المهندس جلال عبس: معظم المخططات التوجيهية تصدر نتيجة لضغوطات أو ترتيبات أو طبخات

المهندس جلال عبس تحدث إلى «التمدن» عن أوضاع التنظيم المُدني، المخطط التوجيهي ومساوىء المشاريع التي تنفذها الدولة عبر «مجلس الإنماء والإعمار» وتداعياتها على النهضة العمرانية في طرابلس فقال:
«التنظيم المدني هو علم قائم بحد ذاته وإختصاص مستقل تماماً عن العلوم الهندسية، ولكن في لبنان يتعاطى معه مهندسون مدنيون ومعماريون… وقلة من يفهمون ما هو المقصود من »التنظيم المُدني»، وكثر من يعتقدون انه مقتصر على عوامل الاستثمار، فالتنظيم المُدني يُعنى بكل شؤون المواطن الآنية والمستقبلية.
الكارثة الكبرى ان لبنان، منذ الخمسينيات، يسير بخطة تخريبية ممنهجة نظراً لسوء فهم التنظيم المُدني ومن يتعاطى به، وبالرغم من انه من أجمل دول المنطقة طبيعة وبيئة ومناخاً وموارد طبيعية، إلاّ انه أصبح في وضع كارثي ومن أقبح البلدان في المنطقة، والناتج المعماري هو من أسوأ وأقبح النتاجات المعمارية في المنطقة، ما عدا بعض الاستثناءات، إذ ان القوانين المعتمدة السيئة أنتجت فوضى عجيبة حيث تتداخل المناطق السكنية مع الصناعية والتجارية، فكانت النتيجة عبارة عن كتل باطونية تشبه علب الكبريت لا مجال فيها للتطور والابتكار المعماري».
أضاف: «السبب الأساسي ان المجلس الأعلى للتنظيم المدني في لبنان المؤلف من حوالي 17 عضواً بالكاد تجد من بينهم ثلاثة أو أربعة يفقهون في التنظيم المدني، حتى المدير العام للمجلس ليس متخصصاً في هذا المجال، ولذلك فإن معظم المخططات التوجيهية تصدر نتيجة لضغوطات أو ترتيبات أو طبخات يقوم بها السماسرة العقاريون وأصحاب النفوذ والأملاك…».
وتابع: «هناك مطالبة دائمة بزيادة عامل الاستثمار الذي يعتبره أصحاب العقارات حقاً مكتسباً، وأي تخفيض أو مس به «يقيم الدنيا ولا يقعدها»، وهذا الأمر خطير، وعلى سبيل المثال فإن الطابق الاضافي (المرّ) كان من أسوأ البدع بذريعة تمويل مشروع إسكان على كافة الأراضي اللبنانية (خمسة آلاف شقة)، لم يُنفذ أي مسكن من عوائد الطابق الإضافي، وكانت النتيجة الكثير من التشويهات على إمتداد المناطق عدا عن زيادة الكلفة السكانية».
أضاف: «زيادة عامل الاستثمار ليست موجودة إلاّ في لبنان وطريقة حسابها خاطئة، إذ المفروض ان تستفيد كل المباني من عامل استثمار موحد مع مراعاة عوامل الاستعمال الوظيفي لهذه المساحات، وهي تتغير بحسب الطبيعة الاختصاصية في المناطق (سكنية، صناعية، تجارية….)، ويجب إعادة النظر بعوامل الاستثمار في لبنان مع الإطلاع على ما في البلدان الأخرى وتطبيقها.
قد يقول البعض ان عدد الناس يزداد فأين يسكنون، هذا المبدأ خاطىء، إذ غير مسموح ان تكبر مساحات المدن العمرانية على حساب المساحات الحرة المحيطة بها، في طرابلس تكبر المساحات العمرانية على حساب المناطق الحرة والزراعية، وهناك سوء إستعمال لمساحات العقارات المبنية في بعض أرجاء المدينة يجب إعادة النظر بها وإعادة إعمارها بشكل عصري وحديث.
إذا وضعت دراسة لإعادة تكوين المساحات المبنية يمكن وضع عوامل استثمار أو تحريرها ضمن شروط معينة من تأمين تراجعات مساحات حرة… ولكن القانون الحالي لا تتوفر فيه هذه المسألة».
وعن المخطط التوجيهي في طرابلس قال عبس:
«سنة 1971 وُضع المخطط التوجيهي للمدينة وقد شكل أذى كبيراً لمناطق سكنية بحتة مثل أبي سمراء والقبة والمدينة القديمة، حيث زاد عامل الاستثمار وشُقت شوارع وطرقات أدت إلى تدمير النسيج العمراني لتلك الأحياء، وبالرغم من وجوب إعادة النظر بأي مخطط توجيهي بعد مرور 15 إلى 20 سنة على العمل به، ولكنه بقي قيد العمل في طرابلس أكثر من 30 سنة إلى ان صدر مخطط جديد سنة 2009، وهو صدر على عجلٍ وعبارة عن «ترقيع»، فكان أسوأ من المخطط الذي سبقه، ومايزال معتمداً حتى الآن مع ادخال بعض التعديلات التي تكون من سيئ إلى أسوأ. انه مخطط تخريبي وليس توجيهياً، فالمدينة بحاجة ماسة اليوم إلى مخطط يحدد هويتها وتوجهاتها ووظائفها المستقبلية من الآن وحتى 20 سنة مقبلة».
وعن مدى تداعيات المخطط التوجيهي القائم عى النهضة العمرانية في طرابلس قال:
«لدينا فائض من الشقق السكنية الفخمة بالمقابل هناك نقص كبير في الشقق لذوي الدخل المحدود، وهذا يتطلب تدخلاً من الدولة التي عليها وضع مخطط إسكاني لذوي الدخل المحدود، القطاع الإعماري يتوجه حالياً لخدمة القطاع الخدماتي الإداري مما أحدث نقصاً في قطاعات أخرى، ونحن بحاجة إلى مخطط يراعي الحاجات الصحية والتعليمية والتجارية…».