نشرُ الثقافةِ الادبيةِ العربية

– تشجيعُ الكتّابِ والباحثينَ على نشرِ نتاجهِمِ باللغةِ العربية

– تنظيمُ اللقاءاتِ والمحاضراتِ والندواتِ الادبيةِ والثقافيةِ حولَ مواضيعَ تتعلقُ باللغةِ العربيةِ وثقافتها

– المساعدةُ على استحداثِ مكتباتٍ او دعمِ مكتباتٍ قائمة تضُمُ مراجعَ باللغةِ العربية

– تنظيمُ مبارياتٍ سنويةٍ ادبيةٍ بلغتِنا

كما افتتحَتِ المؤسسةُ، في مركزِها في طرابلس، قاعةً للمحاضراتِ تضُمُ مكتبةً تحتوي على عيونِ المراجعَ باللغةِ العربيةِ وآدابِها، سوفَ تفتحُ ابوابَها قريباً لتكونَ مَقصِداً للأساتذةِ والطلابِ والباحثينَ ليغرِفوا من مخزونِها الفريد.

ولحسنِ الحظ، أني لستُ وحيداً في حملتي الدفاعيةِ عن لغتِنا، فكُثُرٌ هُم الذين يشاطرونَني شغفي هذا. ونحنُ اليومَ في كَنَفِ ابرزهِمِ، عنيتُ الآباءَ اليسوعيين، إذ، عندما إقترحتُ دعمَ مكتبةِ هذا الصرحِ، الابنُ البار لجامعةٍ عريقةٍ، المتواجِدُ في حِضنٍ جُغرافيٍ يُعيرُ اللغةَ العربية شأناً اساسياً، بمراجعَ باللغةِ العربية، لقيَ اقتراحي هذا، دون اي ترددٍ، ترحيباً محموداً ومشكوراً.

منذُ بضعةِ اسابيع، وبمناسبةِ الاحتفالِ باربعينيةِ هذا المركز، اي مركزِ الدروسِ الجامعية في لبنان الشمالي لجامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين، وعلى إثر اعلانِ مديرةِ المركز، السيدة فاديا علم الجميل، في كلمتِها عن نيةِ مؤسسةِ  شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية رفدِ مكتبةِ المركز بمراجعَ باللغةِ العربيةِ، اعتليتُ المِنْبَرَ لالقاءِ كلمة. ورأيتُ في ذلك اليوم من واجبي مشاركةَ الحضورِ ما آلتْ اليه ابحاثي حولَ دورِ الاباءِ اليسوعيين الايجابي جداً في نشرِ لغتِنا الام وحِفظِ كنوزِها. واضفتُ في تلك الكلمةِ أن فضلَ اولئك الاباءِ المستمر هو دليلٌ قاطعٌ على ان الفرنكوفونيةَ التي اتسمتْ بها جامعتُنا العزيزةُ لا تجافي قطعاً العروبةَ وركنَها الابرز، عنيتُ اللغةَ العربية. وجاءت مباركةُ الابِ الرئيس، البروفسور سليم دكاش اليسوعي، لمناسبتِنا في هذه الامسية لتؤكدَ تمسكَ الجامعةِ اليسوعيةِ باللغةِ العربية، ناهيكم عن أن البروفسور دكاش مولعٌ بها، ربما اكثر مني.

وفي 8 نيسان من السنةِ الجارية، ابرمتِ المؤسسةُ مع الجامعةِ اليسوعيةِ اتفاقياتٍ ثلاثْ:

– الاولى، افردتِ الجامعةُ بموجَبِها مساحةً في هذا المركز، قامتِ المؤسسةُ بتأثيثِها وتجهيزِها برفوفٍ تأوي حصراً كتباً ومراجعَ باللغةِ العربيةِ وآدابِها، من صرفٍ ونحوٍ وبيانٍ وبلاغةٍ وقواعدَ وعروضٍ وشعرٍ ونثرٍ ومسرحٍ وروايةٍ  وقصصٍ ومعاجمَ وتراجمَ لادباءٍ وكذلك كتباً تاريخيةٍ وفلسفيةٍ وتربوية، استقبلت القاعةُ لغايةِ تاريخِهِ عدداً كبيراً منها.

وقد  تكرَمَ  الابُ الرئيس باطلاقِ اسم Espace

culturel Saba K. ZREIK على هذه القاعة، مطوّقاً عُنُقي ببادرةٍ كريمةٍ وبجميلٍ لن انساه أبداً ومُكلِّلاً رأسي بغارٍ لا استأهِلُهُ. ولا يبقى لي سوى الاملُ بأن يرى روادُ هذه القاعة فيها ملاذاً يلجأون اليه كلما رغِبوا في سَبْرِ أغوارِ موضوعٍ ادبي او لغويٍ ما او اعدادِ بحثٍ او رسالةِ ماجيستر او اطروحةِ دكتوراه. ان المراجعَ التي سوف تستقبلهُم كفيلةٌ بشِفاءِ غليلِهِم المَعْرفي. كما وسوف تستضيفُ القاعةُ محاضرينَ ومنتدينَ حولَ مواضيعَ ادبيةِ وثقافيةِ ذات منفعةٍ عامة.

– والثانيةُ، ترمي الى تنظيمِ مبارياتٍ ادبية سنويةٍ باللغةِ العربيةِ، يشتركُ فيها الطلابُ الثانوييون من كافةِ ارجاءِ الوطن؛ وسوف تُطلَقُ في شهرِ تشرين الاول القادم.

– اما الاتفاقيةُ الثالثة، فتقومُ المؤسسةُ بموجبِها بالعملِ على طباعةِ اطروحةِ دكتوراه سنوياً، يدخلُ موضوعُها في اطارِ اللغةِ العربيةِ وآدابِها، يناقِشُها طالبٌ أو طالبةٌ من الطلابِ المنتسبينَ الى كليةِ الآداب في جامعة القديس يوسف، تنالُ درجةً مميزةً وتقومُ الادارةُ المعنيةُ في الجامعةِ بترشيحِها للطباعة. ويسُّرني ان اعلمَكم بأن الجامعةَ قد رشَّحَتْ هذه السنة اطروحةَ الدكتورة نجاح عطية حوا، التي نالتْ علامةً مميزة جداً، والتي سوفَ يُبصِرُ كتابُها النورَ في اوائلِ الفصلِ الرابعِ من هذه السنة.

عرفتِ الجامعةُ فيَّ بالامس طالباً حبيباً، يتسكعُ اليومَ على بابِ العمرِ الثالث؛ استقبلَتْهُ عاطفتُها المضيافة، فعرِفَ مقامَهُ؛ والمأثورُ المعروفُ أن الحبيبَ عندما يعرِفُ مقامَهُ يحُقُّ لهُ التّدلّلَ؛ وها انا أتدَّللُ بمطلبٍ جديدٍ.

في لقاءٍ لنا سابقٍ، اشَرْتُ الى جدوى توسعةِ تقدماتِ هذا المركزِ التعليميةِ لما في ذلك من فائدةٍ لابناءِ الشمال، الذين يعانونَ الكثيرَ من الاعباءِ المضنيةِ  يُحتِّمُها انتقالُهم الى العاصمةِ لتحصيلِ علمِهم في كلياتِ الجامعاتِ الخاصة، ومنها الجامعة اليسوعية، المنتشرةِ في بيروت وضواحيها. وعندما تساءلتُ عن سببِ عدمِ وجودِ فرعٍ لكليةِ الآداب في هذا المركز، افِدْتُ بان ذلك يعودُ الى عدمِ وجودِ طلابٍ يتقدمونَ منه لنيل الاجازةِ اي الـ  licence في الآداب، وهذا بالطبعِ سببٌ كافٍ ووافٍ لصرفِ النظرِ عن انشاءِ مثل هذا الفرع. غيرَ اني، استكمالاً لارساءِ قواعِدَ ثابتةٍ في هذا المركز، ليس فقط للابحاثِ باللغةِ العربيةِ، بل ايضاً للدراساتِ العُليا فيها، وبعد استشارتي لاساتذةٍ مخضرَمينَ في هذا المجال، تبيّنَ لي بانه، في حال افتتاحِ فرعٍ لكليةِ الآدابِ هنا، يكونُ محصوراً فقط بالطلاب الذين يرغبون في تحصيلِ شهادتَيَ  الماجيستر والدكتوراه، فإن الاساتذةَ والطلابَ متوفرون وهم مهيأون ومستعدون لاطلاقِ وانجاحِ مثلِ هذا المشروع. وفي حال وافقتِ الجامعةُ مبدئياً على بحثِ هذا الامر، سوف يُقَدَّمُ لها مشروعٌ كاملٌ متكاملٌ يسمحُ لها باتخاذِ قرارٍ نهائيٍ بشأنه. كما وانه في حالِ الايجابِ، فإن مؤسستي تتعهدُ بتعزيزِ «قاعة سابا قيصر زريق الثقافية» بأيةِ كتبٍ ومراجعَ اضافية يحتاجُ اليها اساتذةُ وطلّابُ الفرعِ المستَحدَث. وانا ابقى، ابي الرئيس، رهنَ اشارتِكم للتواصل مع من ترتؤون انتدابَه لهذا الغرض، بغية ازالةِ اي عائقٍ قد يعترضُ بلوغَ الهدفِ المنشود.

اتقدمُ من اركانِ الجامعةِ اليسوعيةِ وفي مقدمتِهم الابِ الرئيس البروفسور سليم دكاش بخالصِ شُكري وامتناني على احتضانِ مبادرتي ودعمِها.

واخُصُ بشكري السيدة فاديا علم الجميل، مديرة هذا المركز المميزة، على مواكَبتِها لادنى تفاصيلِ اعمالِ تأهيلِ القاعة وتجهيزِها، هي التي قطعتْ ليَ وعداً برعايتِها والسهرِ عليها والعملِ كذلك على استقطابِ روادٍ لها.

ولا يسعُني الا أن اسجلَ فضلَ معاوني السيدة الجميل ومعاونيّ في المؤسسة على اندفاعِهم في سبيلِ اضفاءِ على القاعة ومحتوياتِها الحُلّةَ التي سوف تَرَوْنها بها.

وشكري موصولٌ الى كلِ الاصدقاءِ والاحباءِ الذين شرّفونا بحضورِ هذا الاحتفال، خاصةً من منهم تكبَّدَ مشقةَ الانتقالِ الى شَمالِ لبنان ليكونوا بيننا.

مع دعائي له عزّ وجلّ ان يمنّ على الجامعة الحبيبة بالمزيد من الازدهار والتقدم وعلى القيّمينَ عليها بالعافيةِ، وعليكم جميعاً، احبائي، بالصحةِ وطولِ العمر.

كلمة الطلاب: فادي ميقاتي

كلمة الطلاب، ألقاها الطالب فادي ميقاتي وجاء فيها:

يسعدني ويشرفني أن اعود مجدداً الى حيث القلب ينتمي، الى حيث أضفت الى علمي الضئيل علماً، والى قلمي الفقير حبراً والى قلبي العليل حبّاً.

اعود الى تلك هذه الباحة التي عبر فيها المئات من بنّائي هذا الوطن والعالم. ناقشوا فيها زشؤوناً صغيرةس قبل ان يصبحوا هم اصحاب الشأن وجزءاً من صناع القضايا او ربّما قبل ان يكونوا هم القضايا!

وبالحديث عن القضايا، ما زالت قضيّتنا القديمة الجديدة، لغتنا العربية، محلّ تخبّط وتوهان بعد ان هجرها أبناء جلدتها تاركين خلفهم نعم الجمال والحضارة والعلوم والأدب والشعر والغزل … تركناها لمصيرها تائهة بين الحضارات، غيّرنا معالمها الطبيعية الأخّاذة، شوّهنا وجهها بقناع التطوّر والتبعية … عذّبناعا في سجون اعتقال الاحتلال الحضاري، جلدناها بسوط لغة الاتينو-عربية حتّى بكت وقالت لنا بلسان حارسها الأمين نزار: كم جميل لو بقينا أصدقاء!

او كما قال شاعر الفيحاء مناجياً العرب بحدّة جنينا على أمّ اللغات جنايةً ستترك روض العزّ غير مسيّجِ وتجعلنا مثل اليهود حزائقاً مضيّعة الاوطان تبكي وترتجي

اعزّائي الطلاب

فليكن افتتاح قاعة سابا قيصر زريق الثقافية مناسبة للمّ الشمل، بين قلوبٍ أثقلتها حروف لاتينو-عربية وعبير الكتب مازالت مراجع في العلوم والثقافة والحضارة والآداب فلتكن تلك المساحة مكاناً للتمويه عن أفئدتكم لا عبئاً عليها …

ابدأوا بالشعر الذي تغنّوه، افتحوا قصائد نزار ودرويش وأبو ماضي، مَرُّوا على مجلّدات الرازي وابن خلدون وابن الهيثم …

وطبعاً تعرّفوا على شاعر مدينتنا سابا زريق الذي أعطى للأدب والمدينة أكثر ممّا أخذ …

فلتستغلّوا تلك المساحة أحسن استغلال، أنشئوا فيها نادٍ للكتاب، ناقشوا، عبّروا، تفاعلوا، اختلفوا، حلّلوا … صدّقوني ما ابتعدنا عن ركب الحضارة إِلَّا بابتعادنا عن الكتاب!

البروفسور الاب دكّاش

البروفسور الأب سليم دكّاش، رئيس جامعة القديس يوسف القى كلمة جاء فيها:

ها نحن مجتمعون في هذه الأمسية لنفتتح معًا في جامعتنا اليسوعيّة، وتحديدًا ها هنا في طرابلس والشمال، قاعة «عربيّة الشكل والمحتوى تقدمة من مؤسّسة شاعر الفيحاء طرابلس الأستاذ الشاعر والمربّي سابا زريق» الذي عاش ما بين السنوات 9881 و4791 علمًا مميّزًا من أعلام لبنان الثقافيّة والأدبيّة والفكريّة والوطنيّة. وإذا كان اسم سابا يعني بالسريانيّة الشيخ القديم والحكيم، فإنّ الجامعة اليسوعيّة، وهي التي عملت وما زالت تعمل من أجل إعلاء العربيّة الفصحى بيانًا وبلاغةً ومعنىً، فإنّها تفتخر بأن تستقبل هذه القاعة، «قاعة سابا زريق الثقافيّة»، بمعنى أنّها سوف تمدُّ الزائر لـها، أكان أستاذًا أم طالبًا أم مربيًّا يريد الاستزادة من العلم، بالكثير من المعرفة الإنسانيّة والروحيّة المتراكمة منذ أجيال في عالمنا العربيّ الإسلاميّ والمسيحيّ في ظروف أصبح العلم مجرّد معلومات وظيفيّة وحسب، وكذلك لاكتساب الكثير من الحكمة التي هي دعوة للاحتكام إلى الضمير وإلى أهل الخير والفضيلة والقِيَم الإنسانيّة المشتركة إذ نحن بأمسّ الحاجة إليها في وقتٍ طغت العصبيّات لا على السلوك والممارسات فقط، بل على التفكير أيضًا وزادت على ذلك الحسابات السياسيّة الضيّقة التي أخذت الدين والطائفيّة رهينة المحاصصات وطريقًا للهيمنة والتسلّط.

ألم يقل شاعر الفيحاء قولاً ثقافيًّا محقًّا في النظرة إلى الدين والطائفيّة لا يزال وقعه بيننا حتى اليوم :

«الدين – إن كنتم على دينٍ – يحضُّ

على التآخي، والتضامن مرشدًا،

فعلام تتّخذون منه عدّةً

لتناحرٍ متأصّل بلغ المدى»

وفي مكتبة ومساحة سابا زريق الثقافيّة، نحن على موعد مع الثقافة في زمن ضَمُرت فيه المساحة الثقافيّة الإنسانيّة المشتركة لتصبح نوعًا من الاقتتال بين مساحات ضيّقة تدمّر البشر والشجر والتراث والتقليد الصحيح بدل العمل على تنمية الإنسان والعلاقات البشريّة بعضها مع البعض الآخر. لستُ هنا بوارد الدخول في تحديد ماهيّة الثقافة، وهو مصطلح له ما له من التعاريف والاستخدام. إلاّ أنّ ما نكتفي به في هذه المناسبة هو تلك الثقافة التي تهدف إلى تحسين المهارات الفرديّة للإنسان لا سيّما من خلال التعليم والتربية وكذلك إلى تحقيق قدر وافٍ من التنمية العمليّة والروحيّة للإنسان والتوصّل إلى رخاءٍ وسلام قوميّ وقِيَم عليا يتشارك فيها الجميع. ونقول إنّ مساحة زريق هي ثقافيّة بمقدار ما تكون عاملة على ثلاثة أبعاد هي التالية :

1- التذوّق المتميّز للفنون الجميلة والآداب العربيّة شعرًا ونثرًا،

2- إعلاء شأن المعرفة البشريّة والاعتقاد والسلوك القائم على التفكير والتعليم الإجتماعي،

3- وأخيرًا تأكيد الاتّجاهات والقِيَم والأهداف والممارسات المشتركة التي تميّز الجماعة اللبنانيّة بكلّ مقوّماتها.

مقوّمات هذه الثقافة هي رأسمالنا في هذه المساحة الجغرافيّة التي أودعنا اللـه إيّاها فنعبده ونحمده ونضع معًا عليها تاريخًا مشتركًا جوهره الميثاقيّة اللبنانيّة في مختلف تجلّياتها وآخرها في  دستور 1989 الذي يجمع ما بين قاعدتين جوهريّتين متلازمتين هما: أوّلاً العيش المشترك الذي يناقض التقسيم والفرز الجغرافي والتلاعب في الوضع السكّاني بمختلف أشكاله. وهذا العيش المشترك هو مسؤوليّة المجتمع نفسه أي المجتمع الأهلي والمجتمع المدني.

أمّا القاعدة الثانية التي نستخرجها من دستور 1989 وهي جزء أساسيّ من ثقافتنا الوطنيّة هي قاعدة للمواطنيّة للجميع إذ إنّ للجميع، كلّ الجميع، الحقوق نفسها في الصحّة والتعليم والتعبير والمشاركة في إدارة الحياة المدنيّة وأن يكون لديهم مسؤولون سياسيّون وحكومة يعملون لصالح الناس وكذلك للجميع واجبات أقلّها احترام رموز الدولة والإسهام بكلّ ما يتوجّب عليهم في موارد الدولة وتعزيز المصلحة العامّة والخير العام. إلى أنّ ما يميّز مبدأ المواطنة اللبنانيّة هو أنّها، بفضل المدى الديموقراطي التي تدعو إليه والنظام الذي يترجمه إلى واقع عبر قانون الانتخاب النيابي على سبيل المثال، تجعل من التعدّديّة اللبنانيّة تعدّديّة متداخلة، منفتحة على بعضها البعض، لا تعدّدية قبائل أو مذاهب منفصلة عن بعضها البعض. فكيف لا نعمل معًا لتحقيق هذا الحلم اللبناني عِبرَ إرساء ونشر ثقافة الإصغاء للآخر عبر التثقيف والتعليم وقراءة الأقدمين. وكيف لا نفتح أبوابنا الجامعيّة أمام قراءة كتب المشاهير بمختلف أنواعها الأدبيّة لكي نستلهم من قراءتها والبحث بين أوراقها أفكارًا تساعد على صياغة تلك الأبعاد والمقوّمات الثقافيّة التي تدعم الخصوصيّة التعاقديّة اللبنانيّة التي قيل عنها إنّها تشكّل بلدًا اسمه لبنان هو أكبر من وطن، لا بل رسالة إنسانيّة في التعدّديّة والحريّة والمواطنيّة للعالم كلّه وكيف لا نفتح أبوابنا الجامعيّة أمام مصادر الفكر والأدب الكلاسيكيّ العربيّ والعالميّ بالعربيّ الفصيح لكي يستلهم منها الهاوي والباحث والمتخصّص فيكتب بدوره دُررًا في البيان والفكر.

أيّها الأحبّاء إنّي إذ أطرح هذه الأسئلة عليكم وعلى نفسي، فإنّي أستذكر في الوقت عينه الدور الكبير الذي قام به اليسوعيّون تجاه الآداب العربيّة حيث كانوا من الأوائل الذين حفظوا المخطوطات الثمينة. فمكتبتنا الشرقيّة في الجامعة في بيروت تحتوي على أكثر من خمسة الآف مخطوط عربي اللغة دلالة على محبّة اليسوعيّين لـها أكانوا شرقيّين أم غربيّين جمعها لويس شيخو وغيره من مختلف الأصقاع والبلدان. ولم يكتفوا بتجميع المخطوطات بل إنّهم نشروا منها البديع والفاخر، ومن منّا لم يقرأ في «مجاني الأدب في حدائق العرب» في أجزائه السبعة وهو لا زال ينشر حتّى أيّامنا هذه. وإلى جانب شيخو من منّا لم يسمع بالآباء خليل إدّه وهنري فليش ولامنس وبويج وخليفة وحشيمه وتوتل، مصنّف أعلام المنجد، واللائحة تطول حتّى إنّ الأب كميل حشيمه قد صنّف مؤلّفات باللغة العربيّة لأكثر من مئتي يسوعيّ منذ بداية القرن السابع عشر.

إنّ إسهام اليسوعيّين وطلاّبهم في إعلاء شأن العربيّة الذي كان له السند الجامعي في معهد الآداب الشرقيّة ومعهد تعليم اللغة العربيّة لغير الناطقين بـها يتواءم مع ما قاله يومًا شاعر الفيحاء في العربيّة الفصحى إذ رفع الصوت مناشدًا :

«أنخجل بالفصحى وحرّ بيانها

أمام لسان العجمة المتلجلج

أنقضي عليها وهي في آخره درة

بأجيالنا من عقدنا المتدحرج»

إنّ من مقوّمات وحدتنا اللبنانيّة هي هذه العروة الوثقى الثقافيّة التي اسمها اللغة العربيّة فلا غنى عنها وإن اكتسبنا اللغات الأجنبيّة وأصبح البعض منّا ضليعًا بـها وقادرًا عليها. فشكرًا للأستاذ سابا زريق الحفيد والخرّيج من حقوق اليسوعيّة الذي تماهى اسم القاعة والمكتبة والمساحة مع اسم سابا زريق الجدّ الذي طبع ساحتنا الأدبيّة العربيّة بطابعه وثقافته التي لَـمْ تكن ثقافة جامدة أو بعيدة عن الواقع أو عن الحياة بل إنّها تداخلت معه ومعها وفرضت نفسها ثقافة لنا نعمل بـها ونستمرّ على خطاها.

السيدة فاديا علم الجميّل
البروفسور الأب سليم دكّاش
الدكتور سابا قيصر زريق
حضور الاحتفال
تبادل الدروع والميداليات
Loading...