التعليم العالي في لبنان: هكذا نشأ… هكذا تطوَّر… وهكذا أصبح

ارتبطت نشأة التعليم العالي الخاص في لبنان، التي سبقت نشأة الدولة اللبنانية، بأهداف تبشيرية تنافسية بين إرساليتين أجنبيتين، الإرسالية البروتستانتية التي أسست الجامعة الأمريكية، والإرسالية الكاثوليكية التي أسست الجامعة اليسوعية. وقد استمرت الحصرية بيد الجامعتين الأميركية واليسوعية لمدة قرن من الزمن إلى حين إنشاء الجامعة اللبنانية في العام 1951، التي استمرت بالتوسع حتى بداية الحرب عام 1975. أدّت هذه الحرب إلى ظاهرة تفريع معظم الجامعات القائمة آنذاك، والترخيص لجامعات جديدة. في التسعينيات شهد التعليم تبدلات مهمة ارتبطت بتبلور العولمة ومجتمع المعرفة وما رافقهما من ثورة معلوماتية وتكنولوجية، وتحولات في سوق العمل، وقد توجه إلى تمتين علاقة التعليم العالي بسوق العمل، ما أدّى إلى زيادة الطلب على التعليم العالي. وقد توسع التعليم العالي الخاص بقوة منذ 1996 وأصبح طلابه يشكلون 58٪ من المجموع مقابل 42٪ للجامعة اللبنانية في العام 2009/ 2010. ويعاني التعليم العالي الخاص اليوم من مشكلات سياسية وقانونية وتلك التي تتعلق بالجودة وضمانها والمساءلة والتمويل وعدم التنسيق بين مؤسساتها.
(هذا الملحق التربوي من «التمدن» يتضمن أجزاء من دراسة أعدها الاستاذ في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الدكتور علي الموسوي بعنوان: «التعليم العالي في لبنان: تحديات النوعية ونمو القطاع الخاص»)

مرحلة النشأة والتأسيس: سيطرة التعليم الأجنبي الوافد
ارتبطت نشأة التعليم العالي وتأسيسه بالعمل الديني الحثيث والمتسع في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين أسس المرسلون اليسوعيون في غزير في العام 1834 معهداً دينياً لإعداد الكهنة… ثم انتقل إلى بيروت في العام 1875 ليشكل كلية اللاهوت في جامعة القديس يوسف. وفي العام 1849 افتتح البروتستانت في بلدة عبيه معهداً للتبشير… انتقل إلى بيروت في العام 1866 تحت اسم الكلية السورية الإنجيلية… وفي حين أن اليسوعيين وجدوا أنفسهم في وسط سكاني أليف لديهم، يتكون معظمهم من الموارنة والكاثوليك، فإنّ الأمريكيين عملوا في بيئة غريبة عنهم.
في السياق التبشيري نفسه تأسست في العام 1883 كلية اللاهوت للشرق الأوسط… ومن أجل تشجيع الفتيات من الأصول الاجتماعية المحافظة على ارتياد التعليم العالي، أسس مجلس المبشرين البروتستانت «الكلية الأمريكية للبنات» في العام 1924. التي بدأت كثانوية، واستحدثت عند تأسيسها سنتين جامعيتين فقط لتعليم الإناث في ميادين محصورة ومحددة وغير متوافرة في الجامعة الأمريكية… ثم ما لبثت أن توسعت برامج الكلية لتشمل أربع سنوات جامعية كاملة وليصبح اسمها في العام 1950 «كلية بيروت للبنات».
لعبت التغيرات السياسية مع بدء الانتداب الفرنسي للبلاد في العام 1920 دوراً في تكيّف مؤسسات التعليم الإنجيلية مع الوضع الجديد فغيّرت «الكلية السورية الإنجيلية» اسمها إلى «الجامعة الأمريكية في بيروت»، وافتتح القسم الإعدادي التابع لها فرعاً باللغة الفرنسية.
في إطار استكمال اختصاصات التعليم العالي في جامعة القديس يوسف ولتعزيز انتشار اللغة الفرنسية بادرت وزارة الخارجية الفرنسية إلى تأسيس مركزين للتعليم العالي، المدرسة العليا للآداب (في العام 1944) ومركز الدراسات والأبحاث في الرياضيات والفيزياء (في العام 1945)، ووضعا تحت الإشراف الأكاديمي المباشر لجامعة ليون.
شكّلت مبادرة اللبناني ألكسي بطرس، في العام 1937، بإنشاء «الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (الألبا) المبادرة الأولى لنموذج لبناني هدف على التوليف بين التعليمين الفرنسي والأميركي على أن يكون متجذراً بالثقافة اللبنانية، ومرتبطاً بحاجات المجتمع اللبناني». توليف جديد لكنه لم يخرج عن سياق نخبوية التعليم المرتكزة إلى الوضع الطبقي واللغة، والدين، والطائفة بحدود معينة.

يُستنتج من المرحلة الأولى أن التعليم العالي لم ينشأ نتيجة تطور البنى الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع اللبناني، بل كان إسقاطاً من الخارج، وارتبط بالتبشير وكسب الأتباع كهدف أساسي، وهو ما نتجت عنه تمايزات لغوية وثقافية وسياسية تركت تأثيرها على مسار التعليم العالي. كذلك فقد أدى التنافس التبشيري بين البروتستانت، ذوي النزعة التغييرية، والكاثوليك والموارنة، ذوي النزعة المحافظة، إلى تطييف التعليم العالي، حيث استفادت الطوائف من تكريس الدستور اللبناني، الذي وضع في عهد الانتداب، لمبدأ حرية التعليم في تأسيس مدارسها وجامعاتها.
لقد ولدت الدولة اللبنانية في العام 1920 أي بعد أكثر من نصف قرن على تأسيس الجامعتين الأميركية والقديس يوسف، وقد شكلتا إحدى أوليات السيطرة الثقافية والسياسية، كما شكلتا نموذجاً مرجعياً لمؤسسات التعليم العالي التي ستنشأ لاحقاً.
اتسم التعليم العالي في تلك المرحلة بالنخبوية فاقتصر على أبناء الطبقات الميسورة عموماً، إلى الوضع الاقتصادي شكلت اللغة الأجنبية أداة تمييز أساسية بين اللبنانيين، ويسجل لهذه المرحلة أنها شهدت، في العام 1924 التحاق الإناث بالتعليم العالي.
تطور توزع الطلاب حسب الجنس
يكشف التطور التاريخي لأعداد الطلاب الجامعيين عن تعديل في التركيبة بحسب الجنس لصالح الإناث. حصل هذا التعديل في فترة الحرب وبعدها. وتؤكد المقارنة بين النسب الإجمالية ما بين 1982- 1983 وبين 1992 و1993 هذه الواقعة. فقد انخفضت نسبة الذكور 7،62٪ في العام 82- 83 لتصل إلى 56٪ في العام 1992- 1993، بينما ارتفعت نسبة الإناث من 3،32٪ في العام 1982-1983 إلى 44٪ في العام 1992- 1993. ظاهرة التأنيث لم تعمّ الجامعات كلها. إن اختلال الميزان لصالح الإناث تمّ رصده في الجامعة اللبنانية، فقد تراجعت نسبة الذكور من 74٪ قبل الحرب، إلى 8،49٪ في العام 1992- 1993، ثم إلى 8،34٪ في العام 2009- 2010.

يُفسّر ارتفاع النسبة الإجمالية للإناث في التعليم العالي، بالحصة العالية لهنّ في الجامعة اللبنانية، نتيجة انتشارها في المناطق اللبنانية كافة، ومجانية التعليم فيها، واهتمام أكبر من الأهل بتعليم أولادهم/ن. أمّا الاتجاه العام في الجامعات الخاصة فيميل لصالح الذكور الذين يشكلون 55٪، مقابل 45٪ للإناث. وتمت ملاحظة تمايز بين الجامعات والمعاهد الخاصة، حيث معظمها يسجل ارتفاعاً في نسبة الذكور مقابل قلة منها فيها أرجحية للإناث. وتُفسّر أرجحية عدد الذكور في الجامعات الخاصة بالتمييز الجندري لدى بعض الأسر، من أصول شعبية أو متوسطة الحال وما دون، انطلاقاً من أن تسجيل الذكور في هذه الجامعات (الجامعة الإسلامية في لبنان، الجامعة اللبنانية الدولية، وجامعة سيدة اللويزة والجامعة الأنطونية) يُعدّ استثماراً جيداً في «الموارد البشرية»، من أجل ضمان مستقبل الأسرة. ويؤكد الاتجاه المعاكس، أي أرجحية عدد الإناث، الذي تمّ رصده في جامعات عريقة (جامعة القديس يوسف، وجامعة الروح القدس)، أو النسب المتقاربة جداً بين الجنسين (الجامعة الأميركية، الجامعة اللبنانية الأميركية، جامعة البلمند) على عدم التمييز بين الجنسين في فرص التعليم.
أما لجهة الاختصاصات والجنس فتبين معطيات العام 2009- 2010 أنّ العلوم الهندسية ما زالت تجذب الذكور أكثر من الإناث (900،11 ذكراً مقابل 778،3 أنثى) أي ما يقارب الثلاثة أضعاف، مع الإشارة إلى أن العلوم الهندسية كانت لفترة طويلة حكراً على الذكور، إلا أنها بدأت تشهد حضوراً، لا بل أرجحية للإناث في بعض اختصاصاتها، كالهندسة الداخلية، التي تضم 325،2 أنثى مقابل 720 ذكراً. وكذلك اختصاص الحقوق حيث يلتحق به 862،4 ذكراً مقابل 354،1 أنثى.
أما التقارب بين الجنسين فيبرز في اختصاص إدارة الأعمال، وفي اختصاصات البنوك والتمويل والمحاسبة والاقتصاد وما شاكل. كما يشمل التقارب اختصاصات الرسم والتمثيل والموسيقى، والعلوم الطبية التي تضم 391،1 طبيباً مقابل 092،1 طبيبة، و345 طبيب أسنان مقابل 364 طبيبة أسنان، واختصاص الدراسات الإسلامية (639،3 ذكور مقابل 170،3 إناث) وهو من الاختصاصات الجديدة نسوياً.
أمّا الاختصاصات التي فيها أرجحية للإناث على الذكور فتشمل المهن الصحية والمخبرية (982،4 أنثى مقابل 282،2 للذكور). وكذلك الأمر في مهن التعليم والتربية على أنواعها، وفي مهن الترجمة واللغات والآداب، وكذلك الأمر في مهن التعليم والتربية على أنواعها، وفي مهن الترجمة واللغات والآداب، وكذلك في مهن الصحافة والإذاعة والتلفزيون والإعلام، وفي العلاقات العامة والإعلان وتصميم الإعلان. وكذلك في اختصاص التغذية، وهو من الاختصاصات التي تلقى إقبالاً أنثوياً لافتاً (645،1 أنثى مقابل 47 ذكراً).
من تأسيس الجامعة اللبنانية في 1951
حتى اندلاع الحرب الأهلية في 1975
امتدت هذه المرحلة من منتصف القرن العشرين، وتحديدا منذ تأسيس الجامعة اللبنانية 1951 وحتى اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975. شكل تأسيس الجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية الحدثين البارزين في هذه المرحلة، لجهة الثقل الكمي والتوازن النوعي، كتعليم لبناني – عربي مقابل التعليم اللبناني – الأجنبي. واستكمالاً لسياسة التوازن السياسي والطائفي تم تأسيس جامعتي الروح القدس وهايكازيان. اتسمت هذه المرحلة أيضا بانبعاث وتطوير الجامعات أو الكليات التي كانت قائمة. كما شهدت إقرار قانون تنظيم التعليم العالي في 26/ 12/ 1961.
الجامعة الجديدة: التوازن الطائفي والسياسي في التعليم العالي
شكلت نشأة الجامعة اللبنانية، الجامعة العامة الوحيدة في لبنان، في العام 1951 ثم توسعها في العام 1959 الحدث الأهم في هذه المرحلة.
لم يكن إنشاء الجامعة اللبنانية وتطويرها لاحقاً بناء على قرار مدروس من قبل السلطة السياسية، بل كانت نتيجة «الضغوط الشعبية والطلابية وخصوصا للفئات الصاعدة من قاعدة الهرم الاجتماعي»، ولتلبية حاجة المدارس الثانوية من الأساتذة الأكفاء، ووزارات الدولة من الموظفين الخبراء… مع حرص شديد من السلطات الحكومية آنذاك على إنشاء فروع غير متوافرة في الجامعتين الأميركية واليسوعية. وعلى الرغم من التضييق عليها فقد حققت الجامعة قبل الحرب منجزات أساسية واحتلت مكانة مرموقة بين أقرانها.

بعد عشر سنوات على تأسيس الجامعة اللبنانية، ساهم وصول جمال عبد الناصر إلى الحكم في مصر في خلق مناخ قومي تحرري كانت له ارتدادات في البلدان العربية في مجالات متنوعة ومتعددة. ساعد المناخ الجديد في تلبية الحاجة الموضوعية لفئات واسعة من اللبنانيين والعرب المقيمين في لبنان، إلى التعليم العالي، فكانت نشأة جامعة بيروت العربية في العام 1960.
اعتمدت هذه الجامعة نظام الانتساب مما جعلها مقصدا لعدد كبير من الطلاب العرب من خارج لبنان (ثلاثة أرباع طلابها قبل الحرب كانوا من الطلاب العرب). وعلى شاكلة الجامعتين الأميركية والقديس يوسف المرتبطتين بمرجعيات عالمية، كان ارتباط جامعة بيروت العربية بجامعة الإسكندرية في مصر. وقد سعى القيمون على شؤون جامعة بيروت العربية إلى الحد من سيطرة النظام الفرنسي وسيطرة خريجي معهد الحقوق في جامعة القديس يوسف على أوضاع القانون في لبنان، وبالتالي ترسيخ الثقافة العربية في لبنان.
في إطار منطق التوازن الطائفي التنافسي، يندرج الاعتراف بجامعة الروح القدس – الكسليك في العام 1961، كجامعة يغلب على إدارتها وأساتذتها وطلابها الطابع المسيحي، مقابل جامعة بيروت العربية، التي يغلب على إدارتها وأساتذتها وطلابها الطابع الإسلامي. وبدأت مع تأسيس جامعة الكسليك ملامح انعطاف تاريخي هام في مسيرة الرهبانية المارونية تجلى لاحقاً في تدعيم الطابع الشرقي، وإضعاف الطابع التبشيري القادم من أوروبا؛ وهو ما سيكون له أثر مباشر على الدور التربوي الذي شغلته جامعة القديس يوسف كمركز استقطاب وجسر للتواصل الحضاري مع أوروبا. أضيف إلى الاعتبارات الدينية- الطائفية، والسياسية، اعتبار إثني طائفي، بعد تأسيس جامعة هايكازيان الأرمنية على يد «اتحاد الكنائس الأرمنية الإنجيلية في الشرق الأدنى» في العام 1955.
الجامعات القديمة النشأة: التكيف مع المستجدات بالانبعاث والتطوير والتجديد
فرضت التطورات السياسية (احتلال فلسطين ونشوء «إسرائيل»، والمناخ القومي التحرري) والتعليمية التي استجدت (خصوصا إنشاء الجامعتين اللبنانية والعربية) على الجامعات القديمة النشأة التطوير والتجديد، وإعادة إحياء كليات معينة.
فمعهد الحكمة العالي لتدريس الحقوق، كأول معهد أنشأه الموارنة للتعليم المدني في العام 1875، أقفل في العام 1913 «تجنبا لمنافسة معهد الحقوق الذي أنشأته الدولة الفرنسية وعهدت بإدارته إلى الآباء اليسوعيين، إلا أن منطق «التوازن» الطائفي السياسي و«التنافس» مع كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية أعاد بعثه في العام 1961. وضمن المنطق نفسه يمكن إدراج حصول «كلية بيروت للبنات» في العام 1955 على الحق بإعطاء الإجازات الجامعية من قبل مجلس أمناء جامعة ولاية نيويورك، ومن ثم الاعتراف بهذه الإجازات رسميا من قبل الحكومة اللبنانية عام 1970. بدأت الكلية في العام 1973 قبول الطلاب الذكور ما اقتضى تغيير الاسم ليصبح كلية بيروت الجامعية.
شهدت هذه المرحلة انتهاء حصرية جامعة القديس يوسف، في العام 1974، في تدريس الحقوق، وإغلاقها لكلية اللاهوت. في المقابل فرضت ضغوط السوق اللبنانية والعربية واحتياجاتها المتزايدة من جهة، والتطورات التي شهدها التعليم العالي من جهة ثانية التوسع في اختصاصات ومناهج دراسية جديدة وتحديث المباني وإضافة مبانٍ جديدة.
والأمر نفسه حدث أيضاً في الجامعة الاميركية، خصوصاً بعد التغيرات السياسية، التي أثّرت بها الجامعة أكثر من غيرها بسب انفتاحها بالأساس على الطلاب العرب، وهو ما أدّى إلى توسع في برامجها، وازدياد في عدد طلابها واختصاصاتها. فقد حققت الجامعة في هذه الفترة تعمقاً بالاتجاه العامودي في عدد محدود من حقول الاختصاص بين أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات (قبول الطلاب للاختصاص العالي ومنح الدكتوراه في اختصاصات معينة). إلا أن هذا الإجراء لم يدم طويلاً وكان واحدا من الإنجازات التي قضت عليها الحرب. إلا أن التأثير الأهم للتغيرات السياسية طال نظرة الجامعة إلى دورها في لبنان وفي المنطقة على امتداد هذه الفترة الحرجة (1950- 1975).
تطور توزع الطلاب حسب القطاع والجامعة
كان عدد المسجلين في جميع مؤسسات التعليم العالي في لبنان 109،87 طالباً وطالبة في العام 1994- 1995، وارتفع إلى 850،180 طالباً وطالبة في العام 2009- 2010، شكلت حصة الجامعة اللبنانية من مجموع طلاب التعليم العالي على التوالي 6،27٪ في العام 1972- 1973 قبل الحرب، وارتفعت إلى 3،37٪ في العام 1982-1983أثناء الحرب، ثم إلى 45٪ في العام 1992- 1993 بعد الحرب مباشرة، لتتراجع في العام 2009- 2010 إلى 1،42٪ على الرغم من الزيادة في عدد طلابها.
تصدّرت جامعة بيروت العربية بنسبة 3،9 ٪ في العام 2009- 2010، حصة الجامعات الخاصة التي أنشئت قبل 1996، تليها حصة جامعة القديس يوسف 3،5٪ ، والجامعة الأمريكية 3،4٪ فالكسليك9،3٪ فسيدة اللويزة والجامعة الإسلامية واللبنانية الأمريكية بنسبة 2،3٪ لكل منها.
إلا أنه تم رصد تم تفاوت في الزيادة في عدد الطلاب بين الجامعات الخاصة، فقد تضاعفت أعداد جامعة الروح القدس 18مرة بين أعوام 1972- 1973 و 2009- 2010، تلتها جامعة سيدة اللويزة بـ 16 ضعفاً ونصف، فجامعة البلمند بـ 15 ضعفاً، وجامعة الحكمة بـ 10 أضعاف، ثم الجامعة اللبنانية الأمريكية بـ 6 أضعاف والجامعة الأميريكية بضعفين.
إلا أن حصة هذه الجامعات قد تراجعت لصالح الجامعات التي أنشئت بعد الـ 1996 فبينما كانت تستقطب مجتمعة ما نسبته 9،49٪ تراجعت حصتها في العام 2009- 2010 إلى 3،31٪، وإذا ما احتُسبت حصة الجامعة اللبنانية التي تضاعفت 5 مرات والتي بلغت 1،42٪، فتُقدر حصة الجامعات الخاصة الحديثة النشأة بـ 4،26٪ من مجموع طلاب لبنان.
والتفاوت طال أيضاً توزع الحصص بين الجامعات الحديثة النشأة من مجموع الطلاب، فبينما بلغ عدد طلاب الجامعة اللبنانية الدولية 706،13 في العام 2009- 2010، يتجاوز عدد الطلاب في كل من 16 جامعة ومعهداً الـ 1000، ومن بينها 7 لم يتجاوز عدد الطلاب في كل منها الـ 200 طالب وطالبة.
تطور توزع الطلاب حسب الجنسية
تميّز التعليم العالي في لبنان قبل الحرب باستقطابه لنسبة كبيرة من غير اللبنانيين. وتميّزت تركيبة بعض الجامعات بالنسبة الكبيرة من غير اللبنانيين، وخصوصاً في جامعة بيروت العربية، والجامعة الأميركية، وكلية بيروت الجامعية (الجامعية اللبنانية الأميركية حالياً) والجامعة اللبنانية وجامعة الإمام الأوزاعي.
شكلت نسبة الطلاب غير اللبنانيين 4،54٪ من مجموع طلاب التعليم العالي في لبنان في العام 1972- 1973. وارتبطت ظاهرة الاستقطاب التعليمي قبل الحرب بدور لبنان كجامعة للشرق الأوسط، وبالوجود الفلسطيني الكثيف في لبنان، وفي العام 1982- 1983 أي خلال الحرب، تدنت النسبة إلى 4،40٪، ثم في العام 1992- 1993 تراجعت إلى 5،29٪، لتنخفض مجدداً في العام 2009- 2010 إلى 2،16٪.
شكلت نسبة غير اللبنانيين في جامعة بيروت العربية النسبة الأهم بين جامعات لبنان، كانت بمقدار 2،89٪ في العام 1972- 1973، لكنها انخفضت في العام 2009- 2010 إلى 9،53٪. إذ طال التراجع الجامعة الأميركية في بيروت حيث شكلت نسبة الطلاب غير اللبنانيين فيها 2،46٪ في العام 2009- 2010. كذلك شهدت كلية بيروت الجامعية (الجامعة اللبنانية الأميركية) وضعاً مماثلاً للجامعة الأميركية.
يعود التراجع في أعداد الطلاب غير اللبنانيين إلى الأوضاع الأمنية غير المستقرة خلال حرب 1975- 1990، وإلى أن الطلاب العرب عموماً والفلسطينيين المقيمين في لبنان خصوصاُ غادروا في قسم كبير منهم بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت في العام 1982، وخروج المقاومة الفلسطينية في لبنان.
المنحى التراجعي في عدد الطلاب غير اللبنانيين لم يشمل الجامعات كافة في لبنان، حيث شهد البعض منها زيادة في نسبتهم. فقد استمرت ثلاث جامعات في العام 2009- 2010 تضم نسبة من الطلاب غير اللبنانيين أعلى من اللبنانيين. فإلى جامعة بيروت العربية، التي استقطبت منذ الستينيات طلاباً غير لبنانيين، استقطبت جامعات إسلامية حديثة النشأة، بسبب توجهاتها الأيديولوجية، وشبكة العلاقات التي تقيمها مرجعية المؤسسة الجامعية مع هيئات مماثلة في العالم العربي والإسلامي. كذلك فإنّ إعادة الاستقطاب الخجولة لبعض الجامعات العريقة للطلاب العرب بعد الحرب تعدّ مؤشراً على أنه ما زال لدى لبنان قدرة على الجذب.
مرحلة الحرب وانعكاساتها على التعليم العالي
امتدت هذه المرحلة من لحظة اندلاع الحرب الأهلية، وحتى أواسط التسعينيات (1975- 1995)
قبل الأحداث التي اندلعت في العام 1975 في لبنان، كان عدد مؤسسات التعليم العالي فيه محدوداً الا أن سنوات الحرب شهدت، لأسباب ودوافع مختلفة، تكاثرا ملحوظا في عدد هذه المؤسسات ناهز العشرين مؤسسة، وتركت بصماتها عليها، ومن أبرز تلك التأثيرات كان التفريع وما نتج عنه.
التفريع:
شكلت الأحداث الأمنية التي شهدها لبنان سبباً موضوعيا لتفريع مؤسسات التعليم العالي المتمركزة بأغلبيتها الساحقة في العاصمة بيروت. فقد أدى انقطاع التواصل بين المناطق المتحاربة، وصعوبة انتقال الطلاب والأساتذة والإداريين من «المنطقة الشرقية» حيث يقيم معظمهم إلى «المنطقة الغربية» التي كانت تتمركز فيها معظم الجامعات، إلى التفكير بحل للواقع الأمني المستجد فكان التفريع.
تحقق التفريع في الجامعة اللبنانية بداية في العام 1976 بقرار وزاري تم بموجبه إنشاء ست كليات ومعهدين في «المنطقة الشرقية من بيروت»؛ ومن ثم صدر مرسوم اشتراعي في العام 1977 قضى بإنشاء وحدات جامعية في بيروت والمحافظات أو فروع لها.
حذت الجامعات الخاصة وللأسباب الأمنية نفسها في البداية حذو الجامعة اللبنانية في التفريع.
فقد شكلت فترة الحرب، وتحديدا في العام 1977، بالنسبة لجامعة القديس يوسف فترة التغيير الكبير، فترة توسع، وانتشار، وإعادة تنظيم، كما كانت فترة تساؤلات عن معنى الوجود، وعن الدور الجديد المنتظر من الجامعة، وعن علاقتها بلبنان، كما بالخارج. وطال التفريع الطوعي كلية بيروت الجامعية (الجامعة اللبنانية الأميركية حاليا) في إطار سياسة تغيير، فتوسعت الكلية بافتتاح فرعين لها واحد في مدينة جبيل في العام 1978، وآخر في مدينة صيدا في العام 1989.
جامعة واحدة هي الجامعة الأميركية في بيروت، نتج التفريع فيها عن «ضغوط قاسية سياسياً وعسكريا» على إدارتها، اضطرتها في العام الجامعي 1977-1976 إلى افتتاح برنامج، وليس فرعاً، في «المنطقة الشرقية» من بيروت، ثم توسعت الاختصاصات بسبب ازدياد عدد الطلاب.
بخلاف الجامعة اللبنانية التي تفرعت قسراً وتوسعت به، والجامعة اليسوعية وكلية بيروت الجامعية (الجامعة اللبنانية الأميركية) التي تفرعت طوعا وتوسعت به، شكّل التفريع في الجامعة الأميركية حالة اعتراضية انتهت بدون آثار؛ «فهي تفرعت قسراً إلا أنها قاومت التفريع وحالت دون تحوله إلى دائم، فتغلبت عليه مع انتهاء الحرب في لبنان» بينما لم تشهد الجامعة العربية في هذه المرحلة تفريعا لها، وكذلك الحال في جامعة الروح القدس- الكسليك.
نتائج التفريع:
أدى التفريع إلى تغيير في التركيبة التنظيمية والإدارية للمؤسسات الجامعية، كما أثر على المباني والتجهيزات وعلى الطاقات البشرية.
في الجامعة اللبنانية أصبح واضحا بعد سنتين من حرب 1975 أنها «سقطت في براثن الحرب، وأن هذه بدأت تلتهم المنجزات التي قد تحققت» فقد تم استحداث منصب مدير فرع، وهو ما عدل في التسلسل الأكاديمي المتعارف عليه عالمياً، وأدى إلى إضعاف سلطة الأقسام الأكاديمية في الكليات لصالح مجالس الوحدات. كما عزز التفريع في غياب مجلس الجامعة من صلاحيات رئيس الجامعة عبر منحه حق «تقرير التعاقد مع الذين ترشحهم الكليات…» وقد فتح هذا مجال سيطرة رئيس الجامعة، بالتوافق مع وزير التربية بمنح عقود التعاقد لأشخاص مشكوك في أهليتهم، إلا أن هذه الصلاحيات لم تكن مطلقة، ولم يكن بالإمكان ممارستها بمعزل عن «التوازنات السياسية» بين أطراف السلطة الفاعلة. لم تحجب بعض إيجابيات تفريع الجامعة اللبنانية السلبيات الكثيرة التي نتجت عنه، وخصوصا لجهة تزايد التدخل السياسي في الحياة الأكاديمية وهو ما أدى إلى إضعاف المراقبة والمحاسبة وتراجع مستوى التعليم ونوعيته. أما التفريع في «جامعة القديس يوسف» وفي كلية بيروت الجامعية فقد حصل باتجاه مخالف وبنتائج مختلفة كليا عما حصل في الجامعة اللبنانية؛ فبينما أدى في الجامعتين الأوليين إلى تأسيس أحرام جامعية في المناطق تضم فروعا لكليات، فإنه أدى في الثانية إلى افتتاح فروع متعددة للكليات في المناطق من دون أي علاقة أو ترابط مباشر بينها. والتأثير الأقوى للتفريع أصاب الهيئة التعليمية والكادرات الإدارية، حيث تشتت الأساتذة والإداريون بين مراكز الجامعات وفروعها المستحدثة، وهو ما انعكس سلبا على المستوى التعليمي فيها. فعملية تلبية حاجات الفروع بسبب التوسع استقطبت إلى أصحاب الكفاءات عددا مهما من غير الكفوئين، وهو ما أثر سلباً على نوعية التعليم العالي ككل في لبنان، التي تأثرت أيضا بهجرة بعض أعضاء الهيئة التعليمية لاسباب أمنية أو معيشية. كذلك أدى التوسع في استقطاب الطلاب في المناطق إلى تسهيل شروط قبولهم من أجل تأمين تشغيل الفروع الجديدة وهو ما ساهم في تراجع نوعية التعليم. يضاف إلى ذلك مفاعيل سلبية أخرى على الجامعات التي كان يؤمها طلاب من خارج لبنان، وخصوصا الطلاب العرب، حيث امتنع معظم هؤلاء، مع بداية الحرب، عن الالتحاق بالجامعات في لبنان. أما على المستوى الأكاديمي فلم تمنع الحرب الجامعة اللبنانية من التوسع في الاختصاصات أفقيا وعاموديا. فالكليات التطبيقية، كالهندسة والزراعة، التي أنشئت قبل الحرب بدأت التدريس أثناء الحرب، واستكملت بكلية العلوم الطبية في العام 1983، وبذلك تم كسر احتكار الجامعات الخاصة التاريخي لهذه الاختصاصات التطبيقية. وفي عز الحرب تم إصدار المرسوم رقم 900 بتاريخ 1983/8/4، الذي يحدد «النظام العام لشهادة الدكتوراه اللبنانية».
أما التغير الأكاديمي في جامعة القديس يوسف فتجلى في إلغاء كلية اللاهوت بعد تحولها إلى الاتجاه العلماني، وإلغاء معهد الآداب الشرقية؛ واستعيض عن الأول بمؤسسات ومعاهد للدراسة والبحث في الشؤون الدينية، وعن الثاني بدوائر ومعاهد أصبحت تابعة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية. والتغير الأهم مع بداية الحرب كان في التشديد على الهوية اللبنانية للجامعة بعد أن كانت لمدة قرن بعثة تبشيرية. وقد سعت إلى تطوير الثقافة التي يعبر عنها باللغة العربية بعد أن اقتصرت لمدة قرن على تطوير الثقافة التي يُعبر عنها باللغة الفرنسية حصرا؛ كذلك انفتحت بعد تفريعها على فئات اجتماعية جديدة وعلى طوائف جديدة. على الرغم من تأخير خطط جامعة بيروت العربية في التوسع والتطوير، إلا أن ذلك لم يمنعها من افتتاح كليتي الهندسة والعلوم في السنوات الأولى بعد اندلاع الحرب؛ كما افتتحت قبل انتهاء الحرب كلية للصيدلة. أما جامعة الروح القدس- الكسليك فقد بدأت تحتل مكانا في بؤرة الضوء بعد شهور قليلة من اندلاع الحرب كمعقل للفكر الكاثوليكي الشرقي (الماروني) وذلك بسبب انكماش المجال اللاهوتي في اليسوعية، وتكريسها كمركز وحيد في لبنان لتعليم اللاهوت العالي.
جامعات جديدة خلال الحرب
في زمن الحرب وبسببها نشأت بعض الجامعات وتغيرت بعض المعادلات التاريخية. لقد فعلت الحرب فعلها فأحدثت الاختراق الكبير للمناطق المارونية الكاثوليكية من قبل كلية بيروت الجامعية (البروتستانتية) التي احتضنت مركز سيدة اللويزة (الرهبانية المارونية المريمية) لمدة تسع سنوات 1987-1978؛ وقد أفضى ذلك الاحتضان إلى اضطرار الحماة التاريخيين للغة والثقافة الفرنسيتين، الاعتماد، للمرة الأولى، المنهاج الأميركي واللغة الإنكليزية كلغة تدريس. ثم تحولت جامعة سيدة اللويزة إلى جامعة مستقلة، وتوسعت وأنشأت فرعين لها واحدا في دير القمر وآخر في بلدة برسا في الكورة. تنوعت مبررات اختراق المنهاج الأميركي للمناطق المارونية الكاثوليكية؛ ومنها أن الحرب اللبنانية دفعت بالعديد من الخريجين للهجرة، كانت وجهتهم خصوصا إلى دول الخليج التي كانت تشهد ازدهارا غير مسبوق بسبب ارتفاع عائدات النفط؛ ولغة الأعمال المعتمدة في هذه الدول هي الإنكليزية، لذلك كان لا بد من التكيف مع الواقع الجديد في عملية إعداد الطلاب. وقد ترافق ذلك مع تراجع النفوذ الفرنسي لصالح النفوذ الأميركي مما أتاح هامشا لإحدى الرهبانيات (الرهبنة المارونية المريمية) بكسر التقاليد واعتماد المنهج الأميركي. خلال الحرب، وفي ظل التجاذبات الطائفية المتفاقمة، حصلت جامعة البلمند (التابعة للطائفة الأرثوذكسية) على الترخيص في العام 1988، وبلغ عدد كلياتها خمسا في العام 1996، بعد أن ضمت إليها الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة- الألبا التي تأسست في العام 1937.
ابتدعت هذه الجامعة صيغة تعايش اكاديمية فريدة، جمعت بين اللغتين الإنكليزية والفرنسية. فأنشأت كليات تدرس اختصاصها بالفرنسية وأخرى بالإنكليزية وثالثة بالفرنسية والإنكليزية معاً وهكذا تعزز موقع اللغة الإنكليزية والمنهج الأميركي في المناطق المسيحية.
ولأن البعد الطائفي شكل بعداً أساسياً في التأسيس والترخيص للجامعات، فقد سبق تأسيس جامعتي سيدة اللويزة والبلمند، والاعتراف بهما رسمياً، صدور مرسومين عام 1986 بإنشاء سبع كليات ومعاهد إسلامية، أو الاعتراف بها؛ وتلاهما إنشاء جامعتين في طرابلس، جامعة الجنان (إسلامية) وجامعة المنار (النفوذ السياسي). وكان قد سبق كل ذلك الترخيص لمعاهد لاهوتية وكليات دينية مسيحية.
أكدت الدفعة الجديدة من الجامعات، التي رُخص لها أثناء الحرب، أهمية التوازن الطائفي- السياسي في منح التراخيص للجامعات؛ وبداية تجيير النفوذ السياسي للمسؤول للحصول على حصة في سوق التعليم. أما علاقة الدولة، المنهكة والمفككة بسبب الحرب، بمؤسسات التعليم العالي فقد اتسمت بالعجز والضعف والاكتفاء بدور سلبي يتجلى في قوننة المساومات والتوازنات الطائفية، من دون أي سعي جدي لتنظيم هذا القطاع وأي قدرة على المراقبة والمحاسبة.