الأب لامانس في «آثار لبنان»: «أميون» أقدم بلدة نعرفها، في داخل لبنان، سكنها الناس

الكورة من أخصب أنحاء لبنان… ولا مَرَاء ان الناس سكنوها منذ القرون الغابرة. ولو بَنَيْنَا الحكم على ما يوجد من التشابه، بين إسم قريتها، «أميون»، وعَلَم آخر، «أمّيا»، ورد ذكره في مكتبات تل العمارنة (كما جاء في مجلة «المشرق» 3:789 – بيروت)، ليصح القول، انها أقدم مقاطعة، في داخل لبنان، إحتلها السكان (المرجع، لامانس، ص142).
وفي الكورة، آثار ترتقي إلى عهد اليونان والرومان وسواه.
وفي مكان آخر، يقول الأب لامانس: ومن الأَعلام، المذكورة (في مكتبات تل العمارنة) إسم مدينة «أمّيا». ذهب الأب ديلاتران DeLateran اليسوعي، إلى ان موقعها وراء لبنان، أو في الجهة الشمالية. وقد زعم كُنْدر (Conder) ان «أميّا» هذه هي أميون الحالية في معاملة الكورة. فإن صح قوله، تكون أميون أقدم بلدة نعرفها في داخل لبنان.
والرسالة، التي ورد فيها هذا الإسم، كاتبها أحد العمال المصريين، يطلب من صاحب «أمّيا» ان يُسلِّم إليه عدداً من العبيد، مع إبنة الشيخ، ويرسل له فضّة وعجلات وخيلاً. ثم يختم قوله، بما نصّه: «إعلم، ان الملك على أحسن حال، كالشمس، في السماء، وإن جيشه وعجلاته على مايرام من الصلاح». (لامانس، ص76).
أحوال لبنان في القرن 14 قبل المسيح
ويتحدث الأب لامانس، في كتابه «آثار لبنان»، عن أحوال لبنان في القرن الرابع عشر قبل المسيح، ويقول: كثيراً ما أشرنا، في سياق كلامنا، عن آثار لبنان إلى مراسلات تل العمارنة… فأَحببنا ان نستطرد إلى وصفها، لما ينسجم عن معرفتها من الفوائد الجمّة المُعْرِبة عن أحوال بلادنا قبل تاريخ الميلاد بأربعة عشر قرناً.
تل العمارنة مزرعة صغيرة في مصر
وعرّف الأب لامانس تل العمارنة بالقول: إن تل العمارنة مزرعة صغيرة مجاورة لوادٍ موقعه جنوبي مدينة المنيا في الصعيد (المصري)، على مسافة 80 كيلو متراً منها، عند ضفّة نهر النيل الشرقية. والوادي المذكور، تحيط به الصخور. وهو يدعى بإسم المزرعة، المُنَوَّه عنها (لامانس، ص72).
وبالتحديد، تل العمارنة هو موضع في مصر على نهر النيل (محافظة أسيوط) تقوم عليه أنقاض عاصمة الفرعون، أخناتون، نحو 1366 قبل المسيح. إكتشفت فيه المراسلات، التي تبادلها الفراعنة العمارنة، وملوك الشرق، كما جاء في «قاموس المنجد»، ص 179.
مما تقدم يتضح، ان مدينة أميون عريقة في قدمها، كما انها غنية في آثارها وتاريخها وفي شعبها، اليوم.
موقع أميون الجغرافي فريد
والآن، نأتي إلى التعريف بأميون، بإيجاز. تقع أميون في وسط قضاء الكورة، وهي عاصمة القضاء. فموقعها الجغرافي ممتد ما بين البحر الأبيض المتوسط والجبل.
انه موقع إستراتيجي ما بين مدينة طرابلس، وقضاء بشري، وقضاء زغرتا، وقضاء البترون. ولعل أقصر طريق إلى بلدة بشري وغابة الأرز، تمر عبر الطريق الدولية في أميون.
أميون قائمة على سبع تلال
يبدو ان أميون أخذت شهرتها التاريخية العظيمة، نظراً لموقعها الجغرافي الفريد والمميز، ما بين البحر والجبل، ولظروف طبيعية وإنسانية أخرى. يبلغ معدل إرتفاعها عن ساحل البحر ما بين 300 و400 متر.
فهي تتوسط سهل قضاء الكورة من الجهة الجنوبية الشرقية. وتتميز عن باقي قرى القضاء، بأنها تتكوّن من سلسلتين صخريتين تتجهان من الشرق نحو الغرب. ويضاف إلى ذلك، تلال صخرية كبيرة، تؤلف، بمجملها، الروابي (تلال) السبع، التي تقوم عليها المدينة بمساكنها، في الوقت الحاضر.
تقع أميون على بعد نحو 17 كيلو متراً إلى جنوب شرق طرابلس. وتبعد عن غابة الأرز 42 كلم، وعن بيروت 75 كلم.
إسم أميون قديم جداً
يتضح، إن إسم أميون قديم جداً، قد ورد إسمها، كما سبق القول، في رسائل تل العمارنة المصرية، تحت إسم «أمّيا»، وذلك في القرن الرابع عشر قبل المسيح.
أما إسم «أمّيا»، فقد ورد ذكره، في هذه الرسائل، أثناء الحديث عن بعض المدن والمقاطعات الكبيرة والمهمة. وقد أتت تسمية «أمّيا» في ثماني رسائل من أصل 382 رسالة، تم إحصاؤها حتى الآن. ومما تمّ تحليله، من هذه الرسائل، أن منطقة «أمّيا» كانت، في الأصل، مملكة. وكانت موازية في مكانتها وشأنها لمملكة جبيل، كما جاء في دراسة للأستاذ الباحث نقولا موسى العجيمي (بلدية أميون، المهرجان التراثي، ص3-4).

علماء وباحثون: «أميّا» هي أميون الحالية
يُجمع بعض العلماء والباحثون، الذين درسوا مراسلات تل العمارنة، على أن «أميّا» هي أميون الحالية، ومن بين هؤلاء، الباحث الألماني، كنوتسن J.A.Knudtzon في كتابه، الذي صدر عام 1915. ويشير إلى ان «أميّا» قد تكون أميون الحالية، القريبة من مدينة طرابلس.
كما ذهب الأب اليسوعي، دولاتران، الآنف الذكر، إلى ان «أميّا» موقعها وراء لبنان (أي جبل لبنان)، أو في جهته الشمالية، ويفيد الباحث كونديه B. Conde ان «أميّا»، هي أميون الحالية في معاملة الكورة (بلدية أميون، المهرجان ص 4-5).
إسم أميون يفيد الصلابة والقوة
إسم أميون، ماذا يعني؟
للإجابة عنه، نقرأ ما جاء في «معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية» للباحث اللبناني، أنيس فريحة – دكتوراه في علم الفلسفة واللغات السامية وأستاذ سابق في الجامعة الأميركية في بيروت (نذكر أهمها: العربية والعبرية والفينيقة والآرامية والأشورية وغيرها). ويقول: إسم أميون قديم، فقد ورد في رسائل تل العمارنة في القرن الرابع عشر ق.م.
والإسم، والقول لفريحة، يَحتَمِل أكثر من تفسير: نُرّجح انه من جذر سامي مشترك، ويَعني القوة والمنعة والصلابة. ومنه «أمُّون»، في الآرامية، وتعني القوي والشديد، أو القوة والشدة (فريحة، ص6).
أميون في التاريخ البشري
تاريخ بلدة أميون قديم جداً، وهو تاريخ كبير، ويعود تاريحها إلى أواسط القرن الأنيوليتي، والجماعات الأنيوليتية، التي وُجدت في المنطقة، قبل مجيء الشعوب السامية القديمة (أي منذ أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد). وبقيت فيها على مد العصرين الحجريين، المثلوب Poleolitiquo والمصقول Neolitique. ويدل على ذلك وجود المغاور في أميون (وإن كانت صغيرة) الواقعة في تلة أميون الصخرية، أي في محيط البلدة القديمة، حالياً، والتي تحتوي على نقرات (نوافذ) شِير كنيسة مار يوحنا، وكاتدرائية القديس جاورجيوس (الدهليز) اللتين يعتبران من أقدم آثار أميون (بلدية أميون، وثيقة، ص1).
أميون من رعايا الكنيسة الأولى
ولما كان تاريخ أميون قديماً جداً، فإنه قد جعل سكانها يعاصرون ويعايشون كل العهود، الوسطى والحديثة. وهذا القِدم، عايش مختلف الأديان الوثنية. وفي أميون آثار تدل على ذلك. ولما ظهرت المسيحية، وإنتشرت في أميون، أصبح أهلها من رعايا الكنيسة المسيحية الأولى. فحوّل أهلها، المسيحيون الجدد، الهياكل والمعابد الوثنية، إلى كنائس مسيحية، تدق أجراسها التوحيد بإسم الإله الواحد (بلدية أميون، وثيقة، ص2).
«أميون في التاريخ» – مؤتمر
على الرغم من تاريخ أميون الطويل والعريق، لم يكتب المؤرخون الباحثون أي كتاب عنها. لذا، يقوم كاتب هذه السطور، بالتعاون مع بلدية أميون وقسم التاريخ جامعة البلمند، بإعداد مؤتمر يتناول تاريخ أميون. نأمل أن نوفق في تحقيق هذا الحلم المهم.