طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أسئلة حول البيئة ومطمر النفايات في طرابلس أجاب عنها عصمت عويضة

توجهت «التمدن» إلى الباحث البيئي الدكتور المهندس عصمت عويضة ببعض الأسئلة مستفسرة عما أثاره في العدد السابق وفي «لقاء الثلاثاء» في دارة القائد د. عبدالمجيد الرافعي» من انتقادات للخطة الرسمية لمعالجة مشكلة النفايات المنزلية البلدية خاصة وأنها اعتُمدت بوجود النواب والوزراء والفنيين المستشارين لـ «مجلس الإنماء والإعمار» وللبلدية ومندوبين للمجتمع المدني، وفي ما يلي هذه الأسئلة وما وردنا بشأنها من أجوبة:

قلت لدي حل ولم اقل أن غيري لا يملكه

∎ قلت بأنك تملك مفتاح حل إشكالية التخلص من النفايات المنزلية البلدية، وفي المقلب الآخر جميع المسؤولين والفنيين يقولون مثل هذا الكلام!! فما هي الضمانات لصحة ما قلته؟

– «أنا لم أقل بأن غيري لا يملك مفتاح الحل، وأكدت مراراً بأن جميع الحلول التي يطرحونها هي من نوع الممكن، وإنما لكي ينجح أي حل من الحلول لا بد من تأمين الشروط الأولية مثل:

«الفرز في المصدر».

«وتصريف المواد المفروزة».

ثم تنفيذ المعالجة بصورة سليمة.

وأخيراً لا بد من التخلص من المواد التي انتهت إليها المعالجة بصورة فنية غير مؤذية.

العنصر الأساسي المكان المناسب

وكيفما كانت المعالجة – بالتخمير الهوائي أو اللاهوائي أو الحرق – وكيفما كان برنامج الفرز والتجميع، وكيفما كانت المواد المستخرجة بالمعالجة، فإن هناك عنصراً أساسياً واحداً مشتركاً في كل هذه العلميات: إدارية أو فنية كيميائية أو فيزيائية، لا فرق، هذا العنصر هو:

تأمين المكان المناسب من حيث المساحة والموقع.

أمثلة من الواقع الطرابلسي

أضرب الآن مثلاً من صميم واقعنا الطرابلسي.

قالوا سنحتاج فوراً لإنشاء مطمر مؤقت مساحته 60 ألف متر مربع، يخدم لمدة 3 سنوات وبكلفة سمعنا أنها 40 مليون دولار. ولم يجدوا موقعاً لهذه الغاية إلاّ طمر البحر في المكان العميق الملاصق للمنطقة الاقتصادية الحرة.

ما طُرح فاشل كحل مؤقت أو توطئة لدائم

وهذا الحل بحكم مشروعهم الحالي محكوم بالفشل كحل مؤقت وكحل توطئة لايجاد الحل الدائم.

المؤقت

هذا الحل فاشل كحل مؤقت لضيق عرضه مما يجعل من المستحيل الطمر دون تلويث البحر فيزيائياً، انتبه، أقول فيزيائياً وليس كيميائياً. لأن التلويث بالعصارة خرافة، ومنع تسرب المواد البلاستيكية والصلبة إلى البحر شبه مستحيل في قطعة أرض عرضها 40 أو 50 متراً كما هو مبين في خريطتهم وربما أقل.

وكتوطئة

أما فشل المشروع كتمهيد للحل الدائم فذاك أن مشكلة إيجاد مكان دائم للطمر في أي منطقة خارج طرابلس لم يستطع أحد أن يضمنها خلال الثلاثين سنة المنصرمة لا عندنا ولا في أي مكان آخر في لبنان. إذن لنبقى في طرابلس وهذا ممكن كما سبق وأوضحت في عدد «التمدن» السابق، وكما سأوضح».

∎ قلت ان جميع الحلول التي طُرحت هي من النوع الممكن، ولكنك لم تتردد بأن تقول أنك من أنصار المعالجة الهوائية Aerobique، وكدت تقول انها الحل الوحيد الممكن تطبيقه في بلدنا فما هو السبب؟

وقد كانت لك دراسة موسعة حول معمل فرز النفايات الآلي وملحقه لانتاج الـ RDF بطريقة التخمير الهوائي، وقد أكدت فيها ان الفشل سيكون مصير المشروع، ولكن أصريت على إلزامية تصحيح المشروع وليس إهماله!؟

هل لنا بمعرفة مزيد من التفاصيل عسى أن يتم الإقتناع بها؟

ثلاث عائلات رئيسة للمعالجة

– «عندما نقول انه يوجد ثلاث «عائلات» رئيسية لمعالجة النفايات المنزلية:

– المعالجة الهوائية.

– المعالجة اللاهوائية.

– الحرق.

فإنه يتوجب علينا تذكر أن لكل «عائلة» من هذه «العائلات» يوجد عدة مدارس تتنوع بحسب رغبة «المصمم» في تلبية أحد الأهداف الممكنة كهدف رئيسي.

المعالجة اللاهوائية

آخذ مثلاً مبسطاً هو المعالجة اللاهوائية للنفايات، فإن «المصمم» يسأل هل هدفه هو إنتاج الـ  CH4(الميتان) لتوليد الطاقة، أم أن هدفه الرئيس هو التسبيخ، ومن هذين الهدفين تتفرع عدة حلول.

في حال كان هدفنا الطاقة فنسأل هل نريد طاقة نظيفة بمعالجة الغازات المتولدة عن التسبيخ بحيث لا تحوي سوى «الميتان»، أم ان بإمكاننا استعمال «الميتان» الممزوج بغازات أخرى المحتوية على غازات مؤذية مثل Dioxine والـ  Furanes والـ PCB، وقِس على ذلك بالنسبة لاشكاليات الحرق والتفكيك الحراري وكذلك المعالجة الهوائية.

ثم اننا، ولو توصلنا إلى تحديد هدفنا من المعالجة اللاهوائية فيبقى أن نعلم أن لكل من الدول الأوروبية أو الأميركية أو اليابان، تكنولوجيا خاصة بها ولكل منها مميزات ومساوىء.

هي الأشد تعقيداً

إننا نجزم ان المعالجة اللاهوائية والمحارق هي أشد تعقيداً وأعلى كلفة وأكثر محاذير صحية من المعالجة الهوائية.

العالم نحو المعالجة الهوائية

والعالم كله يسير نحو الاقتصار على هذا النوع من المعالجة الهوائية وأحياناً كثيرة يقرنها بالحرق على درجة حرارة مرتفعة لتأمين التفكيك الحراري فيقضي على أي أثر لتسرب غازات سامة.

شيء آخر أزيده كمميزات هامة للمعالجة الهوائية:

السلامة الصحية

– من ناحية السلامة الصحية: التسبيخ الهوائي الكامل لا تصدر عنه روائح، والغازات سليمة     CO2 وNO2 وH2O وSO4، وغبار المعادن الثقيلة نادر بل معدوم بعد الفرز في المصدر.

من اليدوية إلى الميكانيكية

– ومن ناحية البساطة في التطبيق والتدرج في الانتقال من المعالجة اليدوية إلى الميكانكية وتحجيم المساحة اللازمة فهذا واضح وسهل ورخيص ما دامت لدينا المساحة الكافية المجانية التي نكسبها من البحر».

التنظير و«خريطة طريق» والتكاليف

∎ من الأرقام الواردة في مقالاتك السابقة وعلى الخرائط التوضيحية عن المساحة اللازمة للمعالجة الهوائية وتوابعها القبلية والبعدية: 200 ألف، 300 ألف، 500 ألف، وأخيراً قرأنا رقم مليون متر مربع، ألا تشعر معنا أنك متفائل جداً بنجاح خطتك وخريطة طريقك التي لم تكلمنا عنها شيئاً؟

ألا ترى أنك في هذا البند – خريطة الطريق – تشترك مع مخالفيك «بالتنظير» خاصة لجهة التكاليف اللازم تأمينها؟

جوابي حول المساحة والتكاليف

– هذا هو السؤال المحوري الذي يجب على الجميع، مسؤولين وغير مسؤولين، أن يطرحوه على أنفسهم وبالنسبة لأية خطة عمل ولأية خريطة طريق. وهنا أجيب، وجوابي سيتطرق إلى المساحة اللازمة وإلى التكاليف.

المساحة

بالنسبة للمساحة اللازمة لمدينة كطرابلس عدد سكانها 350 ألف نسمة وينتج عنها يومياً 300 طن نفايات منزلية فإنه تكفيها أرض مساحتها 200 ألف متر مربع. ويمكن إنجازها بالردم البحري على مرحلتين.

ومع ازدياد السكان بسبب النزوح من الريف أو غير ذلك كمساعدة الجوار فبإمكاننا زيادة مساحة الأرض بنفس الطريقة ونفس خريطة الطريق التي نوجزها بالمُصَوَّرين المرفقين وهي ليست من «اختراعنا» بل مقتبسة من               الـ Master Plan والذي وضعه أكثر من 200 خبير وفني لكامل لبنان لحل المشكل البيئي (نفايات ومجاير).

وهذه الدراسة غنية جداً بالمعلومات والإحصاءات ويمكن اعتمادها كقاموس بيئي مرجع، على الرغم من قدمها النسبي (أنجزت سنة 1990).

التكاليف

– أما بالنسبة للتكاليف فهي الأوفر بداهة، لنجري عملية حسابية تقريبية:

– المساحة المطلوبة 200 ألف متر مربع: 500 متر *400 متر بعمق:5.1 متر

– حجم الردم: 000.200*5.1= 000.300 متر مكعب.

– وطول السنسول: 500+400+400=1300 متر؟

– ثمن الردم: 000.300*30 دولار/ متراً مكعباً= 9.000.000 دولار مع اليد العاملة.

– ثمن السنسول: 1.300 متر ط*1500$/م.ط = مليوني دولار.

– المجموع: 9.000.000+ مليونين= 11.000 +4 مليون دولار (إنشاءات أخرى وغير منظور) = 15 مليون دولار.

– هذا بينما قدروا تكاليف المطمر المقترح منهم البالغ 60.000 متر مربع بـ 40 مليون دولار.

نحن هنا لا نسيء الظن بدقتهم المالية، ولكن نسيء الظن بالمكان الذي اختاروه حيث عمق الماء 3-6 أمتار بينما عندنا من صفر إلى 3 أمتار أي بعمق 5.1 متر كمعدل عام عوضاً عن 5.4 أمتار».

 نشكر«التمدن»: وندعو أهل الإختصاص لإبداء رأيهم

في الختام «التمدن» مع شكرها لك، تأمل من أصحاب الاختصاص البيئي الذين يقرأون هذا الكلام ان يدرسوه وأن يصدروا بياناً يوضح رأيهم في صحة وواقعية ما ورد، فإننا جميعاً – كأهل المدينة – غارقون في مشكلة واحدة وهدفنا واحد.

لم أفرغ كل ما في جعبتي

وأنا أشكر لكم إفساحكم لي مساحة في جريدتكم. جريدتنا جميعاً، ولكن أرجو ان يكون معلوماً أنني لم أُفرغ كل ما في جعبتي من آمال وآلام، فالمشكل البيئي هو الخط الأحمر العريض الذي ان تجاوزناه هلكنا وهلكنا جميعاً.

طرابلس تعتاش على البيئة السليمة

طرابلس ليس لها ما تعتاش منه إلاّ الحفاظ على بيئتها سليمة وذلك حتى لا تخسر أبناءها المهاجرين الذين مازالوا مرتبطين بها مع عائلاتهم ويوظفون جزءاً من ثروتهم فيها. وليس من دخل قومي طرابلسي إلاّ هؤلاء: لا صناعة ولا زراعة والقليل من الخدمات.

ولئن ضجروا من فساد بيئتها فهذا يعني الهلاك الأكيد لنا جميعاً.

مستوى الاحتراز والتسامح

واستكمالاً لتوضيح خطورة المشكل البيئي بالنسبة لطرابلس، لا بد لنا من معالجة إشكالية بيئية هي:

ما هو مستوى الاحتراز والتسامح في كل ما يصدر من محاذير في كل مرحلة من مراحل الإشكال البيئي: قبل وبعد وأثناء المعالجة؟

ان جمعية الأمم المتحدة في فرعها المتعلق بالصحة: «منظمة الصحة العالمية» (WHO) كانت تتريث بإصدار أحكامها حول هذا الموضوع الخطير فتعطي نصائح عامة وغير حاسمة.

مخاطر الإسراف في إستعمال البلاستيك

أضرب مثلاً واحداً ذلك عندما اكتشفوا منذ 15 سنة الآثار الصحية الخطرة للديوكسين والفوران والـ PCB وكلها نتيجة الاسراف في استعمال أصناف محددة من البلاستيك.

فإنهم تريثوا 15 سنة ثم أصدروا دراستهم الأخيرة حول الديوكسين واتبعوها بالمبدأ الشهير الذي أطلقوا عليه «Principe de Precaution»  (مبدأ الحيطة) وطالبوا جميع الدول بتطبيقه.

ماذا يقول هذا المبدأ وكيف فهمته الدول المتطورة وكيف طبقوه؟

هذا ما سأخصص له حلقة منفصلة عسى الله يفتح آذان إخواننا المتنطعين من العاملين في الحقل البيئي وما فتئوا يطالبون المسؤولين بالتشبه الفوري بالدول الاسكندنافية وألمانيا وسويسرا… وشتان…

ملحوظة أخيرة:

أتمنى على من لا يوافقني الرأي في أي فكرة وردت أن تناقش علناً والأفضل ان تكون في مؤتمر علمي برعاية اللجنة العلمية في نقابة المهندسين، عسى نتمكن من إغلاق ملف النفايات قريباً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.